ضحايا البحر بين لبنان وإيطاليا: يائسون وأشرار
يفتحون صفحة ويغلقون صفحات. الفيسبوك والتيك توك مليئان بعصابات لا يتخيلها عقل «بني آدم». وحدهم الأشرار ينغلون من بوابة لبنان البحرية إلى... إيطاليا. ثمة سرقات وتحايل وخداع «ع عينك يا تاجر» تحدث يومياً. فهل من يبالي؟ هو ملفٌ نشرّعه أمام من يفترض أن يهمه الأمر: هناك عائلات سورية ولبنانية تدفع ثمن هاجس الهجرة إلى أوروبا تحت عنوان فاقع: سفر من لبنان إلى إيطاليا في البحر. لاحقنا العصابات ولاحقنا من يعتبرون في قاموس الأشرار: أغبياء. هو ملفٌ يعنونه المجرمون «أنه لولا البلهاء لما حققنا أي نجاح». ملف تحايل آخر عبر بحر لبنان تحت المجهر:
لا، ليسوا أغبياء بل هم أشخاص يئسوا من كلِّ شيء ويبحثون عن خلاص عبر البحر. وقد سهل خداع من خُدعوا لأنهم استعجلوا الأمل. في التفاصيل، يبحث من فقدوا الثقة بالبقاء في هذا الشرق عن بوابة أمل فيجدونها في إعلانات من نوع:
رحلات بحرية من طرابلس لبنان إلى إيطاليا. عادل فتح للتوّ، في أوائل آذار، صفحة جديدة على الفيسبوك معلناً: «رمضان كريم، سلام عليكم، سفر من لبنان إلى إيطاليا بعد رمضان. سنمشي إنشالله من لبنان. نحتاج إلى سبعة أيام لنصل إلى إيطاليا. السعر 7 آلاف دولار. تدفعون نصف المبلغ. وحين تصلون تدفعون النصف الثاني. سلام عليكم».
عادل هو أحد هؤلاء. أبو عبدالله مثله. وكثيرون مثلهما. أبو عبدالله كتب في صدر صفحته: نود إعلامكم... تتواجد بواخر بأوراق بحار، باستطاعتكم السفر من خلالها إلى الدول الأوروبية.
الإنطلاق لبنان. الوجهة إيطاليا. ومن هناك، من إيطاليا، توجد سيارة تقلكم إلى كافة دول الاتحاد الأوروبي. مسموح بالعوائل. لمزيد من التفاصيل للجادين فقط التواصل خاص وشكراً. الدفع بعد الوصول». بروفايل أبو عبدالله باخرة. وغلاف صفحته كتابة: تصريح صعود على متن سفينة تجارية.
أكل الضرب
أبو عبدالله جذب، بين كل من جذبهم إعلانه، شاباً سورياً (نتحفظ عن إعلان اسمه لخوفه من مكائد العصابة). هو يائس. عائلته، زوجته وطفلاه في لبنان، وهو كان يستعد لإنهاء أعماله في سوريا والانتقال إلى لبنان ليبحر هذا الأسبوع مع عائلته إلى إيطاليا. فماذا حصل معه و»طيّر صوابه»؟ قرأ إعلان أبو عبدالله. اتصل به. أخبره عن حلمه بالهجرة إلى أوروبا.
«أخذ وأعطى» معه كثيراً. وفي النهاية قال له: اعتبر أنك سافرت. قشعريرة فرح سرت في عروقه. صدّق. وكان ما كان. فماذا كان؟ يجيب «تكلم أبو عبدالله وكأنه ناطق باسم الدولة اللبنانية. لم أشك لحظة به.
هو يتكلم بثقة عالية هائلة. وأعطاني موعداً لمقابلة عاملين في شركته بعد خمسة أيام. قال لي: إذا كنت مستعجلاً أحدد لك الموعد خلال يومين أو في نفس اليوم. لكن جمع أوراقنا التي طلبها يستغرق وقتاً لهذا حصل اللقاء بعد خمسة أيام. طلب مني أن «يُشيّك» على أوراقنا الثبوتية، جوازات سفر، والتأكد من حيازتنا المبلغ المطلوب للهجرة.
ذهبت زوجتي لملاقاته في المكان الذي حدده، في منطقة خلدة، بالقرب من أحذية باتا، وصل مساعده في سيارة نيسان صني فضية اللون رقمها 380688 رمزها P. هي سيارة عمومية (وقد يكون الرقم مزوراً). نزلوا من السيارة فأخرجت زوجتي جوازات السفر، تصرفوا وكأنهم يتأكدون من صلاحيتها، ثم سألوها عن المال «لتشييكه» وما إن أخرجت مغلفاً يضم خمسة آلاف دولار وثمانية ملايين ليرة، حتى استولى عليه، وركب السيارة وغادر على عجل. تمت العملية. كان الوقت ظهراً. صرخت زوجتي. وهناك، من المارة، من التقط صوراً للسيارة. قدمت زوجتي بلاغاً في النيابة العامة في بعبدا. ثم في مخفر الشويفات. وها قد مضى نحو أسبوعين على الحادثة ولم يتصل بنا أحد».
خُدع الشاب السوري. ومثله أمثلة. لكن، ما الذي يحصل في لبنان مع عصابة البحر؟
اتصلنا بأبو عبدالله. أخبرناه أننا «مرسال» بين عائلة سورية وبينه. وطرحنا عليه أسئلة حول كيفية تسهيل رحيل العائلة السورية من لبنان إلى أوروبا.
هو حاضر للإجابة 24/ 24. ونصيحته للعائلة: فليختاروا الانتقال إلى هولندا بعيد وصولهم إلى إيطاليا «البقاء في هولندا أسهل من إيطاليا أو ألمانيا». لكن ما هي الإجراءات التي يفترض أن يقوموا بها؟ «عليهم أولا «تشبيك» المبلغ عبر شركة دولية باسم شخص في لبنان».
لم نفهم. ماذا يقصد بتشبيك المال بأحدهم في لبنان؟ «يتم الإجراء في مكتب دولي في لبنان... ألا تتعاطين مع مكتب دولي؟». أذكره أنني مجرد «مرسال» فيجيبني «أعطيك الاسم فيرسلون المال». يبدو مشغولاً وأنا أحادثه كثيراً. أسأله: هل تسمعني؟
يبدو وكأنه يتحرى عن الاسم الذي ظهر على شاشته حين اتصلت به. يتمتم بكلمات لم أفهمها. أعود وأسأله عن الإجراءات والأوراق التي يفترض تجهيزها؟ يجيب «الأسماء كاملة وجواز سفر بحري وشهادة صحية بحرية لأنهم سيغادرون على أنهم بحارة». يعود لينهمك بأمورٍ... ويغلق الخط.
تكتيك العصابة
أهل العصابة أذكياء. الشاب السوري اتصل أيضاً بأبو عبدالله. فماذا أجابه عن سرقة زوجته في عزّ النهار؟ يجيب من خلال محادثة هاتفية حصلت بينهما عبر الواتساب. قال له الشاب: لو قتلتني كان أهون والله لا لقمة خبز في بيتي. أجابه:
أقسم بالله لم أعرف ما فعل بك (مساعده) إلا بعد أن هرب وترك الشغل وأخذ 25 ألف دولار. أخذ منك 5 آلاف دولار ومن غيرك عشرين ألفاً». سأله الشاب: يعني راحوا المصاري؟ أجابه: أخي لا. الصبح حكيني. سأله: كيف أستردّ حقي؟ أجابه: توكّل على الله.
انتهت المحادثة. كيف تعمل العصابة؟
الوعد بالسفر يكون عبر ميناء بيروت أو طرابلس. يتم استدراج الشخص الحالم بالهجرة. يطلبون منه الأوراق الثبوتية ثم يحددون له موعداً لتشييك حيازته على المال اللازم كلفة الرحلة. يطلبون منه وضع المبلغ في ظرف. يتأكدون منه ثم يغلقونه ويختمون المغلف.
ويعيدونه (شكلياً) إليه. ماذا يعني ذلك؟ يكون المبلغ المطلوب بالدولار الأميركي. يضعونه في كيس يحملونه لسحب لاصق من الكيس ولصق المغلف قبل ختمه. وفي ثوان يستبدلون المغلف بآخر يحتوي على مبلغ لبناني أو سوري أو ورق عادي ويلصقونه أمامه ويعيدونه له شرط أن لا يفتح الختم. يأخذه الزبون ويغادر ظناً منه أنه مغلفه. يعملون بذكاء على تبديل المغلف. ويطلبون منه انتظار موعد السفر.
هم يتكلمون على أنهم مرسلون من وكيل الميناء. هذه واحدة من ألاعيبهم. وهناك ألاعيب أخرى. يطلبون من الزبون إرسال المبلغ كحوالة إلى اسم آخر في لبنان مع الاحتفاظ بإشعار بالتحويل. ألعوبة أخرى يقومون بها. وإذا لم ينجحوا بالحالتين السابقتين. يسرقون المبلغ في موعد التشييك المحدد بقوة السلاح.
على الوعد يا كمون
لكن، كيف يُصار إلى تحويل المال؟ نحتاج إلى إجابة واضحة؟ الإجابة تأتي من حوار سأل فيه أحد الزبائن أحد أفراد العصابة عن مصير ماله المحوّل إلى شخص لا يعرفه؟ يجيب «حين ترسل حوالة إلى أحدهم عبر مكتب دولي - في الحالات العادية الطبيعية - تعود لترسل عادة إيصال الإشعار للزبون. حينها يمكنك النزول إلى أي مكتب دولي لتشيّك على المبلغ وتقدّم الإيصال باسم الشخص المرسل إليه فتقول لك السكرتيرة إذا المبلغ موجود أم لا.
أما إذا الشخص سحب المبلغ وأنت سألت عليه. يحصل تحقيق انك تسأل عن مبلغ مسحوب. وحين يحوّل الزبون المبلغ إلى اسم ما يطلبون منه صورة عن هوية الشخص المرسل إليه وصورة عن هويته. تبقى هوية المرسل إليه فيذهب لسحب المبلغ يعطي رقم الحوالة تقول له السكرتيرة اعطني الهوية يفعل فتقارن الهوية التي أمامها مع الهوية المرسلة المحولة.
إذا في خطأ واحد في المئة يخترب بيته لمن يريد سحب المال. أنت تتكلم بمكاتب دولية لا خاصة وسوداء». إذاً الوعد يكون ببقاء الإيصال مع الزبون فيصعب سحب المال لكن هذا لا يحصل. العصابة لديها خططها في سحب المال.
هو ملف احتيالي فائق الذكاء، يقع ضحيته يومياً المئات. عشرات الشكاوى قدمت في مخافر لبنان عن هكذا حالات لكن أفراد العصابة يستمرون بالعمل «أونلاين» وكأن لا شيء يخشون منه. ثمة أرقام هواتف لبنانية وتركية واضحة. وتعقب هؤلاء ليس صعباً لكنه يتطلب قراراً. فهل القرار مفقود؟ سؤالٌ محيّر.
العصابة لديها أفراد في لبنان والخارج. الشخص الذي يعطي مواعيد يفعل عبر رقم هولندي واسمه على ما يقول: عامر.وهناك شخص يعمل باسم: أبو زيد. وهناك شخص يعمل باسم: قتيبة أبو محمد. ورقمه تركي. وهناك عشرات الفيديوات والصور التي يرسلها هؤلاء إلى الزبائن عن زبائن سبقوهم في رحلات عبر البحر من ميناءي بيروت وطرابلس. وأشخاص تمّ تشييك أموالهم وختم مغلفاتهم بشمع العصابة الأحمر.
فلنسأل أكثر عن الإجراءات الكاذبة الموعودة على لسان أحد أفراد العصابة «نحضر للزبون جواز سفر بحرياً وشهادة صحية بحرية وأوراقاً ثبوتية للعمل. السفر من طرابلس لبنان إلى إيطاليا - جنوة (وهو ميناء بحري شمال إيطاليا). نسلّم الأوراق المعدة للزبون في ميناء طرابلس. يشيك المكتب من جديد على الأوراق وتتم مناداة المسافرين بالاسم للصعود على الباخرة برفقة القبطان. مسموح استخدام الإنترنت لطمأنة الأهالي. تقدم ثلاث وجبات طعام يومياً أثناء الرحلة.
أما التصوير فممنوع. مدة السفر بين أربعة وستة أيام. وعند الوصول إلى ميناء جنوة تنتظرهم سيارة تقلهم إلى الأوتيل بلا بصمة دخول. وهناك تنتظرهم سيارة أخرى تأخذهم إلى ألمانيا أو هولندا». هذا هو الوعد أما الواقع فمختلف. «تشفط» أموالهم ويُتركون لقدرهم.
قبل أن نضع نقطة على آخر سطر. إعلان جديد: إدارة الميناء تعلن عن رحلة مستعجلة في 7 نيسان 2025. للجادين فقط. مع تحيات أبو عبدالله.
هي عصابات تشليح واحتيال وحتى يُقال تجارة أعضاء. انتبهوا. قد تبدأ بعبارة: حبيبي بتشرب شي وتنتهي بمآسٍ.
نوال نصر-نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|