فنزويلا: النموذج الأقسى لـ"لعنة النفط"
يُعتبر ملف النفط الفنزويلي أحد أكثر الملفات تعقيداً في العالم، حيث يجمع بين ثروة هائلة وأزمات عميقة. ففنزويلا تحتل المركز الأول عالمياً من حيث امتلاك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة وتُقدّر بحوالي 303 مليارات برميل، ما يمثل نحو 19% من الإجمالي العالمي لاحتياطيات النفط وفقاً لبيانات منظمة أوبك للعام 2024، متفوقة بذلك على السعودية وإيران.
على الرغم من هذه الثروة النفطية الهائلة، تعاني فنزويلا من أسوأ الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث، مع تضخمٍ مفرط بلغ مليوناً و698 ألفاً في المئة في ذروة الأزمة بحلول نهاية عام 2018 وفقاً للجنة المالية للجمعية الوطنية في فنزويلا، ونقصٍ حاد في الغذاء والدواء حيث فقدت البلاد التي تعتمد بشكلٍ كبير على استيراد المواد الأساسية قدرتها على تحمل تكاليف الاستيراد مع انخفاض أسعار النفط، وهجرة نحو 8 ملايين مواطن فنزويلي منذ عام 2014 معظمهم من الفئات الشابة، في حين يرزح أكثر من 20 مليون مواطن فنزويلي من أصل 28 مليوناً تحت خط الفقر بحسب تقرير "هيومن رايتس ووتش" للعام 2024.
دور العقوبات الأميركية في تقويض الاقتصاد
شهدت فنزويلا تحسناً اقتصادياً طفيفاً في العامين الأخيرين، مدفوعاً بالنمو البطيء لقطاع النفط، وتخفيفٍ جزئي للعقوبات الأميركية من قبل إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن في تشرين الأول 2023، قبل أن تعود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى فرض عقوبات جديدة عبر إلغاء جميع تراخيص شركات النفط الفنزويلية في آذار 2024، وفرض رسوم استيراد بنسبة 25% على مستوردي النفط الفنزويلي في الأول من نيسان 2024، مما تسبب بتوقف كل من الصين والهند عن استيراد النفط الفنزويلي تجنباً للعقوبات الأميركية، وهما تستوردان أكثر من 50% منه، مما جعل أكثر من نصف صادرات النفط الفنزويلية خارج السوق العالمية.
فرضت الولايات المتحدة عقوبات على البنك المركزي الفنزويلي وشركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA)، مما جمد مليارات الدولارات من الأصول في الخارج، مثل أصول شركة CITGO في الولايات المتحدة الأميركية، وهي شركة أميركية المنشأ لكنها مملوكة من الحكومة الفنزويلية منذ عام 1990، وتُقدّر قيمة أصولها بنحو 5.9 مليار دولار. حرمت هذه القيود والعقوبات الدولة الفنزويلية من السيولة اللازمة بالعملات الصعبة لاستيراد الغذاء والدواء والسلع الأساسية، الأمر الذي عمّق الأزمة الإنسانية المتفاقمة أساساً. كما أجبرت العديد من الشركات والمصارف على قطع العلاقات مع فنزويلا تجنباً للمخاطر.
وبدلاً من تقويض النظام المستهدف، أدت هذه العقوبات إلى تفاقم الفساد وتضاعف عدد شبكات التهريب وانتشار السوق السوداء، مما ساهم بدوره بمفاقمة تركيز الثروة بيد النخب السياسية والعسكرية المتحكّمة بهذه السوق.
عقودٌ من الفساد السياسي وسوء الإدارة
لكن أزمة الاقتصاد الفنزويلي لا تعود فقط إلى العقوبات الأميركية وإعاقة تصدير النفط الفنزويلي الخام، بل تشمل تغلغل الفساد في صلب بنية ومؤسسات الدولة والنظام السياسي والاجتماعي. ويُظهِر التتبع التاريخي تفاقم ظاهرة الفساد مع الطفرة النفطية في بدايات القرن العشرين. بالتالي، فإن جذور هذه الظاهرة تعود إلى ما قبل تشكّل النظام السياسي الحالي، ومن المحتمل أن تستمر بالتفاقم حتى مع تغيّر النظام إذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة وواضحة لمكافحة الفساد.
وفقاً لمؤشر مدركات الفساد في عام 2024، تحتل فنزويلا المرتبة 178 من بين 180 دولة، ما يجعلها أكثر دول العالم فساداً بعد الصومال وجنوب السودان. ويمكن اختزال جوهر أزمة الفساد في تحول قطاع النفط من محرك للاقتصاد إلى عقبة أمام تطوره. تمثل شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) المملوكة للدولة النقطة المركزية التي يتقاطع فيها فساد تحالف النخب السياسية والعسكرية مع مظاهر الانهيار الاقتصادي الحاد، خاصة كونها المصدر الرئيسي الوحيد للعملات الأجنبية في ظل غياب المؤسسات الرقابية، حيث تُستخدَم إيراداتها لتمويل الولاءات السياسية وتغذية شبكات المحسوبية. وتُقدّر منظمة الشفافية الفنزويلية خسائر الشركة بسبب حالات الفساد بنحو 17 مليار دولار أميركي.
حاول الرئيس الفنزويلي المختطف من قبل القوات الأميركية نيكولاس مادورو التخفيف من وطأة الفساد في نيسان 2024 عبر اقتراح تعديلات دستورية تنص على عقوبة السجن المؤبد لمن تثبت إدانتهم في قضايا الفساد الكبرى والخيانة العظمى، عقب اعتقال وزير النفط الفنزويلي السابق طارق العيسمي بتهم فساد متعلقة بشركة PDVSA، لكن أي قدرٍ من الإصلاحات الدستورية لم يعد كافياً إذا لم يترافق مع إرادة سياسية حاسمة واستقلالية السلطة القضائية، التي تشكّك العديد من الجهات الدولية والمحلية بنزاهتها بسبب التدخلات السياسية المباشرة، خصوصاً أن عمليات التوظيف في شركة PDVSA ارتبطت بشكل متزايد بالولاء للحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي بقيادة مادورو، بدلاً من الكفاءة الفنية والتخصص، ما ضاعف من تكاليفها التشغيلية وأضعف من إنتاجيتها. وقد فُتِح 164 تحقيقًا في 29 دولة منذ عام 2004 بشأن حالات فساد وجرائم منظمة تورط فيها مسؤولون فنزويليون كبار، بما في ذلك مسؤولون من شركة PDVSA، وفقاً لمنظمة الشفافية الفنزويلية، نصف هذه القضايا كلّفت الدولة الفنزويلية خسائر تقدّر بـ 68 مليار دولار.
تتضمن حالات الفساد التي تورّطت فيها شركة PDVSA داخل فنزويلا منح عقود استثمارية وخدمات بمليارات الدولارات لشركات وهمية أو تابعة للمقربين من سلطة مادورو دون منافسة شفافة وبأسعار مبالغ فيها، وتحويل عائدات النفط من الحسابات الرسمية للدولة أو للشركة إلى شبكة معقدة من الحسابات الخارجية، والإبلاغ عن أرقام إنتاج وإيرادات أقل من الحقيقية مع بيع الجزء المخفي في السوق السوداء أو عبر قنوات غير رسمية لتحويل العائدات بشكل مباشر إلى المنتفعين من النخب السياسية والعسكرية، بالإضافة إلى السرقة الممنهجة لمعدات الإنتاج النفطي والموارد الخام.
انخفاض إنتاج وتصدير النفط وانهيار اجتماعي
في ظل الهجوم الأميركي الأخير الذي بلغ ذروته باختطاف الرئيس الفنزويلي من قصره في العاصمة كراكاس، وغيره من الأحداث العسكرية والسياسية الجارية، تُطمَس أكثر فأكثر حقيقة أن الانهيار لم يعد يطال الاقتصاد فحسب، بل امتد ليشمل العقد الاجتماعي وسلطة الدولة الفنزويلية. لقد أدى تفاقم الفساد والضغط الكبير الذي تسببت به العقوبات الأميركية والدولية، إلى تهالك البنية التحتية للقطاع، وانخفاض إنتاج وتصدير فنزويلا من النفط الخام من نحو 3.5 ملايين برميل يومياً في أواخر القرن الماضي إلى أقل من مليون برميل يومياً في عام 2025. وقد أمعن هذا الانخفاض في الهبوط بفعل الحصار الأميركي البحري الشامل في كانون الأول 2025 ليبلغ أقل من 600 ألف برميل يومياً، أي أقل من 0.6% من الاستهلاك العالمي للنفط الذي يبلغ نحو 100 مليون برميل يومياً. هكذا، تقدم فنزويلا النموذج الأكمل لـ "لعنة الموارد"، حيث حوّل الاعتماد المفرط على النفط وإهمال القطاعات المنتجة تاريخياً، إلى جانب استشراء الفساد والعقوبات الأميركية الخانقة، أكبر احتياطي للنفط الخام في العالم إلى مصدرٍ للبؤس والانهيار.
هاني عضاضة- المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|