الصحافة

“المحافظون اللّبنانيّون الجدد”: بعد الشّيعة… جاء وقت السُّنّة!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكن ينقص لبنان إلّا المحافظون الجدد. ولم يكن ينقصنا نحن اللبنانيّين إلّا التقسيم، أو الفدرالية بالقوّة والغصب. وهكذا كلّما استبشرنا خيراً بقرب قيامة الدولة، طفا فوق السطح ما يبدّد كلّ أمل، وينسف كلّ جهد.

توافق عدد من الشخصيّات الذين التقوا في بيت مري من أجل إطلاق “المحافظين الجدد ـ لبنان”، على العمل الفعّال من أجل المساهمة في نهوض المجتمع المسيحي، وتبنّوا الخيار الفدرالي خياراً سياسيّاً أصيلاً لمسيحيّي لبنان، ملوّحين في حال رفضه من الأطراف الأخرى باتّخاذ كلّ الخيارات الممكنة.

أعلن المجتمعون أيضاً رفضهم التامّ ومحاربتهم الحازمة لكلّ أشكال الذمّيّة السياسية المفروضة على المسيحيين، سواء من الخارج أو حتى من الداخل، داعين رئيس الجمهورية إلى قيادة المرحلة الانتقالية وصولاً إلى تحقيق نظام سياسي اتّحاديّ ـ فدرالي مبنيّ على أساس الحياد والحكم الجماعي، بعيداً عن مفاعيل اتّفاق الطائف “المخالف للشرائع الدولية”، الذي باتت مفاعيله تشكّل خطراً وجوديّاً على مسيحيّي لبنان. وحذّروا أيضاً من خطر سقوط المجتمع المسيحي رهينةً بيد اليسار العالمي بتسمياته وأشكاله المختلفة.

ما سبق غيضٌ من فيضِ ما خرج به المؤتمرون في فندق البستان في بيت مري قبل أيّام، أي خلال العام الجاري 2025، مطلقين على أنفسهم اسم “المحافظين الجدد ـ لبنان”. طبعاً لم يكن بين المؤتمرين سياسيّ مسلم واحد. وما سبق سبب وجيه في ذلك.

لغة عفّى عليها الزّمن

لولا ذكر وثيقة التفاهم الوطني، أو اتّفاق الطائف، لخال القارئ نفسه يطالع وثيقةً سياسيةً صادرةً عن فصيل مسيحي مسلّح أو حزب مسيحي، في أوج الحرب الأهلية اللبنانية التي امتدّت من عام 1975 حتى عام 1990. فلغة البيان والأفكار والطروحات التي تناولها، عليها غبار عقود عديدة مرّت على لبنان، وعليها دماء لبنانية من كلّ حدب وصوب وطائفة. أكثر من ذلك، هي لغة لم تتسلّل من صفحات الكتب العتيقة، ولا من عنديّات مفكّر مسيحي معروف أو حزب مسيحي ذي تمثيل، وإنّما هي لغة تمّ سحبها من تحت أنقاض الحرب، ومن بين ركامها الذي يبدو أنّ أحداً لم يُزِله من النفوس، وإن تمّت إزالته من الطرقات والأزقّة.

هذه اللغة التي تنضح بالكراهية ورفض الآخر، مع العلم أنّ المجتمعين شدّدوا على نبذ الكراهية في بيانهم، لم تستهدف الآخر المسلم فحسب، وإنّما هاجمت أيضاً الآخر المسيحي، أكان قوّاتيّاً أو كتائبيّاً أو حتّى عونيّاً… فما بالك بالشخصيّات المسيحية العابرة للطوائف؟ والأخيرون من بينهم “المدعوّ طارق متري”، كما ورد على لسان قارئ هذا البيان ألفرد رياشي في حوار معه بُثّ أخيراً!

لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، فقد اتّهم الأخير بالصوت والصورة رئيس الحكومة اللبنانية نوّاف سلام بـ”العمالة”، نهاراً جهاراً، من دون أن يرفّ له جفن.

الفدرالية التي طرحها المؤتمرون (من مؤتمر لا من مؤامرة) ليست الفدرالية التي لطالما نادت بها أطراف مسيحية عدّة على مدار التاريخ اللبناني، والتي يُروَّج أنّها للجمع بين اللبنانيين أكثر منها للتفرقة. فدرالية “المحافظين الجدد” مقدّمة للتقسيم، كما لا يخفى على كلّ من قرأ الوثيقة.

تتمّة لسياق؟

في الشكل، خرجت الوثيقة إلى العلن، يوم الثالث والعشرين من آذار المنصرم، ومن بيت مري في قلب جبل لبنان. أمّا في المضمون، فخرجت بعد أشهر من حرب إسرائيلية ضروس على لبنان، نكبت طائفةً لبنانيةً بأمّها وأبيها، هي الطائفة الشيعية، وأضرّت بلبنانيّين كثر من شتّى الطوائف والمحافظات.

أبعد من ذلك، خرجت تلك الوثيقة بعد كلام غربي، وتحديداً أميركي، يتحدّث عن أمّة مسيحية وعن وطن أُعطي للمسيحيّين وبعض الدروز انبثق عن معركة عين دارة عام 1711، لا عن مؤتمر الصلح في باريس، بمسعى من بطريرك الموارنة واللبنانيين التاريخي الياس الحويك.

 

كأنّ الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، التي أعادت أجواء عام 1982 إلى الواجهة من جديد، ليست كافيةً لضعضعة الاجتماع اللبناني القائم حاليّاً، وخلخلة أسس الدولة الوطنية الموعودة منذ عهد لم تمضِ عليه أشهر معدودات بعد، فكان لزاماً مواكبتها بخطاب داخليّ “مسيحيّ” أشدّ وطأةً منها وأدهى خطراً.

كأنّ 35 سنةً لم تمضِ على لبنان، ولا أُزيلت متاريس وفُتحت مناطق وأُعيد إعمار ما تهدّم علّ وطناً يقوم من جديد. وكأنّ لبنان لم يبلغ من العمر مئة سنة ونيّف.

إلى ما سبق، يأتي اتّهام الرئيس نوّاف سلام بالعمالة، على لسان رياشي، في سياق إعلان الأوّل رفضه التطبيع. فالمؤتمرون أعلنوا من بيت مري تأييدهم خطّة الولايات المتحدة الأميركية لإحلال السلام بين دول المنطقة وإنهاء الحروب. والخطّة المؤيَّدة هذه لا تخفى تفاصيلها على أحد. وكأنّ المؤتمرين يقولون: جاء وقت السُّنّة وقد تكفّلت إسرائيل بالشيعة!

ألم نشبع مغامرات؟

ليس هذا الطرح – الوثيقة جديداً في لبنان. عمره من عمر الوطن. لكنّ لبنان الوطن النهائي لجميع أبنائه قام يوم استُبعد هذا الطرح. يوم سافر البطريرك الحويك وطالب العالم بالأقضية الأربعة، الشمال والجنوب والبقاع وبيروت. يومها عارضه موارنة كثر، وظلّوا في باريس رافضين الرجوع إلى لبنان الحويك.

اهتزّت أعمدة الوطن، لاحقاً، عام 1958، وكان الطرح قائماً لكن بشمعونيّة لا تُفلت شعرة معاوية، ثمّ عادت إلى قواعدها ثابتةً بالشهابية. تأجّل الانفجار عقدين، ثمّ عاد الطرح من جديد خلال الحرب الأهلية وأوصل الموارنة إلى “الطائف”، ولاحقاً إلى الإحباط. مع الرئيس السابق ميشال عون، أودى الطرح المقنّع بالمشرقيّة والانفتاح على الآخر بلبنان واللبنانيين إلى أتون جهنّم.

اليوم، وقد هلّل لبنانيّون كُثر للعهد الجديد، واستبشروا بقرب عودة الدولة بمؤسّساتها كافّةً برعاية ودعم دوليَّين، وإقرار من مختلف المغامرين بها، يعيد المؤتمرون في بيت مري الطرح إلى الواجهة من جديد.

ماذا يريد المسيحيون عموماً، والموارنة خصوصاً، اليوم؟ ألم نشبع مغامرات؟

أيمن جزيني- اساس

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا