الصحافة

بين الأزمة الاقتصاديّة والخوف من المستقبل أزمة زواج في لبنان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في بلد تتقاذفه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم يعد الزواج خطوة طبيعية في مسار حياة الشباب اللبناني، بل تحول إلى خيار مؤجل أو حتى مستحيل عند شريحة واسعة، فالأرقام الصادرة عن المديرية العامة للأحوال الشخصية تكشف تراجعا متواصلا في عدد عقود الزواج، ما يعكس عمق التحولات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي يعيشها لبنان.

يقول الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين إن عام 2019 شكل آخر سنة طبيعية قبل الانهيار الكبير، حيث سجل خلالها 34,076 عقد زواج، لكن هذا الرقم بدأ بالتراجع تدريجيا حتى وصل عام 2024 إلى 25,628 عقدا فقط، أي بانخفاض نسبته 25.5%.

هذا التراجع يعكس الأعباء الاقتصادية المتزايدة والضغوط الاجتماعية التي تواجه الشباب اللبناني، ويظهر بوضوح كيف أصبح الزواج حلما صعب المنال في ظل الظروف الراهنة، سامي، 35 عاما، موظف في بيروت أكد أن راتبه بالكاد يغطي مصاريفه الشهرية، مضيفا "أحيانا أفكر أن أفضل خيار هو الهجرة فاليوم كل شيء أصبح مستحيلا، اجار منزل بسيط وحفل زفاف متواضع يكلفان عشرات آلاف الدولارات"، ويجاريه شادي 40 عاما بقوله "اضطررت لتأجيل الزواج لسنوات طويلة بسبب الضغوط الاقتصادية، وأتمكن من تأمين منزل مستقل".

أما ندى، 32 عاما، متخصصة في التسويق تؤكد أن "الزواج أصبح قرارا معقدا أكثر من كونه فرحة، ليس فقط بسبب المال، بل "بسبب كل المخاطر المحيطة بنا في لبنان: العمل، الأمن، المستقبل، حتى القوانين"، أما ريم، 27 عاما، مهندسة أشارت إلى أن الزواج ليس من ضمن أولوياتها وهو مؤجل و"ربما أختار ألا أتزوج في لبنان"، مؤكدة أنها تريد أولا تأمين عملها واستقرارها المالي قبل التفكير بتأسيس أسرة.

بينما يرى حمزة، 28 عاما، موظف في القطاع الخاص، أن فكرة الزواج أصبحت مرهقة نفسيا في ظل غياب الأمان الاقتصادي والسياسي مما يجعل من تأسيس أسرة خطوة محفوفة بالمخاطر، بدورها رنا 25 عاما، تقول "أصدقائي كثيرون لا يرون جدوى من الزواج في ظل الظروف الراهنة، الجميع متردد، وأحيانا نضحك على الموضوع لأنه أصبح حلما بعيدا أو فكرة مثالية غير واقعية".

لم يعد الزواج بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب خطوة طبيعية في مسار حياتهم، بل أصبح خيارا مؤجلا أو مستبعدا بالكامل، نتيجة تراكم أزمات متعددة، فمنذ الانهيار المالي عام 2019، تحول الزواج إلى عبء يفوق قدرات معظم الشباب، فتكاليف تأمين منزل وتجهيزه، بالإضافة إلى حفل زفاف ولو كان متواضعا، أصبحت أرقاما خيالية مقارنة بالمداخيل المتآكلة، حيث يؤكد خبراء أن كلفة الزواج قد تتخطى عشرات آلاف الدولارات، ما يجعل الحلم بالاستقرار الأسري بعيد المنال.

يضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات البطالة، خصوصا بين الجامعيين الذين يجدون صعوبة في تحقيق الاستقرار المالي المطلوب للزواج، فيما دفعت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المأزومة شريحة واسعة من الشباب إلى الهجرة بحثا عن فرص أفضل، الأمر الذي أدى إلى فراغ ديموغرافي ملحوظ في الفئة العمرية الأكثر إقبالا على الزواج، حيث أوضح الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين أن معدلات الهجرة في لبنان وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، حيث غادر 820 ألف لبناني ولبنانية بين عامي 2012 و2024، 70% منهم من الفئة العمرية بين 25 و35 عاما.

واحتل لبنان قائمة البلدان العربية العشرة التي سجلت أعلى معدلات البطالة في عامي 2023 و2024 بحيث بلغت فيه 27% من مجمل القوى العاملة، أي أعلى بنحو 2.4 مرة عن المتوسط العام لمعدلات البطالة في سائر البلدان العربية، وفق منظمة "الاسكوا".

إلى جانب الضغوط الاقتصادية، شهد المجتمع اللبناني تغيرا ملحوظا في أولويات الشباب وتصوراتهم حول الزواج، ففي الماضي، كان الزواج يعتبر واجبا اجتماعيا وأولوية لا مفر منها، بل معيارا أساسيا للاستقرار والقبول المجتمعي، أما اليوم، فقد تبدلت هذه النظرة بشكل ملحوظ، إذ بات الكثير من الشباب يفضلون تأجيل الزواج لإعطاء الأولوية للعمل وتأمين مستقبل مهني أفضل، أو متابعة الدراسة، أو حتى التفكير بالهجرة كخيار أكثر واقعية، كما أن الانفتاح على أنماط حياة جديدة، بفعل العولمة والتواصل مع الثقافات المختلفة، وانتشار العلاقات غير التقليدية (المساكنة، الزواج المدني خارج لبنان)،أعاد تشكيل النظرة التقليدية إلى مفهوم تكوين الأسرة، حيث لم يعد الزواج بالضرورة الهدف الأول أو الخيار الوحيد لتحقيق الاستقرار والاعتراف الاجتماعي.

لا تنفصل الأزمة أيضا عن البعد السياسي والأمني فالحروب المتكررة، عمقت مشاعر القلق الجماعي وزادت من انعدام اليقين بالمستقبل، ما جعل فكرة تأسيس عائلة أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر في واقع غير مستقر.

إلى جانب ذلك، يقف غياب قانون مدني موحد للأحوال الشخصية عائقا أساسيا أمام الزواج، إذ تبقى العقود خاضعة للمحاكم الدينية بما تحمله من تعقيدات طائفية وإجرائية، خصوصا للأزواج المختلفي الطوائف، كما أن الكلفة المرتفعة لإجراءات الزواج والطلاق تزيد من الأعباء المادية، فتدفع البعض إلى البحث عن بدائل في الخارج أو حتى إلى العزوف الكامل عن الزواج.

إن انخفاض نسب الزواج في لبنان لا يقتصر أثره على الفرد فحسب، بل يمتد ليشمل المجتمع بأسره، فعلى الصعيد الديموغرافي، أدى هذا الانخفاض مباشرة إلى تراجع معدلات الولادات، ما يفاقم أزمة الشيخوخة ويهدد التوازن السكاني في المستقبل، أما على مستوى الأسرة، فقد بدأت البنية التقليدية الممتدة تتراجع لصالح الأسر الصغيرة والأفراد العازبين، ما ساهم في انتشار ظاهرة العزوبية الدائمة وخلق أنماط حياة جديدة لم يألفها المجتمع اللبناني سابقا.

هذه الظاهرة ترافقها انعكاسات اجتماعية ونفسية واضحة، من عزلة ووحدة متزايدة إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، كما تؤثر اقتصاديا على القطاعات المرتبطة بالزواج والإنفاق الأسري، وفي الوقت نفسه، لم يخل الوضع من انعكاسات على القيم والتصورات إذ بدأ مفهوم "النجاح" يعاد تعريفه بعيدا عن الزواج وتكوين الأسرة، مع تعزيز قيم المساواة بين الجنسين، في مشهد يعكس تحولات عميقة في العلاقات والقيم اللبنانية.

ولتخفيف هذه التداعيات، يرى الخبراء أن الحلول يجب أن تكون شاملة، بدءا بتحقيق الاستقرار الاقتصادي وخلق فرص عمل للشباب، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مرورا بسياسات إسكانية تشجع على تملك الشباب للمساكن أو توفير مساكن مؤقتة بأسعار مناسبة، وصولا إلى تشجيع الزواج البسيط والابتعاد عن المظاهر المكلفة، كما يقترحون حملات توعية للتخطيط المالي قبل الزواج، وتنظيم احتفالات بسيطة لتخفيف العبء المالي على العائلات، مع دعم الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية لتقديم استشارات ومساعدات عملية للمتزوجين الجدد.

يبقى الزواج في لبنان اليوم خيارا معقدا وشبه مستحيل لكثير من الشباب، بفعل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكن الأرقام والشهادات تؤكد أن الدعم الحقيقي، من استقرار اقتصادي وفرص عمل وسياسات إسكانية مناسبة، قادر على تحويل هذا الحلم البعيد إلى واقع ممكن، واستعادة الزواج دوره الطبيعي في بناء الأسرة والمجتمع، نحن هنا لا ندعو للزواج كخيار تقليدي، بل كركيزة أساسية في الحياة، فالعزوبية مهما بدت ممتعة، تظل مرحلة مؤقتة، أما الزواج، فهو الاستثمار الحقيقي في بناء أسرة ومجتمع.

ربى أبو فاضل -الديار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا