"حزب الله" يكرّس الربط بغزة والمساندة لا تنقذ لبنان؟
"النهار"- ابراهيم حيدر
لا تزال المواجهات على الحدود بين "حزب الله" وقوات الاحتلال الإسرائيلي، منضبطة ضمن قواعد محددة لا تأخذ المنطقة إلى حرب شاملة. هي تخفت أحياناً ثم تشهد تصعيداً واسعاً حيث يتخطى القصف الإسرائيلي والغارات الجوية القرى المتاخمة للحدود، فيما تستهدف المقاومة مناطق أبعد وفق ما تقتضيه ظروف الميدان. وإذا كان "حزب الله" استخدم أسلحة جديدة في المعركة، إلا أنه لم يكشف أوراقه العسكرية وقدراته الصاروخية، طالما أن الهدف الآن إبقاء الجنوب جبهة مساندة لغزة وضاغطة، وإن كانت الأمور قد تنزلق إلى ما هو أكبر عند تغيّر الحسابات خصوصاً في إسرائيل حيث الجبهة الداخلية تضغط لتوسيع دائرة الحرب مع لبنان لإبعاد "حزب الله" إلى ما بعد شمال الليطاني، لذا هي تتحين الفرصة لشن حرب تدميرية وفق مصدر دبلوماسي، مستفيدة من لحظة الدعم الأميركي المفتوح لحربها في غزة، لكنها تنتظر ضوءاً أخضر حول لبنان.
يستبعد "حزب الله" احتمالات حرب إسرائيلية واسعة، معتبراً أن قيادة الاحتلال لا تجرؤ الآن على فتح جبهة جديدة، في وقت هي تغرق في غزة، ولم تتمكن من القضاء على حركة حماس بفعل الصمود الذي تبديه على الأرض، ولذلك هو مطمئن وفقاً لروايته، طالما أن جنوب لبنان يبقى الآن جبهة ضاغطة ضد الاحتلال الإسرائيلي. إلا أن الأمور قد تتغير وفق الدبلوماسي مع تطور العمليات العسكرية التي قد تخرج عن قواعد الاشتباك، وتصبح جبهة مشتعلة مستقلة عن غزة، وتؤدي إلى تفجير المنطقة، خصوصاً وأن هناك قراراً إسرائيلياً متخذاً في هذا الشأن، إذ أن مأزق غزة لن ينتهي في فترة قريبة والحرب قد تطول رغم التدمير والتهجير، وهو ما يدفع حكومة بنيامين نتنياهو إلى الهروب نحو جبهات أخرى للتغطية ولتنفيذ أجندات تورط معها الولايات المتحدة وتفرض على الدول المساندة مزيداً من الدعم تحت عنوان، إنهاء الخطر المسلح على الحدود الذي يشكله "حزب الله" بعد حماس.
ما يجري في الجنوب يطرح تساؤلات حول المرحلة المقبلة، في ما إذا كانت الحرب ستندلع حتماً أو عودة الاستقرار الذي سيحمل معه تغييرات عدة في المنطقة، خصوصاً وأن الوقائع الميدانية والسياسية تؤكد أن جبهة الجنوب لن تعود إلى ما كانت عليه قبل عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الاول الماضي، مع ما تعبر عنه الإدارة الأميركية عبر مسؤوليها من ضرورة تطبيق القرار 1701.
بدأت تظهر علامات استفهام حول طريقة إدارة "حزب الله" للمعركة مع الاحتلال وما إذا كانت جبهة الجنوب تساهم فعلاً في دعم المقاومة في غزة، إضافة إلى ربط لبنان بجبهتها. ويشير المصدر الدبلوماسي إلى أن "حزب الله" يعمل بأجندة لها امتدادات إقليمية وهو يعرض قدراته في مواجهة الاحتلال من دون الاخذ بالاعتبار التأثيرات المحتمة على وضع لبنان. ولذا هو ينطلق من مساندة حماس إلى إمساك أوراق عدة لمرحلة ما بعد غزة، والدليل على ذلك أن تطورات الميدان في فلسطين والحرب البرية الإسرائيلية لم تؤد إلى اشتعال الحرب على جبهة لبنان.
هناك دلالات كثيرة على خطورة الوضع في الجنوب، فإضافة إلى الميدان تتسارع الاتصالات الدولية وتحذر من الانجرار إلى حرب كبرى مدمرة للبنان ومفتوحة امتداداً نحو المنطقة. ويظهر وفق ما تنقله الوفود الدولية إلى لبنان، خصوصاً من الفرنسيين، أن الحرب في غزة قد تطول، ما يعني أن جبهة الجنوب ستبقى مفتوحة انطلاقاً من أن "حزب الله" يربط وقف عملياته ضد الاحتلال بوقف إطلاق النار في القطاع. لكن حتى لو توقفت الحرب، فإن الوضع في جبهة الجنوب لن يعود كما كان في السابق، إذ ستطرح تغييرات على مختلف المستويات إقليمياً ودولياً، تبحث في المرحلة المقبلة وكيفية تثبيت الاستقرار، خصوصاً وأن إسرائيل تشترط عودة المستوطنين إلى منازلهم في شمال فلسطين على الحدود اللبنانية بإنهاء ما تسميه تهديد "حزب الله".
إذا كان "حزب الله" حتى الآن ليس بوارد توسيع منطقة العمليات وصولاً إلى حرب مفتوحة، إلا أن التصعيد الذي تشهده جبهة تماس الجنوب، يهيّئ الأرضية لانزلاق الأمور بفعل حسابات معينة الى تفجير شامل، والأخطر أن تشن إسرائيل حرباً أو أن تستدرج "حزب الله" إليها، مستغلة فرصة ما تسميه الفوضى القائمة التي تهدد مستوطناتها الشمالية، والخطر على الحدود، وذلك لفرض أمر واقع ينتهي بالتدمير ويكرس منطقة عازلة في الجنوب. ويتساءل المصدر الدبلوماسي عن جدوى إبقاء جبهة الجنوب مفتوحة، طالما هي لا تغيّر من واقع غزة، فإشغال قوات الاحتلال في معارك، لا يخفف من إجرام الحرب، ولا يوفر حماية للبنان من عدوان إسرائيلي محتمل يفجر الحرب الكبرى، وما إذا كان "حزب الله" مدركاً لذلك، أو أنه يغامر بجر لبنان إلى الحرب لحسابات ليست لبنانية. وإذا كان "حزب الله" صرح عبر عدد من مسؤوليه أن الجبهة هي مساندة وأن الميدان المتصل بتطورات غزة هو الذي يحدد تحولات الحرب، إلا أنه يضع لبنان أمام وضع صعب عبر ربطه بغزة ويغامر بجرّه إلى الحرب.
نقل الفرنسيون عبر وفدهم الأمني الذي زار بيروت قادماً من تل ابيب، تهديدات إسرائيلية شديدة اللهجة، وفق المصدر الدبلوماسي، وأبدوا مخاوفهم على الوضع في لبنان، كما فعل المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، ومسؤولين آخرين، وحضّوا على ضرورة تنفيذ القرار 1701 لحماية لبنان من حرب إسرائيلية محتملة.
يبدو أن "حزب الله" الذي أسقط مشروع المنطقة العازلة، يذهب من خلال إبقاء الجبهة منطقة عمليات عسكرية، بصرف النظر عن الأهداف الإسرائيلية، إلى نقطة أبعد، أولاً من خلال ربطه جبهة الجنوب بغزة على ميدانياً، ثم من خلال التنسيق العملياتي مع حركة حماس عبر وحدة الجبهات، وكأنه مشاركاً في قيادة المعركة بين غزة ولبنان، ولذا كان واضحاً إشراك حماس والجهاد الإسلامي وفصائل سًنية لبنانية عبر اطلاق الصواريخ، ثم إعلان تأسيس طلائع طوفان الأقصى، وهو ما يزيد من تعقيدات المشهد، وينسف في شكل نهائي القرار الدولي 1701 ويحول لبنان مجدداً ساحة للتجاذبات والفوضى، لا تخدم الداخل الفلسطيني.
يكرس "حزب الله" من خلال ربط الجنوب بغزة، نفسه شريكاً في التفاوض في المرحلة المقبلة. هو أسقط مشروع المنطقة الآمنة جنوباً، وفرض معادلة أن لا أحد يستطيع إبعاده من ساحته الأساسية. ولم تنجح الاتصالات والضغوط أيضاً في ثني الحزب عن الاستمرار بعملياته العسكرية. فرهانه على أن معركته يمكنها رفد حماس بالمساندة وعدم استفرادها، هو سلاح ذو حدين. ربط لبنان بغزة هو توريط يفتح الامور على مسارات جديدة، لن يكون ممكناً معها العودة إلى الوراء، وهو ما يزيد من مخاطر نشوب الحرب. ويبدو أن الأمر مرتبط بما سيحدده الاميركيون مستقبلاً، وصولاً إلى التفاوض مع إيران، لكن وضع ترتيبات للمرحلة المقبلة يواجه اتعقيدات، ستحددها السيناريوات المطروحة في السباق بين الحرب الإسرائيلية على لبنان وبين تسوية شاملة لا تبدو عناصرها متاحة في الأفق... وهنا يكمن الخطر.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|