إقتصاد

سرقة الودائع مسؤولية السياسيين أولاً

Please Try Again

لا لإتهام المصارف وحدها بما آلت إليه الأمور، ولا يتحمل حاكم مصرف لبنان وحيداً مسؤولية الإنهيار، لأن ذلك يشكل تبرئة للسلطة السياسية التي تمسك القرار، وللذين تعاقبوا على المسؤوليات، سواء في الحكومات المتعاقبة، أو في مجلس النواب الذي يشرّع كل النفقات، ومن ضمنها كل السرقات والصفقات، ولا يحاسِب حكومة أو مسؤولاً، والمجالس التي حوّلوها تنفيعات طائفية من مجلس الانماء والاعمار والهيئة العليا للاغاثة ومجلس الجنوب وصندوق المهجرين.

في الأرقام أنه عند وقوع الأزمة عام 2019، وقبل انطلاق الانتفاضة في #17 تشرين، برزت ملامح الأزمة مع تصريح وزير المال آنذاك علي حسن خليل عن سندات اليوروبوندز، ثم سحب التصريح ومحاولة لفلفته تفادياً لتداعياته على الأسواق، وسعر صرف الليرة. لكن التصريح الشهير لم يلحظ، أو تتبعه، إجراءات "وقائية" تحول دون تسريع الانهيار، الى أن حطّ بقدرة قادر الرئيس حسان دياب في السرايا، محققاً "انتصاراً تاريخياً" على الليرة.

ويوم أقفلت المصارف بذريعة الانتفاضة، كانت تملك في خزائنها أكثر من عشرة مليارات دولار، وكان في احتياط مصرف لبنان أكثر من 22 مليار دولار، وكانت ديون المصارف على المستفيدين من القروض تراوح ما بين 40 و50 مليار دولار، أي أن المبلغ الذي كان متوافراً وممكناً بلغ آنذاك نحو 80 مليار دولار. كان العجز في حينه يراوح ما بين 40 و50 مليار دولار. واذا احتسبنا اصول المصارف العقارية وغيرها لأمكن سداد 90 في المئة من الودائع.

لكن الذي حصل أن أصحاب المصارف حوّلوا لسياسيين وأقرباء وأصدقاء محظيين أموالهم الى الخارج، وثمة أرقام لدى جهاز أمني، ونسخ عن تحويلات منها تحويل صاحب مصرف واحد مبلغ 700 مليون دولار في يومين لهم ولمقربين منهم.

ثم قررت السلطة أن تدعم الناس من جيوبهم، واعتمدت سياسة دعم تفيد النظام السوري واللاجئين وبعض المحظيين من التجار، لتنفق نحو 20 مليار دولار.

أما السلطة التشريعية، والتنفيذية على السواء، فقررتا أيضاً الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي عبر إبقاء سداد الديون على سعر 1507 ليرات للدولار الواحد، ما جعل قيمة القروض تهبط آنذاك الى أقل من 10% من قيمتها. ويستفيد اصحاب القروض الكبيرة من الاغنياء والتجار والمتعهدين اكثر من متوسطي الحال حتما. وأطفأ هؤلاء ديونهم الكبيرة.

وبذلك ضاعت مليارات الودائع من حسابات المودعين الفقراء. وتوالت القرارات والتعاميم لاسترضائهم خوفاً من ثورة حقيقية تطيح ما تبقّى، فصُرف دولارهم بـ8000 و12000، وهي كلها أعمال مسهّلة للنهب والسرقة و"الهيركات".

ثم يأتي مجلس نواب "سيد نفسه" ليدرس بعد انقضاء 3 سنوات مشروع قانون لـ"الكابيتال كونترول"، ويتعمّق فيه، ويؤجله من جلسة الى أخرى، مع العلم أنه، إذا أقر، فقد صار لزوم ما لا يلزم، وهو سيضيّع على المودعين ما تبقّى من حقوقهم، لانه ملغوم، ويهدف الى حماية المصارف وأصحابها اولاً.

حالياً، "الكابيتال كونترول" في المشرحة، بل في ملحمة مجلس النواب، وقانون السرية المصرفية مطعون به، وخطة التعافي ملتبسة، ولا تجد لها أباً يتبنى دهاليزها، ومع هذا كله توجَّه التهم الى أميركا، بأنها لا تساعد لبنان بالتغذية الكهربائية، والى العرب بأنهم مقصّرون في الوقوف الى جانب لبنان، والى صندوق النقد الدولي لأنه يفرض شروطاً، ويستقوون على نواب التغيير لأنهم لا يقدّمون حلولاً "جذرية" وعلى الإعلام...

هكذا تنجو الطبقة السياسية بنفسها، وتوزّع التهم يميناً ويساراً، ولا مَن يحاسبها.

غسان حجار- النهار

Please Try Again