بحر الدماء المتوسّطة بين الثورات والثروات
وضعت قيادة الجيش اللبناني فوق طاولة مجلس الوزراء دراسة تفصيلية موجزة حول موجات النزوح السوري المتدفّقة بسبب الإنهيار الإقتصادي هناك. بدا لبنان الرسمي والشعبي على هشاشة أوضاعه الداخلية عاجزاً عن إيجاد سياسة موحّدة تجاه تلك الظاهرة التي بدأت واستمرّت متقطعة لأسباب إنسانية منذ الـ 2011 بإندلاع الحروب المتعددة الهويات في سوريا. وصلت إلى مليونين ونصف نازح قبل الموجات الجديدة نحو بلدٍ ضامر ومربك سياسيّاً وإقتصادياً وإجتماعياً واللبنانيون بمعظمهم يحلمون بالنزوح والهروب من جحيمهم الفريد.
لنقل ببساطة أنّ اللبنانيين والسوريين وبلدان شمالي أفريقيا وحتى القارة السمراء ظواهر معاصرة مقلقة حيال كوارث الإستقرار أو نعمة الإبحار حين تتجهّز قوافل البواخر والقوارب لتعبر بهم نحو أوروبا أو نحو قعر البحر الهائج المتوسط. يمكن التفكير بعقل بارد، أنّ موجات "الثورات" العربية من تونس إلى دمشق خلّفت قلقاً أوروبيّاً لا من الأثقال الإقتصادية وإيواء التطرّف ولا لردود فعل شرائح المسلمين في دولهم وحسب، بل تجاه ارتداد جاذبيتهم الدينية التي راهن عليها الغرب بهدف التغيير السياسي وهي ترتدّ لاستحالات التغيير. كان الفكر منصبّاً عبر قرون على إمكانية إختراقهم بالأفكار الغربية لكنه سرعان ما تحوّل إلى نوع من السخط والإنكار والرفض والتهديد الذي نراه يقوى ويشتدّ ليُقلق عواصم أوروبا وخصوصاً إيطالية وفرنسا مع تدفّق النازحين نحو الشمال.
لنتذكّر معاً أنّ مصطلح "النهايات" راج مع الألفيّة الثالثة ليتّخذ القرن الـ21 تسمية ألهبت الشهيّات هي قرن الدين. ما زال المؤلفات والنظريات الواسعة الإنتشار المبشّرة بإنهيار الإيديولوجيات والأفكار اليسارية والثورية مقابل يقظة الأديان والمذاهب، وخصوصاً تلك التي استلهمت الفكر القومي إن لم نقل إستوردته من الغرب وإعتنقته بفجاجته وهي لم تكن إنخرطت بعد في مقدّمات الثورات الصناعية والتقنية ومفاهيمها ومفاعيلها الحضارية.
هكذا حلّ عصر العولمة ليأخذ الشعوب الطريّة لا نحو الذكاء الإصطناعي بل إلى ما أسميه مقلوباً بـ "صناعة الذكاء" دفناً لمعظم الأفكار والنظريات التراثية حيث انتفت قدرات الأفراد والعائلات وسيادة الدول التقليدية تبشيراً بالسقوط النهائي للحدود والأنظمة المتخلّفة وحتّى للبشر بألوانهم وهوياتهم المتعددة وبإنتماءاتهم الضيّقة. أورث هذا المناخ الإستهلاكي مسلوخاً من بقايا الفكر والنقاش تأثيراته الضخمة على مستقبل الأفراد وحتى الأوطان بشعوبها الموسومة بالتخلّف.
وهنا ملاحظتان داعمتان:
1-الأولى محورها التبشير والتنظير بإنهيارات العديد من أنظمة الشرق الأوسط المطبوعة أبداً بالأحزاب القومية والدين في دساتيرها وثقافاتها بصفتها مجتمعات نهائية غارقة في الإختلاط المعقّد والشائك بين السلطات الأسطورية والدينية والعقلية. قادت تلك المعضلات الى ثقافات تبرير الفشل المزمن والإخفاق وتقبّل الإنهيارات والتشبّث بسلاح المؤآمرات الخارجية وصولاً إلى الإستنتاجات القطعية التي أسقطت حاجات الشعوب وتطلعاتها الباحثة عن التغيير والتبديل. هكذا أفرزت وقائع "ثورات الربيع العربي" وأحداثها ونتائجها الكارثية إخفاقاتٍ لم ينتظرها كثر من العرب والمسلمين. وبالرغم من التشظّيات الداخلية السياسية والمذهبية ، سرعان ما تمّ رسم هذه الرغبات والحركات عبر حفر المجرى الخطير من العراق الى تونس فمصر وليبيا وسوريا ولبنان بالطبع وكأنّها ملامح لعصر منهك يأخذ وقائعه الإجتماعية البطيئة والمكلفة وتسميته في خانة "الفوضى الخلاّقة".
2- الثانية جاء التفكير والفكر المسكون بالتكفير مرسّخاً دعائمه أو تبريرته وشعبياته، من مقولات قديمة تتجدّد محورها العلاقات المزمنة المعقّدة بين الغرب والشرق في قضايا العدالة والمساواة والإعتراف التي تمطّت عبر التاريخ نحو فكرة مستقبل القدس التي بلغت ذروتها مع رونالد ريغن الرئيس الأميركي بقوله: "حينما أتطلّع إلى نبوءاتكم في العهد القديم أجد نفسي متسائلاً عمّا إذا كنّا نحن مَن سيرى نهاية العالم والإختلاط الدولي والقاري واقعاً فعلاً... إنها نهاية تنطبق قطعاً على زماننا الحاضر". من يدقّق في لسان أوروبا وصحافتها وخصوصاً إيطاليا وفرنسا المسكونتين بوطأة المهاجرين والنازحين يقف يتيماً تائقاً لهجرة الفكر النهائي هناك من الأديان نحو الإنسان منذ نهايات الحرب العالمية الثانية.
تتعاظم عبر هاتين الملاحظتين فتتراجع المسافات والفروقات بين العديد من الدول المرشّحة أو الرافضة للتغيير في جهات العالم، مع أنّها تبدو غالباً محكومة بتوقها وأحلامها وتوقّاتها أبداُ في اتلعودة نحو مجتمعات أحادية وهويات خاصة في الشرق والغرب. الغرب لأنّها في ردود أفعالها واختلاطها تبدو أسيرة المعتقدات والتباينات في المقدس والخير والشر وأنساق القيم والأعراف والحرية وردود الأفعال وأساليب الحياة المختلفة. هكذا تستمرّ التشظيات والحروب والثورات المستوردة كأدوات حياة موكولة بالرفض والتمرد والخرائب والهجرة والنزوح ليبق البحر الأحمر المتوسط مشرّعاً للثروات و"الثورات" المستوردة. الدكتور نسيم الخوري
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|