محليات

رسالة “مؤتمر المسيحيّين العرب” إلى لاوون الـ 14

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في امتداد المسار البابويّ إلى الشرق، مرّ يوحنا السادس بلبنان في طريقه من القدس إلى الهند في ستّينيّات القرن الماضي، ثمّ بشّر يوحنّا بولس الثاني بـ”لبنان الرسالة” عام 1997، مروراً ببنديكتوس السادس عشر الذي جاء في عام 2012 حاملاً “وثيقة الرجاء” إلى شرقٍ يشتعل، ثمّ فرنسيس الذي امتنع عن الزيارة بسبب مرضه مكتفياً بإرسال كلماته صلواتٍ من بعيد.

في مسار كنيسة روما مع لبنان يتجلّى خطٌّ روحيّ كنسيّ متّصل، لا في النصوص وحدها بل في القلق ذاته: قلق الكنيسة على مصير الإنسان في الشرق الأوسط، وعلى بقاء المسيحيّة كحضورٍ ثقافيٍّ متفاعل لا كأقلّيةٍ خائفة. في الأثناء، يتبدّى للبنان، ومعه مسيحيّو المشرق، أنّ الزمن تغيّر، لكنّ الأسئلة الكبرى ما تزال هي ذاتها: كيف يمكن أن يُصان العيش المشترك؟ ما معنى أن تكون مسيحيّاً عربيّاً؟ هل يمكن أن تظلّ المسيحيّة المشرقيّة جزءاً حيّاً من الفضاء العربي من دون أن تُختزَل في الخوف أو تُستهلك في الطائفيّة؟

 

زيارة البابا اختبار جديد لموقع الكنيسة

ليست زيارة البابا لاوون الرابع عشر تكراراً لتقليدٍ بابويٍّ موروث وحسب، بل هي بمنزلة اختبارٍ جديدٍ لموقع الكنيسة في المشرق، ولدور لبنان بوصفه مساحةً متوتّرة بين الرسالة والانقسام، بين الذاكرة والإمكان. حين يختار الفاتيكان شعار “طوبى لصانعي السلام”، فلا يوجّه النداء إلى جماعةٍ بعينها، بل إلى مجتمعٍ مأزومٍ بكامله، وإلى منطقةٍ لم تعرف منذ عقودٍ سوى هدنةٍ تتنكّر لاسمها.

لا ينفصل البعد السياسيّ للزيارة عن بعدها الثقافيّ، لأنّ السياسة في لبنان كما في المشرق ليست إدارةً للمصالح، بل جدلٌ في الهويّة. لبنان الذي اعتبره يوحنّا بولس الثاني “أكثر من وطن، إنّه رسالة”، يقف اليوم أمام مرآته حائراً: هل بقي ما يكفي من هذه “الرسالة” ليُخاطَب بها العالم؟

في هذا السياق المأزوم، تأتي زيارة البابا لاوون الرابع عشر لتجد لبنان في أكثر مراحله هشاشة، وفي وقت جعلت التوتّرات في الجنوب لبنانَ يعيش في ظلّ “هدنةٍ موقوتة على انفجارٍ”، أي لا حرب ولا سلام.

الزيارة كحدثٍ رمزيٍّ وفكريٍّ

ليست الرمزيّة هنا في الزيارة فحسب، بل في توقيتها أيضاً. تأتي بعد انحسار نسبيّ في الحرب الدائرة في غزّة والجنوب اللبنانيّ، وبعد جولات من العنف الإقليميّ جعلت الشرق الأوسط يبدو كمسرحٍ دائمٍ للدم. عليه، تبدو الزيارة أشبه بـ”تدخّلٍ معنويٍّ” من الفاتيكان في محاولةٍ لإعادة الروح إلى فكرة السلام، لا كاتّفاقٍ سياسيّ، بل كموقفٍ وجوديٍّ: أن تكون إنساناً في عالمٍ يحترف صناعة العنف.

يُعيد هذا المعنى إلى الأذهان تقليد الكنيسة في النظر إلى لبنان كـ”مختبرٍ للتعايش”، لا لأنّه نجح دوماً، بل لأنّه فشل كثيراً وما يزال يحاول. الفشل المتكرّر في ذاته جزء من الاختبار. لذلك لا يأتي البابا لاوون ليبارك نظاماً سياسيّاً أو طائفةً بعينها، بل ليقول للّبنانيين إنّ السلام لا يُمنح من الخارج، بل يُصنع في الداخل كما تُصنع المصالحة مع الذات قبل أن تُصنع مع الآخر.

 

من يوحنّا السّادس إلى لاوون الرّابع عشر

حين زار البابا يوحنّا السادس لبنان في طريقه إلى الشرق عام 1964، لم يكن البلد قد دخل بعد في زمن الحرب، لكنّه كان يعيش تناقض حداثته المبكرة: هو جمهوريّةٌ ناشئة وكيانٌ يفتّش عن معنى وجوده بين العروبة والغرب. حمل يوحنّا السادس يومها نَفَس المجمع الفاتيكاني الثاني، معلناً أنّ الكنيسة ليست “قلعة المؤمنين” بل “خيمة الحوار”. كانت تلك لحظة تأسيسيّة جعلت لبنان جزءاً من خريطة الفاتيكان المشرقيّة.

بعد ثلاثة عقود، جاء يوحنّا بولس الثاني عام 1997 ليعلن أنّ “لبنان أكثر من وطن، إنّه رسالة”. لم تكن عبارته شعاراً، بل قراءةٌ لبلدٍ صغيرٍ يضمّ في تضاريسه خلاصات الصراع بين الشرق والغرب، بين الإسلام والمسيحيّة، وبين الدولة والطائفة. أراد الفاتيكان آنذاك أن يحمي هذا النموذج، فصدر “الإرشاد الرسوليّ” من بكركي كوثيقة تعمِّد لبنان بالمعنى الروحيّ والسياسيّ معاً.

ثمّ تكرّست في عهد بنديكتوس السادس عشر عام 2012 قاعدة أخرى مفادها: الكنيسة في زمن الانقسام المذهبيّ، والرجاء في زمن الانفجار السوريّ والعراقيّ. جاء بنديكتوس حاملاً وثيقة “الرجاء للشرق الأوسط”، في لحظةٍ بدأ فيها المسيحيّون العرب يختفون بين هجرتين: هجرة الأرض وهجرة المعنى. من لبنان، خاطب العالم: “لا خلاص لأحدٍ إن لم نخلُص معاً”.

أمّا البابا فرنسيس فقد خطّط لزيارة بيروت أكثر من مرّة، لكنّ مرضه حال دونها. مع ذلك، ظلّ لبنان في صلواته، وفي كلماته التي وجّهها من الفاتيكان قائلاً إنّ “لبنان مشروع أمل لا يجوز أن يموت”. بهذا الغياب القسريّ، اكتمل المعنى الرمزيّ: حتّى الغياب البابويّ صار جزءاً من الحضور ودليلاً على أنّ أزمة المشرق هي في العجز عن تحويل الألم إلى نهضة.

 

رسالة مؤتمر المسيحيّين العرب: من الطّائفة إلى الأمّة

في خضمّ هذه اللحظة، تبرز من بيروت رسالة وجّهها “مؤتمر المسيحيّين العرب” لتعيد ترتيب الأسئلة. ليست الرسالة التي صدرت بياناً دفاعيّاً عن الحقوق أو الهواجس وحسب، بل إعلان عن عودة الوعي للمشترَك العربيّ كشرطٍ للبقاء. في نصّها اللاهوتيّ ـ السياسيّ، تضع الرسالة الإصبع على جوهر المسألة: ليست المسيحيّة العربيّة وجوداً معزولاً، بل جزءٌ من نسيجٍ أوسع من القيم واللغات والتجارب التاريخيّة.

تذكّر الرسالة بأنّ الحضور المسيحيّ في المشرق لا يُقاس بعدد الكنائس، بل بقدرته على إنتاج المعنى والموقف والمبادرة. ما تؤكّده الرسالة أيضاً هو ولادة مفهومٍ جديدٍ للعروبة، عروبةٍ لا تقوم على النقاء أو العصبيّة، بل على التعدّد والتكافؤ والحرّية. العروبة الجديدة، كما تتبدّى في هذه اللحظة، ليست مشروع دولة، بل مشروع وعي. لبنان، مع تعبه، لا يزال المكان الأقدر على حمل هذه الفكرة.

ربّما أبرز ما تضيفه زيارة البابا لاوون الرابع عشر أنّها تأتي على تماسٍّ مع تحوّلٍ في الوعي المسيحيّ العربيّ نفسه. المؤتمر الذي وجّه إلى الحبر الأعظم رسالة بعنوان “من أجل عروبةٍ عصريّةٍ تتّسع للجميع” لا ينطق باسم جماعةٍ مغلقة، بل باسم ثقافةٍ تُعيد التفكير بعلاقتها بالآخر الإسلاميّ، وبالمواطنة، وبالدولة المدنيّة التي لا تقيم العدالة على الإقصاء بل على الشراكة.

 

العيش المشترَك: معضلة لبنانيّة ومفارقة مشرقيّة

في رسالة “مؤتمر المسيحيّين العرب” إلى البابا لاوون الرابع عشر تتبلور معادلة فكريّة شجاعة: “ننجو معاً أو نهلك معاً”. إنّها ليست صيغة عاطفيّة بل إعلان ميثاقٍ جديد: المواطنة قبل الطائفة، والحرّية قبل الخوف، والعدالة قبل الولاء.

من يوحنّا السادس إلى لاوون الرابع عشر، يتجلّى خطٌّ واحدٌ متين: رسالة الكنيسة في المشرق ليست للدفاع عن الماضي، بل حماية الإمكان في الحاضر. ولبنان، الذي كان يوماً رسالة، مدعوٌّ اليوم إلى أن يكون نداءً جديداً للتعايش، لا في الخطاب بل في الممارسة.

قد لا يغيّر البابا لاوون الرابع عشر المشهد السياسيّ في لبنان، لكنّه يذكّرنا بأنّ الإيمان، في جوهره، ليس عزلةً بل مشاركة. طوبى إذاً لصانعي السلام، لأنّهم وحدهم يعرفون أنّ السلام لا يولد من التوازن بين القوى، بل من قوّة التوازن.


أيمن جزيني - "أساس ميديا"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا