تضم ما "هبّ ودبّ"... من يراقب مساكن الطلاب العشوائية؟
زيزي إسطفان -"نداء الوطن
"لدينا شقق للإيجار مفروشة للطلاب والطالبات"، "غرفة أو سرير ضمن شقة مفروشة قرب الجامعة بسعر مناسب"، "دورم" الملائكة بأنسب الأسعار ... إعلانات وصور تجذب اللاهثين واللاهثات وراء سكن طالبي ملائم يناسب ميزانياتهم ويؤمن لهم إقامة لائقة في منطقة ملأى بالتناقضات. والواجهة الجذابة تخفي خلفها ما تخفيه: فوضى وسلوكيات غير مضبوطة وتفلّت من القوانين... هذا بعض ما يحدث تحت ستار مساكن الطلاب العشوائية غير الخاضعة لإدارة الجامعة اللبنانية في الحدث.
التعميم غير مسموح بالطبع ولا يمكن وضع جميع مساكن الطلاب في السلة نفسها، لكن الفوضى المستشرية في هذا القطاع بدأت تثير المخاوف، حيث لا حسيب ولا رقيب على تلك المساكن التي أوجدتها الحاجة وباتت تعرف زوراً بأنها مساكن للطلاب. في محيط الجامعة اللبنانية، في الليلكي وحيّ السلم والعمروسية والحدث مبان وبيوت وشقق تحولت إلى "فوايهات للطلاب" تتحكم بها قوى الأمر الواقع في ظلِ غياب كلي لرقابة الدولة والأجهزة المختصة وتفرضها الحالة الاقتصادية المتردية لغالبية قاطنيها.
مساكن غير قانونية
أكثر من شكوى طرقت مسامعنا دفعتنا إلى طرح الكثير من الأسئلة: من يراقب هذه المساكن ويتأكد من كونها أولاً مرخّصة وخاضعة لقانون الإيجارات؟ هل يسجّل عقد الإيجار بين الطالب وصاحب المسكن في البلدية كما يقتضي القانون؟ هل تقدّم لوائح بأسماء المستأجرين إلى الأمن العام كما هي الحال مع "البنسيونات" والشقق المفروشة والفنادق مثلما ينص القانون؟ وفي حال أقدم أحد المستأجرين على ارتكاب جرم أو مخالفة من يحدد مكان سكنه إذا كان المبنى غير مرخص ولم يتم تبليغ المراجع الرسمية المعنية بلوائح المستأجرين؟
تتوالى الأسئلة ليس على لساننا فحسب بل على لسان أهالي وطلاب أتوا من مناطقهم البعيدة وحاولوا إيجاد غرفة أو سرير في مكان قريب من الجامعة. "من يؤكد لنا أن جميع الساكنين في هذا الفواييه من الطلاب؟" تسأل إحدى الأمهات. ويأتي سؤالها على خلفية سكن إحدى التيكتوكرز في غرفة مجاورة لغرفة ابنتها. صبية لا وظيفة لها سوى تصوير الفيديوات المائعة وافتعال الضحكات وما إلى ذلك من تصرفات لا تشبه بشيء تصرفات طالبة جامعية. "هل كل الساكنين من اللبنانيين أم سيفاجأ أولادنا بجيران من تابعيات عربية وأفريقية وآسيوية؟" ذلك بعد أن سبق لإحدى الشابات أن شاهدت بأم العين فتاة تبدو من التابعية الأثيوبية تغادر مع ساعات الصباح الأولى إحدى الغرف.
نحمل بعض هذه الأسئلة إلى صاحب "فواييه" في منطقة الليلكي قرب الجامعة اللبنانية: هل تقبلون بجنسيات غير لبنانية؟ هل يمكن أن تسمحوا بسكن مشترك بين شاب وصبية؟ وهل تسمحون بتلقي زيارات في أي وقت؟ أسئلة يجدها الرجل توجع الرأس. يحاول التنصل منها مؤكداً أنه لا يقبل الغلط لكنه قد يستقبل في غرفة واحدة شاباً وشقيقته أو زوجته وربما أمه! وينكر تماماً استقبال أشخاص غير لبنانيين إلا إذا كانوا طلاباً مسجلين في الجامعة اللبنانية سوريين أو عراقيين أو من جنسيات أخرى يحملون إقامة شرعية. "الفواييه" عنده مراقب بالكاميرات وعند العاشرة والنصف مساء تقفل الأبواب ويمنع على أي شخص الدخول، حتى عمال الديليفري لا يسمح لهم بالتوجه إلى الطوابق وعلى الطلاب استقبالهم في الصالة المشتركة في الطابق السفلي. لكن في مبنى مؤلف من سبعة طوابق ومقسوم إلى جزءين واحد للشبان وآخر للبنات ومع 11 غرفة في كل طابق يحوي كل منها ما بين سريرين إلى ثلاثة أسرة لا شك يصعب ضبط الأمور والتصرفات فيه ويحتاج إلى إدارة حديدية تمنع كل التجاوزات. هل تستطيع إدارة "الفواييه" الوقوف في وجه زعران المنطقة إذا أرادوا القيام بزيارة لصديق أو عقد "جلسة أنس" في إحدى الغرف؟ وهل تصمد الأبواب والنوافذ أمام أي اقتحام يعرض الطلاب الساكنين للسرقة والإعتداء؟
بين حي السلم والليلكي تكثر المساكن المخصصة للطلاب كون المنطقتين قريبتين جداً من الجامعة اللبنانية في الحدث. نحاول الاتصال بأكثر من صاحب سكن طلابي فيهما وتجمع الإجابات على أن الأمور مضبوطة وأن 95 في المئة من المستأجرين من الطلاب و5 في المئة من الموظفين. الكل يستفيض في شرح الأصول المتبعة من طلب الهوية وعدم قبول أي طلب تأجير أو حجز غرف عبر الهاتف وعدم السماح بأية سلوكيات خارجة عن مفاهيم الأخلاق.
من يحفظ حقوق الطلاب؟
بين الادعاء والواقع مسافة مرصوفة بألغام أخلاقية وقانونية قلما يتم التداول بها. نعرفها من بعض من عايشوا الواقع عن قرب. يؤكد هؤلاء أن مساكن الطلاب الشرعية والمرخصة لا تمثل أكثر من 10 في المئة من مجمل ما يسمى سكن الطلاب وهي في معظمها تتبع لمؤسسات تعليمية معروفة أو جمعيات نظامية، فيما البقية لا تهدف إلا إلى الربح المادي على حساب الطلاب وأهلهم ولا تحترم أية معايير قانونية أو أخلاقية. وتروي إحدى الطالبات قصة زميلة لها مصابة بحالة النقطة ومعرضة لـ "كريزة" في أي وقت، قامت الحاجة صاحبة الشقة بطردها حتى لا تضطر لطلب الإسعاف والخضوع لـ "سين وجيم" في حال أصابها مكروه.
"يكذب من يقول إنها مساكن للطلاب فقط" تقول سلام إحدى الطالبات في الجامعة اللبنانية في الحدث فهي تحوي ما "هبّ ودبّ". وقد تسكن طالبة في غرفة واحدة مع موظفة أكبر منها سناً لا تعرف عنها شيئاً". بعضهم يحكي عن عمليات دعارة مقنعة تجري تحت سقف ما يسمى بـ "سكن الطلاب" وهو ليس بالأمر المستبعد كون الرقابة الرسمية غائبة بشكل كلي. وبعض من يلجأ إلى السكن في هذه الشقق قد يكون مرتكباً أو مطلوباً يختبئ من وجه العدالة وقد تكون شابة هاربة من سلطة أهلها وجدت في هذه المساكن متنفساً لها، أو قد يكون مريضاً نفسياً يقوم بتصرفات غير واعية وتمنع عليه حالته في الأصل أن يعيش لوحده من دون رقابة الأهل. من يقيّم كل هذه الحالات؟
أكثر من طالب التقيناه أكد أن لا عقد إيجار يتم توقيعه بين الطالب المستأجر وصاحب الشقة أو المبنى، الدفع يتم مباشرة مقابل وصل وأحياناً بلا وصل. وبهذا يتهرب صاحب المبنى من دفع ضريبة إضافية للبلدية والمالية ولا يعترف بتحويل الوجهة الأساسية للعقار. وهنا يصبح الطلاب من دون أية حماية قانونية في حال وجود مشاكل مع صاحب المبنى، ويخضعون للاستغلال وزيادة الإيجار ويمكن أن يتعرضوا للطرد بلا أية عواقب قانونية. وهذا الذي ينطبق على مساكن الطلاب غير المرخصة في كل المناطق اللبنانية. من هنا يُنصح بتوثيق جميع الشروط المتفق عليها في عقد خطي لضمان حقوق الطلاب وتفادي أي نزاعات مستقبلية.
أين معايير السلامة؟
"النظافة مفقودة" تؤكد إحدى الطالبات و"منظر المبنى لا يوحي مطلقاً بالثقة سواء في مدخله أو في الدرج والغرف هو يشبه الكثير من بنايات الليلكي. نش وعفونة والرطوبة على الجدران وداخل الغرف تجعلها موطناً للحساسية والأمراض، والمراحيض حدث ولا حرج". الكل يعد بكهرباء وإنترنت ومياه ساخنة 24\24 لكنها في معظم الأوقات وعود كاذبة، يؤكد أحد الشبان الذي يروي أن صاحبة المسكن تطلب منه شراء قنينة الغاز للتدفئة من حسابه الخاص أو تزيد عليه بدل الإيجار كلما استعمل الغاز. هنا نسأل: من يؤمن سلامة الطلاب وأمنهم إن لم نقل راحتهم ورفاهيتهم؟ هل تخضع هذه المباني لمعايير السلامة العامة كما ينص القانون بالنسبة للمباني المعدة لاستقبال الجمهور؟ المحامية فرح الحسيني تطرح بدورها أسئلة "هل فيها مخارج طوارئ أو سلالم إنقاذ أو حتى مطافئ حريق؟ ومع ما تعرضت له المنطقة من قصف وتدمير من يضمن اليوم سلامة البنى التحتية المتهالكة أصلاً التي تزيد من خطر انهيار المباني أو حدوث مشاكل كهربائية قد تؤدي إلى حرائق؟".
محظوظ من يحظى بغرفة
قليل من الطلاب من يحظى بغرفة خاصة يمكن أن يتراوح إيجارها بين 350 و 500 دولار شهرياً. الغالبية العظمى تبحث عن سرير في غرفة مشتركة قد يتراوح إيجارها شهريا بين 100 دولار في بيت صغير يبعد 15 دقيقة عن الجامعة و160دولاراً في فواييه أقرب. وقد يضطر الطالب إلى دفع 100 دولار كتأمين. الأسعار في حي السلم أقل بشكل ملحوظ من الأسعار في منطقة الحدث القريبة أو حتى من منطقة الليلكي الأقرب إلى الجامعة والطريق العام. صحيح أن مساكن الطلاب الخاضعة لإدارة الجامعة اللبنانية بأسعارها الرمزية هي الحلّ الأمثل والأكثر أماناً، رغم كل الشوائب والإهمال الذي اعترض عليه الطلاب في الأعوام السابقة، لكن السلطات الحزبية وبشكل خاص حركة "أمل" كما عرفنا هي المتحكمة بالمساكن والمندوبين، توافق على من تشاء وتمنع السكن عمن تشاء. ووحدهم المحظيون ينالون الغرف قبل سواهم ويتخبط الآخرون في إيجاد سرير يؤمن لهم مستقبلاً. ومن مآثر الوساطات لجوء بعض الطلاب المحظيين إلى خدعة التسجيل وهمياً في أحد الاختصاصات الجامعية للاستحصال على ورقة رسمية تؤهلهم الحصول على سكن بكلفة ضئيلة لغير دواعي الدراسة فيما يحرم منها طلاب هم في أمس الحاجة إليها.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|