الصحافة

"الخارج" للمرّة الأولى: دبّروا رئيسكم بأنفسكم

Please Try Again

ads




قد يكون على الفرقاء اللبنانيين أن يتأقلموا مع نهج تتبعه الدول الكبرى المعنيّة بلبنان وبانتخابات الرئاسة فيه، مختلفٍ عمّا خبروه طوال تاريخ أزماتهم السابقة التي كان يتخلّلها تدخّل تلك الدول من أجل ترجيح اسم رئيس الجمهورية، إمّا نتيجة نفوذها على قوى سياسية رئيسة فيه، أو نتيجة تسوية بين الدول المتنافسة على التأثير في قراره السياسي.

هذه المرّة قد تترك الدول المعنية القادة اللبنانيين يتدبّرون أمورهم بأنفسهم، ويختارون كيفية إنهاء الفراغ الرئاسي وفقاً للمعادلة الداخلية، من دون تدخّل حاسم من قبلها، جرّاء صعوبة ترتيب تفاهم على الرئيس العتيد بفعل الانقسام العميق بين المكوّنات السياسية. 

لا بحث جدّيّاً بالأسماء

يبدو إحجام الخارج عن التدخّل غريباً على بلدٍ تاريخُ صناعة الرؤساء فيه لا يدلّ إلا على ترجيح هذه الدولة أو تلك لمن يتبوّأ المنصب الأوّل فيه، وتمتلئ وسائل إعلامه بالمعطيات عن التحرّكات الخارجية من أجل إنهاء الفراغ الرئاسي. فمن اجتماعات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التي أعلن الأوّل أنّها تناولت أزمة لبنان وضرورة انتخاب رئيس بسرعة للقيام بالإصلاحات المطلوبة، وزيارته المرتقبة خلال الأعياد لتفقّد الكتيبة الفرنسية في "اليونيفيل"، إلى لقاء الدوحة بين وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مع نظيره الأميركي أنتوني بلينكن، الذي تناول مساعدة لبنان، ثمّ الاجتماع المرتقب بين ماكرون والرئيس الأميركي جو بايدن في واشنطن الأسبوع المقبل. تضاف إليها التسريبات عن اهتمام فاتيكاني بإنقاذ البلد واستعجال انتخاب الرئيس الجديد.

إلا أنّ ما يرافق المحاولات لانتشال لبنان من الجمود القاتل لم يرقَ إلى مستوى البحث الجدّي في أسماء مرشّحين، من أجل ترجيح أحدها. فإذا كان البعض يعوّل على تسوية خارجية تنتج رئيساً فهذا ليس بمتناول اليد حكماً. وما ذكره "أساس" الثلاثاء الماضي عن أنّ ما يُحكى عن اتصالات في موضوع الرئاسة لا يزال دون المستوى الجدّيّ ومن دون نتيجة تُذكر، يستند إلى معطيات يدعمها أكثر من مصدر على صلة بالمداولات الخارجية.

باربرا ليف: لا نستطيع فعل شيء

جاءت تصريحات مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف الثلاثاء لقناة "الحرّة" لتشير إلى عدم استعداد الدول الكبرى للانغماس في ترجيح هذا الاسم أو ذاك. قالت ليف: "عدم انتخاب رئيس للجمهورية سيؤدي بلبنان إلى فراغ سياسي غير مسبوق، وهو ما ينذر بانهيار الدولة مجتمعيّاً". وتقصّدت الحديث عن المساعدات التي تقدّمها إدارتها للجيش ودعم المفاوضات المتعلّقة بالطاقة وتلك الجارية مع صندوق النقد الدولي: "لكنّ كلّ هذه التدابير لن يكون لها تأثير ما لم يقُم البرلمان اللبناني بعمله بانتخاب رئيس للجمهورية، وقد فشلوا في ذلك. وهذا أمر لا نستطيع معه شيئاً، هذا واجبهم".

الجملة الأخيرة هي بيت القصيد بسبب وجود قناعة لدى العواصم المواكبة للأزمة بأنّ التورّط في ترجيح هذا الاسم أو ذاك قد يكون مفعوله عكسيّاً، إثر سلسلة خيبات أُصيب بها مسؤولوها الكبار عندما حاولوا وضع مخارج للانسداد السياسي:

- الأميركيون سبق أن أُصيبوا بالخيبة بعد تشجيعهم على انتخاب الرئيس ميشال عون بحجّة إنهاء الفراغ عام 2016. وقبله أملوا ببعض الرؤساء فعاكست الأحداث تطلّعاتهم.

- السعوديون سبق أن أعطوا فرصة للعهد العوني، لكنّهم حصدوا ما يعتبرونه جحوداً.

- فرنسا مرّغت سمعة رئيسها في المستنقع اللبناني لفشل مبادرته التي أطلقها خلال زيارته بعد 48 ساعة على انفجار مرفأ بيروت، في آب 2020، ثمّ في الأوّل من أيلول من العام نفسه. وعجز عن ترجمة التزام الفرقاء تشكيل حكومة جديدة بنهج مختلف، فتعرّض للخديعة وباتت الورقة الفرنسية السياسية الإصلاحية طيّ النسيان أو المماطلة. ومع دور العلاقة التاريخية العاطفية الفرنسية اللبنانية في تحريك ماكرون، وفريق مستشاريه، الذين يستقبلون السياسيين، ومن بينهم أخيراً موفد المرشّح سليمان فرنجية الوزير السابق روني عريجي، فإنّ باريس لا تتردّد في الحديث عن "حماقة" بعض السياسيين التي تمنع ملء الفراغ الذي ترجِّح أن يطول.

- أمّا إدارة الرئيس جو بايدن فتتصرّف على أنّها حقّقت الأهمّ من رعايتها لوضع لبنان: اتفاق ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل، في سياق أولويّة الحاجة إلى الغاز الإسرائيلي لأوروبا. والباقي يقف عند حدود الإلحاح على ملء الفراغ الرئاسي من دون طرح أيّ اسم.

العواصم تستكشف لا أكثر... والمساعدات لأوكرانيا

ما يتردّد في بعض الإعلام اللبناني عن موقف هذه العاصمة أو تلك حيال هذا الاسم أو ذاك من المرشّحين، لا يعدو كونه تضخيماً لتجميع الأجهزة الدبلوماسية للمعلومات وسبر الأغوار لمعرفة حظوظ المرشّحين. وهو أمر يتمّ على مستوى دبلوماسيين من الدرجة الثالثة أو الرابعة وحتى الخامسة، لإرسال تقارير إلى العواصم، كي يغربلها موظّفو وزارات الخارجية من زاوية المتابعة واستكشاف مواقف الفرقاء اللبنانيين حيال المرشّحين وحظوظهم وتوزّع الكتل النيابية.

بعض الدبلوماسيين حين يلتقي سياسيين أو صحافيين لبنانيين يجادل ويقارع في شأن ميزات مرشّحين، فيظهرون أنّهم يؤيّدون ذاك أو يستبعدون ذلك، بينما الهدف استثارة ردّ فعل محدّثيهم كي يدلوا بآرائهم من أجل تسجيلها وأخذ العلم... لا أكثر.

التعليمات لهؤلاء من رؤسائهم في وزارات الخارجية هي بعدم تفضيل أو اقتراح أيّ اسم. وفي أحسن الأحوال يكون تعليق بعضهم على اسم ما بصيغة السؤال: ولمَ لا؟ أو بالقول: "لا مانع لدينا". ودائماً هناك: "ولكن".

كلّ ما يمكن أن يُقال عن مواقف بعض العواصم، ومنها دول الخليج، إنّ بعضها سمّى على مستوى الموظّفين مَن لا يريد للرئاسة، ولم يقُل مَن يريد حتى إشعار آخر.

بين القيادات اللبنانية من بدأ يتلمّس من العواصم الكبرى أنّها لن تعطي اهتماماً لمأزق لبنان المرشّح لأن يستمرّ طويلاً في ظلّ الوضع الدولي الراهن. القسط من الاهتمام الذي توليه للضغط من أجل إنهاء الفراغ الرئاسي، من دون السعي إلى اسم ما، قد يصمد بضعة أشهر ويخفت تدريجاً عام 2023 لأنّ للعواصم الكبرى انشغالاتها، بعدما قلبت حرب أوكرانيا العالم وغيّرته.

على الرغم من جهود باريس بالدرجة الأولى، ومعها واشنطن بالدرجة الثانية، لتقديم المساعدات الإنسانية للمواطنين اللبنانيين في زمن العوز الذي يعيشونه، فإنّ ميزانيّات الدول المانحة الرئيسة للمنظمات التابعة للأمم المتحدة وتلك المخصّصة لمنظّمات غير حكومية، أخذت تتحوّل، بعيداً من الأضواء وتدريجاً، من أفغانستان واليمن وسوريا ولبنان نحو أوكرانيا. وثمّة من يتحدّث عن تحويل بعض المساعدات العسكرية للجيش إلى أوكرانيا. ويتوقّع العاملون في هذا المضمار أن تبدأ آثار التقنين بالظهور أكثر، العام المقبل.

ومن الدلائل أيضاً انطباع المتّصلين باللاعب الرئيسي "حزب الله" بصفته أصدق صدى للخارج، الإيراني، من بين الفرقاء المحليّين، أنّه قرّر ترك الرئاسة لعامل الوقت، وذلك لسببين:

- الأوّل أنّ عقله، مثل القيادة الإيرانية، في مكان آخر غير لبنان، في ما يجري داخل إيران من احتجاجات غير مسبوقة وانعكاساتها على موقعها الإقليمي، وبالتالي على أبعاد دور الحزب في سوريا والعراق واليمن ولبنان. انعكاسات التطوّرات الداخلية في إيران، وتوقّع اشتداد قمع انتفاضة الإيرانيين، مع ثقة الحزب بأنّها لن تهزّ النظام، فقد تفرض تغييراً في السياسات.. فلماذا استباق وضوح ما سينجم عنها؟

تترك قيادة الحزب للتطوّرات الإقليمية أن تتبلور أكثر لعلّ المعادلة الإقليمية إذا استؤنف التفاوض على الملفّ النووي تنعكس إيجاباً على الصعيد الإقليمي، فتنجح المراهنة على كسب تأييد المملكة العربية السعودية للمرشّح سليمان فرنجية. على الأقلّ هذا ما تشيعه قيادة الحزب في إدارتها للعبة تمرير الوقت، سواء صحّت هذه المراهنة أم لم تصحّ.

- الثاني أنّ الحزب قرّر ترك معالجة الخلافات بينه وبين حليفه رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل كما ظهّرها الأخير الأسبوع الماضي في باريس، إلى عامل الوقت أيضاً.

مع مرارة وغضب قيادته من تمادي باسيل في معاكسة رغبتها بتسهيل تبوّؤ مرشّحها سليمان فرنجية سدّة الرئاسة، في ظرف إقليمي حسّاس كالذي تمرّ به طهران، يفرض الإتيان برئيس موثوق أكثر من أيّ وقت، فإنّ تهشيمه لفرنجية من باريس في معرض تسويقه لفكرة مرشّح بديل عنه لن تواجهه بتوسيع رقعة الخلاف مع "التيار الحر". ستعتمد قيادة الحزب سياسة النَّفَس الطويل، وهو ما يعني إطالة الفراغ ليلعب الزمن دوره في رأب الصدع، خلافاً لاعتقاد البعض بأنّ العلاقة تقترب من الطلاق بين الحليفين.   ads




Please Try Again