رياضة

مونديال قطر 2022: البذخ لتنظيف السّجل… والعين على “نيو قطر”

Please Try Again

"درج"

عند مشاهدة افتتاحية كأس العالم، تنسى مباشرةً أنّك تشاهد قطر، خصوصاً أنّ الإتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" يدعو إلى "تهميش السياسة" في هذا الحدث، متغاضياً عن كل الجوانب الأخرى، إلا أن ذلك يبدو شبه مستحيل، فالسياسة جزء من كل شيء.

“جهاز لابتوب في مكان عام بقطر لساعات، ومحفظة في أماكن أخرى مزدحمة، وسيارة مفتوحة والمفتاح بداخلها”، في فيديو نشره صانع المحتوى “ItsBandage” على “تيك توك” يظهر وهو يقوم بتجربة لـ”قياس مدى الأمن والأمان في قطر”. بدا السائح وهو يرمي بشكل متعمّد حقيبة نقوده الصغيرة من جيبه، داخل متجر للألبسة، ثم في مشهد آخر يظهر أمام سيارة سوداء فخمة وقد ترك مفتاحها فيها من غير مراقبة لمدة 24 ساعة، بحسب قوله. أعادت قناة “الجزيرة” القطرية نشر هذا الفيديو على صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، لتأكيد أن قطر “آمنة”، وهو جزء من حملة ابتكرتها قطر قبيل انطلاق كأس العالم 2022 على أراضيها. 

محاولة لأنسَنَة قطر

في الافتتاحية التي أقيمت على استاد “البيت” في قطر، استُدعي الشاب مفتاح الغانم، المصاب بمتلازمة التراجع الذيلي، وهو يتلو آيات قرآنية إلى جانب الممثل الأميركي مورغان فريمان. بدا هذا المشهد مثيراً لإعجاب الجميع، وفرصة لإعطاء بصيص من الأمل، إنّما الجزئية الأبعد من تلك فهي صورة “قطر الجديدة” التي “تحترم حقوق الإنسان”. خصوصاً أنّ الإمارة، بثوبها الديني، تحرّم النشاطات التي تدعم مظاهر لمجتمع الميم/ عين، بالشراكة مع “الفيفا”. 

والتقطت صورة للاعبي المنتخب الألماني قبيل بدء المباراة مع المنتخب الياباني، وهم يضعون أيديهم على أفواههم، في رد واضح على قرار “الفيفا” على غرار القوانين القطرية، بعدم السماح بدعم مجتمع الـLGBTQ+ أو تأييده. “ستأتي إلينا ستحترم ديننا ثقافتنا… أعرافنا… وقوانينا… غير ذلك ضع يدك حيثما تشاء!”، ردّ الإعلامي محمد الكعبي على تصرّف المنتخب الألماني، وأعاد حساب “الجزيرة مصر” النشر على صفحتها على “تويتر“.

انطلقت أولى مباريات المونديال يوم الأحد 20 تشرين الثاني/ نوفمبر والتي سجلت خسارة لمنتخب قطر أمام فريق منتخب الأكوادور. وكتب البعض مستهزئاً: “قطر قد ما تعبت عالتجهيزات والملاعب، نسيت المنتخب”. بالنسبة إلى الإمارة، لا تقتصر هذه المناسبة على الترفيه الرياضي، إنّما هي فرصة تنتهزها لـ”تضع نفسها على الخارطة”، خصوصاً بعد تحقيقٍ نشرته صحيفة “الغارديان” منذ أكثر من عام، تكشف فيه عن مصرع 6500 عامل على الأقل، من دول جنوب شرق آسيا، في العقد الأخير، في حوادث مرتبطة بأعمال البناء تحضيراً للمونديال.

ونشرت منظمة “هيومان رايتس ووتش” تقريراً يفصّل استغلال العمال المهاجرين باستخدام “نظام الكفالة”.  إذ يجد العمال، وغالبيّتهم من الهند وباكستان وبنغلاديش ونيبال والفيلبين أنفسهم معرّضين لـ”العمل الجبري”. ويربط نظام الكفالة تأشيرات العمال بكفالة صاحب العمل – المسؤول عن وضعهم القانوني، وصولاً إلى سدادهم لما يصل إلى 2200 جنيه إسترليني لتأمين وظيفة. وهذا ما قد يؤدي بهم إلى بيع ما لديهم من أصول، وفي المقابل يجدون أنفسهم محاصرين في وظائف منخفضة الأجر. واعتبرت المنظمة أنّ نظام الكفالة “في قلب” جميع الانتهاكات بحق العمال الوافدين الذين يعملون قبل كأس العالم.

حملة نحو “نيو قطر” وترقيع للخطايا

بحسب صحيفة “ذا صان” البريطانية، أنفقت قطر ما لا يقل عن 185 مليار جنيه إسترليني (نحو 220 مليار دولار أميركي) لإعداد البلاد لاستضافة كأس العالم. عند رؤية المشهد العام في قطر اليوم، حقيقةً، نلاحظ ضخامة الإنتاج، والفخامة، التي تحاول بهما قطر أن تُبهِر العالم. بصفتها الدولة العربية الأولى التي تستضيف كأس العالم على أراضيها، تنتهز الفرصة للثم الوجه الآخر من الإمارة. قضيّة العمّال تارةً، والتشدّد الذي يسود البلاد تارةً أخرى، تسارع إلى تغطيتهما في حملة عرضتها قناة الجزيرة بالدرجة الأولى، وتعاونت مع مؤثرين وصنّاع محتوى عرب وأجانب.

إلى جانب مؤثري “التيك توك” وغيرهم، استعانت قطر بنخب من الغرب نفسه، ونشرت “الجزيرة” على صفحاتها أغنية “هيّا هيّا” للمغنيّة البريطانية سلوى لورين. ونقلت سؤالاً عن لسان الأخيرة: “لماذا لا يقبل البعض أن تستضيف الكأس دولة عربية مسلمة؟”. هذا إلى جانب رئيس “الفيفا” السويسري الإيطالي جياني إنفانتينو، الذي بدا وكأنّه الأداة التنفيذيّة للإمارة: “إذا كانت أوروبا مهتمة حقاً بمصير العمّال، فيمكنها إنشاء قنوات قانونية – كما فعلت قطر – حيث بإمكان عدد من هؤلاء العمال القدوم إلى أوروبا للعمل. امنحوهم بعض المستقبل وبعض الأمل”. 

أطلق إنفانتينو تصريحات كثيرة خلال مؤتمره الصحافي، الذي دام لنحو ساعة، وهو يهاجم الدول الأوروبية معبّراً عنها بـ”النفاق”. “رئيس الفيفا في مأزق وينبغي أن يلتزم الصمت”، بهذا التصريح، ردّ رئيس وزراء ويلز، مارك دراكفورد على رئيس الفيفا. وكتبت صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” الألمانية مقالاً بعنوان: “أكبر منافق هو نفسه”. وجاء في المقال: “مقاطعة كأس العالم غير مكلفة، لأن البطولة جاءت على حساب العمالة الرخيصة من بنغلادش، لكن شراء قميص رياضي يكلّف 3 يورو من خياطات بنغلادشيات، ليس مكلفاً أيضاً. الأمور تصبح أكثر تعقيداً حين يحاول انفانتينو استعمالها لتلميع وجه قطر. المثل الأعلى للكيل بمكيالين يجلس على عرش الفيفا”.

أمّا الكولومبي مالوما، أحد المغنّين الّذين قدّموا أغنية كأس العالم 2022، فغادر مقابلة تلفزيونية مع قناة “كان” الإسرائيلية بعدما سُئل عن قضية سجل حقوق الإنسان في قطر. إذ رفض الإجابة على سؤال المذيع، قائلاً: “لقد جئت إلى هنا للاستمتاع بالحياة وبكرة القدم فقط”. ولكنّ المذيع لم يكتفِ بهذا، وسأله إذا كان موقفه هذا يساهم في تبييض صورة قطر، إلا أن مالوما تهرّب من الإجابة، من دون أن ينفي الانتهاكات، بعبارة: “أنت وقح”. 

الفيفا والسياسة
عند مشاهدة افتتاحية كأس العالم، تنسى مباشرةً أنّك تشاهد قطر، خصوصاً أنّ الإتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” يدعو إلى “تهميش السياسة” في هذا الحدث، متغاضياً عن كل الجوانب الأخرى، إلا أن ذلك يبدو شبه مستحيل، فالسياسة جزء من كل شيء. النظام الأميري الحاكم في قطر راهن أيضاً على الضخامة والبذخ، وشبكة الطرق والملاعب المبهرة، في محاولة لصرف النظر عن البقية.

لكن في الواقع لم تستطع قطر التحرر من عباءة الإسلام وفكر “الإخوان المسلمين”، إذ أقامت الدولة خيماً لـ”تعريف جماهير المونديال بالإسلام”، واستدعت الداعية الإسلامي الهندي، الأكثر شهرةً، ذاكر نايك لـ”يقدّم محاضرات دينيّة طوال المونديال”، بحسب الإعلامي في قناة الكأس فيصل الهاجري.

ونايك كان اتهم بـ”التحريض على الإرهاب” و”كسب الأموال بطريقة غير شرعية من خلال مؤسساته وقنواته الفضائية”، وهو ممنوعٌ من الدخول إلى دول مثل المملكة المتحدة وكندا. وإذا كانت قطر بالفعل استدعته، فنشاطاتها لا تنطوي على قالب ديني بحت، إنّما هي رسالة صمّمتها ونظّمتها، ضمن تحضيراتها للمونديال، لتحاول فيها “تبييض” صورة نايك وأشباهه. في المقابل، كان الرد على الانتقادات الكثيرة التي رافقت التحضير للمونديال وحتى اليوم، بنظرية المؤامرة، على أساس أن هناك من يشن حملة ضد قطر، العربية والإسلامية.

على المقلب الآخر، حاولت الدولة العربية الأولى المضيفة لكأس العالم، ضم أفراد من حكّام الأنظمة العربية على ملاعبها. وتمثّلت بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والجزائري عبد المجيد تبون، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والمصري عبد الفتاح السيسي في الافتتاحية. إذ شهد استاد “البيت” مصافحة بين الأخير والرئيس التركي رجب الطيب أردوغان، في ظل سلسلة من المناكفات السياسية بينهما. 

Please Try Again