المرشد الأعلى للحكومة
ترتكز القوة السنية لـ "حكومة الإنقاذ" بشكل أساسي على الرئيس فؤاد السنيورة
ينسب بعض أهل التاريخ إلى وزير السلاجقة وعمود دولتهم الكبرى، نظام الملك، رسالة ردّ فيها بقسوة على نقد حاكم الدولة "ملكشاه"، لطغيان نفوذه على سلطانه، قال فيها "إن ثبات تلك القلنسوة معذوق بهذه الدواة... ومتى أطبقت هذه زالت تلك". أي أن كسر قلم الوزير وترجمان عقله سيفضي لا محالة إلى زوال "عمامة" سلطنته.
وبالفعل ما كاد نظام الملك يقضي نحبه اغتيالاً على يد أحد صبيان "طائفة الحشاشين"، حتى تبعه "ملكشاه" بعد 35 يوماً وتفرقت الدولة إلى دويلات.
ها نحن نعود مجدّداً إلى سيرة أحد أبرز الوزراء في التاريخ الإسلامي، لما فيها من عِبَرٍ يمكن إسقاطها على الحالة الراهنة عند السنة. والعبرة أعلاه أشدّ انطباقاً على العلاقة بين رئيس الحكومة نواف سلام والرئيس فؤاد السنيورة، والذي تصفه نخب سياسية بـ "المرشد الأعلى" للحكومة.
تبيّن أوساط سياسية أن القوّة السنية الداعمة لـ "حكومة الإنقاذ" ليست قاصرة على "كلنا إرادة"، بل ترتكز بشكل أساسي على الرئيس فؤاد السنيورة، الذي يشكّل عقلها السياسي وعمقها الإداري.
وهذا ما ظهرت معالمه في الحسم السريع لأسماء الوزراء السنة غداة التكليف مباشرة، دون أن تنجح كل الضغوطات التي تعرّض لها سلام من أطراف وازنة في تغيير اسم واحد.
لم يكن ذلك ممكناً بالنسبة إلى شخصية أمضت قرابة عقدين خارج لبنان ما بين أروقة "الأمم المتحدة" و "محكمة العدل الدولية"، إلا من خلال الاستعانة بمرجع مخضرم ومتمرّس من وزن السنيورة.
فكان أول اسم أمدّه به رئيس حرسه الرسمي إبّان حكومته ليكون وزيراً للداخلية. وزاد عليه عامر البساط لوزارة الاقتصاد بطريقة تُبيّن مدى دهائه، حيث نُحّيَ العامل الصيداوي الشديد الأهمية في حسابات رئيس الحكومة الأسبق ضمن استعداداته للانتخابات النيابية المقبلة، وحُمّل الأمر برمّته لـ "كلنا إرادة" التي ينتمي إليها البساط، خصوصاً أن جسمها "لبّيس".
وها هي الأسماء تظهر من "السادات تاور" للمناصب السنية في الدولة، لتقتحم ملف التعيينات، حيث يتفرّغ رئيس الحكومة الأسبق مع خلية ضيقة جداً لجوجلة الأسماء وسيرها وإجراء المقابلات بعيداً من أعين الصحافة والفضوليين، فيما خاض سلام معركة الثقة، السهلة نسبياً.
ولأن السنيورة مولع بالتاريخ والتراث الإسلامي، أُغدقت عليه التشبيهات من رحمهما. ثمّة من يعتبره "قطب" الحكومة، وهي رتبة متقدمة في الفلسفة الصوفية، وتحظى بالكثير من التبجيل، لتأثّره بالتصوف الكلاسيكي، ودائرته الضيقة الأشبه بـ "العزلة الصوفية"، والتي اشتكى من ضيقها المستدام بعض أصدقائه، ومنهم الدكتور رضوان السيد في إحدى مقالاته.
وثمّة من رأى نموذجاً قريباً لـ "الحاجب المنصور"، محمد بن أبي عامر، الذي يقول عنه المؤرخ الإسلامي راغب السرجاني "كان ذا طموح كبير وهمّة عالية وذكاء وقّاد".
فرغم عدم انتمائه إلى الأسرة الأموية، إلّا أنه تمكن بدهائه من دخول الدولة والتدرّج في مناصبها، مُقصياً مراكز القوى، حتى دان له حكم "الأندلس" الزاهرة من موقع "حاجب الدولة"، المعادل لرئيس الوزراء في زمننا، تاركاً للملك "هشام المؤيّد" سلطة اسمية فارغة.
في الواقع، يتلاءم هذا التشبيه مع الصراع الصامت بين السنيورة و "المستقبل"، والذي يوشك أن يصبح ساخناً مع بدء الإطاحة برجال الحريري في الدولة، ولا سيّما أن الأسرة الحريرية تعتبر نفسها "عائلة حاكمة" على تمثيل السنة ومناصبهم، ولها جمهور واسع يقرّ بحقها في ذلك، على نسق "بني أميّة" في مواجهتهم مع "الحاجب المنصور"، الذي حال "وفاء" أهل الأندلس للإرث الأموي دون الفوز بحبهم، رغم كل إنجازاته وعطاءاته لهم.
والحال أن "شيخ" الحريرية أعطى بنفسه إشارة إطلاق الصراع الساخن باستبعاده السنيورة عن لائحة زيارات زملائه في "نادي رؤساء الحكومات"، والذي يعد واحداً من الهياكل التي برع الأخير في سبكها للبقاء في صلب المعادلة السياسية، بداية بـ "مجموعة العشرين"، وانتهاءً بالنادي الجديد الذي يضمه إلى الرئيسين أمين الجميل وميشال سليمان.
السنيورة العارف تماماً بما هو مقبل عليه، تلقّف الرسالة وأبعادها بأعصاب باردة، كما هو دأبه إزاء الحمم المصبوبة عليه منذ اتخاذه قرار الخروج على مشيئة الحريري.
ربّما يكون محقاً في توثّبه الفرصة المتاحة لإعادة تفعيل الحضور السني سياسياً وإدارياً، والتخفيف من إرث "الشيخ" في نزع الدسم السياسي والريادة والابتكار من التمثيل السني.
لكن ما يُؤخذ عليه تراجع سقف خطابه إلى معادلات "ربط النزاع"، وحتى إلى ما قبل عام 2005، خصوصاً أن هذا الخطاب سيترجم في نهج الحكومة السياسي.
ناهيكم بإشكالية ضيق منعزله الصوفي، وما يخلقه من فجوة "نخبوية" و "أستاذية" مع وجدان العامّة آخذة في الاتساع، وهو ما تبدّى في سلوك الرئيس نواف سلام منذ تكليفه.
صحيح أن النخب هي من تقود عملية التغيير وصناعة الرأي، لكن الجماهير تبقى الكتلة الناخبة الكبرى، ولا بد من إيجاد التوازن لجسر الهوّة بينهما، خصوصاً أن سلام يعمل على إبقاء "قلنسوة" السراي المتصلة بـ "دواة السادات" في حكومة ما بعد الانتخابات.
سامر زريق
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|