المجتمع

سباق الحياة و”الفانات” في لبنان… شجارات حتى “الطعن” من أجل راكب!

Please Try Again

ads





رأفت حكمت

"درج"

"لم أكد أصل إلى جوار الدّراجة النّارية حتى باغتني سائقها بسؤال: حضرتك سوري؟ أجبته نعم أنا سوري، فما كان منه سوى أن قال: الله يستر ما يعرفو انو سوري عم يوصّل سوري. حيث فهمت من خلال حديثه التّالي، أنّه يقصد "سائقي مركبات الأجرة (العموميّين)".

ينخفض يوماً عن يوم، سقف أحلام الناس، المحاصرين في بلاد الشرق الأوسط، بخاصة في سوريا ولبنان، وذلك بالتزامن مع ارتفاع مجنون في مستوى صعوبة الحياة اليوميّة، حتى صارت عبارة “والله ما حدا بيعرف كيف النّاس عايشين” هي من أكثر العبارات التي تتردّد على ألسنة الناس أنفسهم. لم يعد أحد يفكّر بمخطّط ليومه التالي، وصار العيش “كل يوم بيومه” فيما الأمان شبه معدوم، إن على الصعيد الغذائي أو الصّحي أو حتى الاجتماعي.

لم تعد المشكلات والصعوبات المتراكمة، مقتصرة على غلاء الأسعار وانخفاض أجور العاملين وانهيار العملة المحلية بشكل هيستيري، إنّما امتدّ تفاقمها إلى أن صار تعبير “التّشليح” هو الأكثر تداولاً بعد كلّ عمليّة دفع تتوجّب على المواطن. سواء في دفع فاتورة مطعم، أو إيجار منزل، أو بدل كهرباء، وصولاً إلى أجور النقل الداخلي الخاص والعام، في غياب التنظيم والقانون والضوابط. 

وبما أنّ قضيّة “المواصلات الداخليّة” تعتبر من أبرز القضايا المجتمعيّة، التي باتت تطفو على سطح المعاناة اليوميّة، متصدّرةً قائمة القضايا الأكثر إثارة لقلق الناس الموظّفين وغير الموظفين منهم، بخاصّة تلك الفئة التي ليس بمقدورها امتلاك سيارة خاصة، وتعتمد في تنقّلاتها على سيّارات الأجرة. فإنّني اعتبر هذا التكثيف البسيط، مدخلاً للحديث عنها، كتفاصيل يوميّة.

تضارب وشتائم

نظراً لارتفاع أجرة “التاكسي” وتحكّم مافيات المكاتب الّتي تديرها بالتّسعيرة، تظل الفانات وحافلات النقل الداخلي، هي الأكثر ملاءمة لوضع المواطن العادي. وبما أن نسب الفقر زادت،  فقد ازداد معها الإقبال على وسائل النقل العامّة، أدى ذلك إلى اكتظاظ تلك الوسائل، ما خلق نوعاً من الصراع على أبوابها للحصول على مكان “حتى ولو على الواقف”، صراعات ومشادّات كلاميّة، قد تصل إلى تضارب بالأيادي وشتائم على الملأ. تعزّزها القلّة العدديّة لتلك المركبات، ويزيدها قسوة، خوف الناس من خسارة وظائفهم إذا تأخّروا عليها. 

وهذا كلّه ضمن إطار الحديث عن “المواصلات” داخل المدينة الواحدة. فعلى الجانب الآخر، هناك صراعات قد تصل إلى حد “الطّعن” وربّما إلى إطلاق النار. وكانت تلك واحدة من الحوادث الّتي حصلت وكنت شاهداً عليها أثناء ذهابي من بيروت إلى مدينة صيدا. 

قام سائق أحد “الفانات” بتجاوز “الفان” الّذي نستقلّه، أنا وعدد من الركاب . وذلك فقط من أجل أن يحظى براكب كان يقف إلى جانب الطريق. الأمر الذي أغضب سائقنا، ودفعه إلى زيادة السرعة. وهنا بدأ سباق بين المركبتين، تبادل السائقان خلاله الشتائم والتهديدات، غير مكترثين لتوسّلاتنا كركّاب خائفين على أرواحنا بسبب تهوّرهما الّذي انتهى بمشاجرة جماعيّة بين كلّ السائقين الموجودين على الاوتستراد، نجم عنها طعن سائق في كتفه بآلة حادّة، بينما نحن “الرّكاب” ننتظر خائفين في “الفان”. منّا من تأخر على عمله، ومنّا من خسره. وذلك كلّه، بسبب غياب قانونٍ رادع لمثل هذه الحوادث، الّتي باتت تتكرّر بشكل شبه يوميّ.

حلول بديلة…

من خلال فكرة “الحلول البديلة” الّتي تفرضها الظروف النّاجمة عن أزمات معيّنة، والحديث عنها ضمن إطار “أزمة المواصلات” فإنّنا بطبيعة الحال، سنتّجه للحديث عن الشركات الخاصّة الّتي زجّت نفسها في سوق النقل المأجور، سواء بطريقة قانونيّة أو غير قانونيّة كبعض الشركات الّتي تدير شؤونها داخل البلاد “المتأزّمة اقتصاديّاً” من خلال تطبيقات مجّانيّة يتم تحميلها على الهواتف الذّكيّة. يتمكّن من خلالها كل من  يملك “مركبة” سواء كانت “خاصة” أو عموميّة، من العمل سائق أجرة. ولا تقتصر تلك المركبات على السيارات فقط، بل أيضاً يمكن لكل شخص يملك “دراجة” ناريّة أو كهربائية، أن يعمل سائقاً خاصاً. أما بالنسبة إليك كزبون، فما عليك سوى أن تفتح التطبيق، ثمّ تحدّد موقعك، وخلال دقائق، يكون السائق عندك. 

انتشار مثل هذه التّطبيقات، أمّن فرص عمل للكثير ممّن يعانون من البطالة وقلّة الفرص، وأيضاً؛ ساهم إلى حد كبير في تخفيف المعاناة عن الناس الّذين يحتاجون بشكل يومي إلى آليّةً توصلهم إلى وجهاتهم. وذلك من خلال استغنائهم عن فكرة النزول إلى الشارع وانتظار “سرفيس” أو “فان” سيتحكّم سائقه بالأجرة والطريق الّتي سيسلكها. وأيضاً على صعيد الأجرة الّتي تكون مذكورة مسبقاً في مثل هكذا تطبيقات، فإنّها لا تزيد كثيراً عن تلك المتداولة في وسائل النقل العامّة، ومعظم الزبائن، يعتبرون أن ذلك الفرق لا يساوي شيئاً، أمام مجيء السّيّارة لتقلّك من أمام البيت أو مكان العمل إلى وجهتك.

أما على صعيد النتائج السّلبيّة لتلك “الحلول البديلة” فإن انتشار تلك التطبيقات، خلق جوّاً من العدائية بين سائقي المركبات العموميّة، وأولئك الّذين زاحموهم في رزقهم عن طريق تلك التّطبيقات. الأمر الّذي دفع مُستخدمي التّطبيقات، إلى العمل خفية وبحذر، خاصة حين تكون آليّاتهم “خاصّة” غير مرخّصة للنقل العموميّ. حيث كان الأمر في بدايته يقتصر على بلاغات يقدّمها ضدّهم، سائقوا السيارات العموميّة . وتحوّل في الآونة الأخيرة، بسبب غياب الرادع القانوني إلى مبدأ “أخذ الحق باليد”، ما صدّر مشكلات أكبر على مستوى “مناطقي” صار السّائقون على إثرها، يرفضون الطّلبات الّتي تكون متّجهة إلى مناطق ليست “مناطقهم” على حد تعبير البعض، برغم أنّ المناطق كلّها ضمن مدينة بيروت.

“سوري عم يوصّل سوري”

“لم أكد أصل إلى جوار الدّرّاجة النّاريّة حتى باغتني سائقها (الّذي طلبته عبر أحد التطبيقات المختصّة بتأمين طلبات التّوصيل ضمن مدينة بيروت)  بسؤال: حضرتك سوري؟ استغربت سؤاله غير المعتاد، لكنّني أجبته بشكل طبيعي، نعم أنا سوري، فما كان منه سوى أن قال: الله يستر ما يعرفو انو سوري عم يوصّل سوري. حيث فهمت من خلال حديثه التّالي، أنّه يقصد “سائقي مركبات الأجرة (العموميّين)”.

أثناء رحلتنا من الأشرفيّة إلى شارع الحمراء، حاولت من خلال تبادل أطراف الحديث مع يزن، سائق “الدراجة الّتي نستقلّها أن أفهم مقصد كلامه من عبارة “الله يستر”، فأخبرني أنّه  أيضاً “سوري”، وهذا وحده يعرّضه لخطر المسائلة والتوقيف بذريعة العمل غير القانوني. وحين سألته عن قصده بعبارة “سوري عم يوصّل سوري” التفت إليّ كأنّه خائف من أن يسمعه أحد غيري “وقت بكون الشوفير سوري والزبون سوري، بيشحطونا تنيناتنا”. يقصد بذلك أنه إذا كان زبونه لبنانيّاً يكون خوفه وقلقه أقل.

أثار حديثه في داخلي الكثير من الأسئلة ، كان أبرزها عن الأمور الّتي يتفاداها “كسوري” كي لا يُكشف أمره. فأخبرني دون تردّد أن لا فائدة، فالأمر لا يتعلق بسوء حظ مثلاً، أو ببلاغ من أحدهم، لأن فعل الإيقاع به وبمن يعمل مثله، صار فعلاً مقصوداً من قبل ” الشوفيريّة الآخرين” (العموميّين) حيث يقومون بطلب “توصيلة” عن طريق التّطبيق، وما إن يصل السائق إلى المكان المحدّد، حتى يُفاجأ بأنّه وقع في كمين، تُصادر آليّته “بالقوّة” ويتم توقيفه. هذا إضافة إلى أنّ عمليّة دفع الأجرة تتمّ خفيةً. كي لا يكشف أمر أنّه يعمل كسائق. 

في النّهاية، وبطبيعة الحال، لقد عوّدتنا الحروب والأزمات منذ أزل تاريخها، على أنّ الحلول لا تنقطع، وهناك دائماً حلول بديلة، وربما هنا يكمن السّرّ وراء قدرة الناس على الاستمرار في العيش. لكن ذلك يبقى محفوفاً بالمخاطر والمغامرة، وقد تصل في بعض الأحيان إلى لجوء فئة كبيرة من المتضرّرين بسبب الحرب (الاقتصاديّة على وجه الدّقة)  إلى حلول بديلة قد تكون “خارجة عن القانون”،  لكنّها مُبرّرة دائماً من وجهة نظرهم، “هيك وضع البلد”.

 

ads



Please Try Again