جعجع: حزب الله مجرّد فرقة في الجيش الإيراني... ويعمل بما يقرره الإيرانيون
في مقابلة خاصة أجرتها "سكاي نيوز – عربية" مع رئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" سمير جعجع، وحاوره فيها الإعلامي عماد الدين أديب من معراب، قدّم جعجع قراءة سياسية موسّعة لعام 2026 على مستوى النظام الدولي والشرق الأوسط ولبنان، واضعًا سلوك الولايات المتحدة في الواجهة باعتبارها "اللاعب الأساسي" الذي بات "أكثر ديناميكية" و"أكثر هجومية"، قبل أن ينتقل إلى ملفات المنطقة، وفي مقدّمها دور إيران خلال العقود الأربعة الماضية كما يراه، وانعكاسات ذلك على بنية الدول في الإقليم.
وبالانتقال إلى الشأن اللبناني، ركّز جعجع على مفهوم "الدولة الفعلية" بوصفه المدخل لأي استقرار سياسي أو أمني، مقدّمًا تعريفًا عمليًا لهذا المفهوم عبر أمثلة داخلية مرتبطة بقرار الحرب والسلم وبهيبة الدولة وبمفهوم احتكار القوة، ومتوقفًا مطولًا عند مقاربة سلاح حزب الله، وما يعتبره فجوة بين القرار السياسي المطلوب وبين الانزلاق إلى خيارات القوة المسلحة التي شدد على أنها ليست مطلوبة أبداً وهي "الملاذ الأخير"، مقابل "الملاذ الأول" الذي يجب أن يبدأ بسياسة واضحة وإجراءات إدارية ومالية وسياسية.
وفي هذا الإطار، تضمّنت المقابلة محطات متتابعة من قراءة "قواعد اللعبة" الدولية إلى أمثلة الشرق الأوسط، ثم إلى أسئلة محددة عن مقاربة الدولة اللبنانية لحصرية السلاح ومواجهة الانتهاكات الإسرائيلية، وصولًا إلى سؤال افتراضي طرحه أديب حول ما يمكن أن يقوله جعجع للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم لو جلس معه الأخير "في غرفة مغلقة" طالبًا "نصيحة" منه، قبل أن تُختتم المقابلة بملف الانتخابات وأولويات "القوات" في عام 2026، حيث كرّر جعجع عنوان "قيام دولة فعلية" باعتباره هدفًا سياسيًا جامعًا، وربطه بتطبيق الدستور وباحترام المهل الدستورية والإجرائية.
ورداً على سؤالٍ عن "متغيّرات عدّلت في قواعد اللعبة" بين العامين 2025 و2026، وكيف تبدّلت "قواعد اللعبة العالمية"، قال جعجع: "بخلاف ما يعتقد البعض، أعتقد شخصيًّا أنّه لم يتغيّر الكثير من الأشياء، باستثناء أنّ اللاعب الأساسي على المسرح الدولي، وهو الولايات المتحدة الأميركيّة، قرّر أن يكون أكثر ديناميكيّة من العادة، وأكثر هجوميّة من العادة. من هنا نرى ما نراه، سواء على مسرح الشرق الأوسط أو على المسرح الأوروبي طبعًا بطرق مختلفة، أو على مسرح أميركا اللاتينيّة في ما شهدناه أخيرًا على المسرح الفنزويلي. أكثر من ذلك، برأيي، العالم هو ذاته العالم، وقواعد اللعبة ستبقى نفسها، من بداية التاريخ حتى الآن تقريبًا، مع بعض الطلعات وبعض النزلات. نحن الآن في مرحلة "طلعة" للاعب الرئيسي".
وعندما سُئل عن توصيفه للولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب بأنها "ديناميكية أكبر من العادة" رغم ما عدّده محاوره من سياسات أميركية ضاغطة على الحلفاء وفرض تعريفات جمركية وتدخلات عسكرية، أوضح جعجع: "أنا لم أقل أبدًا إنني أؤيد كل سياسات الرئيس ترامب". ثم تابع: "ما وصفته، أستاذ عماد، الآن، يدلّ على أنه أكثر ديناميكيّة من العادة. لقد قلتُ إن هناك ديناميكيّة من جهة ونفحة هجوميّة من جهة أخرى. أما التقييم السياسي أو الاستراتيجي أو الأخلاقي لما يحصل فشأن آخر. لكنني أحببت أن أصف ما الذي يجري. نعم، صحيح: عايشتُ كثيرًا من الرؤساء الأميركيين أخيرًا. عايشتُ الرئيس جو بايدن، والآن أعايش الرئيس دونالد ترامب. إذا أردت أن أقول ما الفرق بينهما، فربما في أمور عدة كانت لديهما النظرة نفسها للأمور، لكن الفرق أنّ دونالد ترامب يقوم فورًا بالحركة العملية لمحاولة الوصول إلى الغاية، بينما الرئيس جو بايدن كان لديه في كثير من الأشياء المبادئ نفسها، لكنه لا يذهب فورًا إلى الحركة العملية التي تؤدي إلى نتيجة ما. في أي حال، الرئيس ترامب من الرؤساء الذين يوصفون في التاريخ بأنهم يغيّرون الأشياء. تعرف، يمرّ رؤساء لا يغيّرون الأشياء: يكونون "كتير مناح"، ويكونون "كتير أوادم"، ويكونون أخلاقيين كثيرا، لكن لا يغيّرون في المعادلات القائمة. ترامب ليس من هذا النوع؛ هو من نوع الرؤساء الذين يغيّرون بعض المعادلات نحو الأسوأ أم نحو الأفضل، للتاريخ أن يحكم".
وعندما طُرح عليه ما نُقل عن شخصية عربية اعتبرت أن وجود ترامب قد يشكل "فرصة" لتغيير أمور في الشرق الأوسط لم تقدم عليها الولايات المتحدة سابقًا، قال جعجع: "نعم. سأعطي مثالًا من واقعنا في الشرق الأوسط، لأن هذا يكون أقرب مثال إلينا، ومن ضمن ما نعيشه كل يوم. منذ أربعين سنة حتى الآن، إيران—وأنا أقول ذلك—"كل عمرها" كانت على علاقة صداقة، بين الشعب الإيراني والشعب اللبناني، ولا مشكلة، لا مشكلة حدودية، ولا مشكلة شخصية، ولا شيء. أنا كل ما أتذكره أنّ إيران كانت دائما دولة صديقة للبنان. وفجأة، منذ أربعين سنة وحتى الآن، إيران هي من منعت قيام دولة فعلية في لبنان، دولة فعلية لا دولة صورية. جاءت إيران، على سبيل المثال لا الحصر، وسآخذ المثال اللبناني، ثم سأقوم بالتوسع به باتجاه سوريا والعراق واليمن وباقي الشرق الأوسط. جاءت إيران، وبدأت منذ نحو أربعين سنة، وفي كل سنة، تدفع مباشرة مليار دولار سنويا في لبنان. الشعب الإيراني يقوم بثورة، ويحاول النظام منح الفرد أو العائلة الإيرانية، لم أستطع أن أتأكد تماماً، نحو سبعة دولارات في الشهر، بينما يدفع مليار دولار، فقط للبنان. لكن ليس للبنان الدولة ولا للشعب اللبناني، بل لفصيل مسلّح في لبنان يدين له بالولاء ويترجم سياساته بما يتعلق بالشرق الأوسط ككل. وبالتالي، منذ أربعين سنة ونحن نعيش مأساة في لبنان، مأساة من جرّاء هذا التصرف الإيراني. في سوريا، “حدّث ولا حرج”. اخيرًا، في العام 2011، اندلعت في سوريا ثورة شعبية، وبرأيي لم يشهد الشرق الأوسط مثيلاً لها، ثورة شعبية بكل معنى الكلمة. وللأسف، بعد سنة أو سنتين من اندلاع الثورة، انقلبت بفعل القمع وأمور اخرى. برأيي، المجموعات توجد دائماً بثنائيات في التاريخ: بشار الأسد يعني داعش، وداعش يعني بشار الأسد - المهم اندلعت الثورة، وبعد سنتين، بسبب التطورات التي حصلت على الأرض، وبسبب العنف، وبسبب تفكك الوضعية الشرعية، وبالرغم من تمسّك الأسد بقصر المهاجرين، جاءت داعش وسيطرت على الوضع، ما أدى إلى هزيمة الشعب السوري. من الذي هُزم في سنوات 2014 و2015 و2016؟ الشعب السوري هو الذي هُزم، لأنه كان هو من يخوض المقاومة. أنا برأيي، الثورة السورية قدّمت شهداء وضحايا وقتلى بما لا يقل عن ستمئة ألف إنسان، ومع الأسف لا أحد يتحدث عنهم بشيء، هذا لأقول إنها كانت ثورة شعب بكامله… ماذا فعلت إيران؟ أمام شعب بكامله يثور، ليس ضدها، بل يثور ضد بشار الأسد، وضعت ايران كل ثقلها، لكي تتمكن من تجميد بشار الأسد في مكانه تحنيطاً، وبقيت تُثبّته وتُثبّته وتُثبّته، إلى أن تغيّرت كثير من الأوضاع في الشرق الأوسط وأدت إلى إسقاط بشار الأسد. هذه سوريا. وفي العراق، حدّث ولا حرج أيضا، علما انني لا أريد أن أدخل في وضعية تربطنا بها صلات جيّدة، إن كان الدولة العراقيّة أو الشعب العراقي. وفي اليمن، “حدّث ولا حرج” أيضًا وأيضاً. لولا ترامب— وأنا أطرح الأمور دائمًا بشكل بسيط وواضح ومباشر — لولا ترامب، لكانت هذه الوضعية مرشحة لأن تستمر في الشرق الأوسط أربعين سنة أخرى. مع ترامب، أغلب الظن، كما نرى، لقد حُصرت تمامًا الوضعية التي كانت قائمة في السنوات الأربعين الماضية، حُصرت إلى آخر حدّ، وبرأيي لن تقتصر المسألة على حصرها، بل ستؤدي سياسة ترامب إلى تغيير في معالم الشرق الأوسط. بمعنى أنّ عامل الثورة الإسلامية في إيران سيختفي تأثيره عن الساحة بالشكل الذي شهدناه في السنوات الأربعين الأخيرة”.
بعدها اورد المحاور خلاصة مفادها أن “عامل ترامب” قد يكون مؤثرًا إيجابيًا لكنه يقوم على سياسة غير تقليدية وسلوك لا يمكن التنبؤ به، وأن “السلطة المطلقة مَفسَدة مطلقة” وقد تنعكس مغامراتها على المنطقة، فقال جعجع: "إنني لا أوافقك الرأي، للأسباب التالية: سأعطيك مثلًا حيًّا آخر. ترامب في ولايته الأولى كان لا يؤمن بحل الدولتين في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، هل تتذكر؟ وانطلق في شيء سُمّي "السلام الإبراهيمي". إنه يعتبر أن المسألة تحل على هذا النحو: نقوم بإنشاء علاقات اقتصادية بين دول المنطقة وبين إسرائيل، وهذه هي المسألة الاساس. الفلسطينيون لا أعرف أين كانوا في ذهنه، لا أعرف إذا كانوا موجودين في مكان ما في ذهنه. حسنًا. انقصت الأيام، وهذا كان في ولايته الأولى. وفي مكلع ولايته الثانية، تكرر الشيء ذاته، يقول لا ليس هناك من دولة فلسطينية، لا يوجد دولة. وكان يقول، إن كنت تتذكر، إن في الحقيقة إسرائيل صغيرة على الأرض التي هي فيها. قالها بعض الأحيان هكذا على هذا النحو. وإذ بمجرد أن بدأت الدول العربية الرئيسية، وبالأخص السعودية ومصر، ومعهما دول الخليج وقطر والإمارات وغيرها، بدأت تتواصل مع ترامب وتتكلم معه، انتهى الأمر بخطة وقف إطلاق النار وتطبيع الوضع في غزة. وفي طيات هذا الاتفاق اعتراف بدولة فلسطينية".
وبعدما عارضه المحاور قائلاً إن النص كان صريحًا وأن مادة "حل الدولتين" حُذفت، قال جعجع: "لا، لا، لا. أول شيء، شخصيًّا، وبمجرد ما أنه قبل أن يلحظ هذا الحل في الاتفاق الأولي الذي عقده هو والسعودية ومصر وقطر والإمارات والدول العربية، فهذا امر إيجابي يتعلق بترامب شخصيًّا. طبعًا، لن يأتي فجأة ليغيّر سياسته 180 درجة. سيبقى يأخذ بعين الاعتبار أيضًا مصالح إسرائيل. ونحن نكون لا نقرأ جيدًا إذا اعتبرنا أنه ترك رأي إسرائيل ومصالحها جانبًا. لكن على الأقل، عبر حتى الآن 50% من الطريق، وزرع في اتفاق وقف إطلاق النار الخاص بغزة بذورًا، إن صح القول، للوصول إلى دولة فلسطينية، في بنود عدة. فمثلًا، الآن ستبدأ مرحلة ثانية. وللأسف، للأسف، للأسف، أحيانا كثيرة، مصيبة الفلسطينيين هي من بعض الفلسطينيين للأسف. أقول لك افتراضاً، أنا أو كنت مكان “حماس” في 8 تشرين الثاني، ليس الآن، بل في 8 تشرين الثاني 2023، كنت لأقول للإسرائيليين، بعد ما رأيت ما ينوون فعله في ظل الوضع الدولي كلّه والوضع العربي كلّه: تفضلوا هؤلاء هم أسراكم وهذا هو سلاحنا ولكن أتركوا غزّة بحالها ولا تدخلوا إليها. حتى في المرحلة الثانية، مثلًا: السلطة الفلسطينية المرحلية ستقرر بين من ومن. وأنا أكيد إسرائيل سيكون لها كلمة فيها، هذا أكيد، لكن الأكيد أيضًا أن السلطة الفلسطينية سيكون لها كلمة فيها. نحن جئنا من بعيد في هذا الموضوع. أنا لا أقول إن هذا الوضع مثالي، لكنني أعطي مثالًا كيف ان ترامب ليس لديه سلطة مطلقة، وليس لديه إمكانية مطلقة. كنا نتحدث عن فنزويلا وغرينلاند؟ ألم يذهب ويعلن الحرب على فنزويلا؟ حصل ما حصل لأن فنزويلا فتحت المجال بالتصرفات التي كانت تقوم بها من قبل. غرينلاند مطروحة الآن. توقعاتي: إذا لم تقبل الحكومة الدنماركية أن تبيع غرينلاند، ولم تقبل بالحل الـدبلوماسي، فلن يستطيع أن يبادر ويحتل غرينلاند عسكريًّا”. وعندما نُقل إليه قول روبيو “لا أستبعد الحل العسكري في غرينلاند"، قال جعجع: "ترامب يقول كثيرًا من الأشياء ولاحقاً يحجم عن تنفيذها، لأنه يقصد بها شيئًا آخر”.
وعند الانتقال إلى لبنان، طُرح عليه سؤال حول ما يُفهم من مقاربة الموفدين الأميركيين للبنان وما الذي تريده الولايات المتحدة بشكل مباشر، فأجاب جعجع: "أنا صراحة رأيت توم براك مرة واحدة، فلا أستطيع أن أنقل عن لسانه شيئاً محدداً، لكنني على تواصل مستمر مع المسؤولين الأميركيين، توم براك، أورتاغوس أو غيرهما، ومع السفراء الأميركيين. بشكل مباشر جدًّا: الأميركيون يريدون قيام دولة فعلية في لبنان، ويريدون أن تعقد هذه الدولة الفعلية صلحًا وسلامًا مع إسرائيل". وعندما طُلب منه شرح "مواصفات الدولة الفعلية"، قال: "مواصفات الدولة الفعلية أن يكون القرار الاستراتيجي العسكري والأمني داخل هذه الدولة. أنا أتذكر تمامًا، سنة 2006: جميع مسؤولي الدولة كانوا حول طاولة الحوار، وكان، رحمه الله، السيد حسن نصر الله موجودًا، وكان رئيس الحكومة، وكان جميع الفرقاء السياسيين. أتذكر ان رئيس الحكومة، وكان حينها فؤاد السنيورة، قال على الطاولة، متوجهاً هكذا إلى السيد نصر الله: أنا أتمنى يا شباب أن تتركونا نمضي "صيفية" هادئة، لأن لدينا موسم اصطياف مهماً نحن مقبلون عليه. وكان جواب الجميع بالإيجاب، والسيد حسن كان أيضاً جوابه إيجابياً. "رحنا نمنا، ولكن تاني يوم،تالت يوم، أو رابع يوم، اللي هوي، بعد كم يوم، قمنا كلنا سوا، ورئيس الحكومة بالذات على حرب اندلعت في الجنوب". هذه ليست دولة فعلية. الدولة الفعلية يكون قرار الحرب والسلم بيدها".
وعن موضوع "السلام مع إسرائيل" وما يريده الأميركيون أيضاً، قال جعجع: "يريدون هذه الدولة الفعلية، بالدرجة الأولى، أن تعقد معاهدات الصلح والسلام مع إسرائيل. هذه المسألة للبحث في وقت آخر. هكذا يريدون. أولًا، "خلّيني آخذ أول شق": طبعًا نحن أصلًا كلبنانيين نريد ذلك، منذ القدم، وليس الآن. كل حركة 14 آذار قامت على هذا الأساس. أساس إرادة الوصول إلى دولة فعلية، وأعني بحركة 14 آذار — أعني نحو 70% من الشعب اللبناني—وقد قامت على هذا الأساس. إذًا هنا يوجد التقاء مصالح بيننا وبين الأميركيين في ما يتعلق بهذه المرحلة في لبنان. يجب ألا يبقى سلاح غير شرعي. هذا أمر غير مفهوم. هذا أمر شاذ. لقد مررنا بأربعنن سنة نعيش فيها أوضاعًا شاذة في لبنان. حان الوقت لنتخلص من هذه الأوضاع الشاذة. الدول العربية لها الرأي نفسه، الدول الأوروبية لها الرأي نفسه، وأميركا لها الرأي نفسه. ماذا يعني هذا؟ يعني يجب الدفع بهذا الاتجاه، لأنه لا مستقبل لأي لبناني، إن كان هذا اللبناني مسلمًا أو مسيحيًّا، شيعيًّا أو سنّيًّا أو مارونيًّا أو أرثوذكسيًّا، لا مستقبل له إذا لم تقم دولة فعلية في لبنان. أول شروط قيام الدولة الفعلية أن تحتكر القوة، واستعمال القوة. هذا ليس مبدأ جديداً ونقوم باختراعه”.
وعن جدل “حصرية السلاح” بين مقاربة مرحلية ومقاربة سريعة، قال جعجع: “جيد. أنا أشكرك جدًا على طرح هذا السؤال. أول شيء: أنا مع نظرية الرئيس جوزاف عون بأن استعمال القوة Is the last resort. ولكن هذا معناه أنه يجب أن يكون هناك First resort. أنا أتحدث عن الـ First resort قبل أن نصل إلى الـ Last resort. ما هو هذا الـ First resor؟ ما هي أولى الخطوات التي يجب أن نقوم بها؟ أولى الخطوات هي التالية: الحكومة أخذت قرارًا في 5 و7 آب، على أنّ مرحلة الفوضى في لبنان انتهت، ويجب أن يُجمع السلاح كله، تجميعه ونزعه ليكون داخل الدولة. في 8 آب، وفي 9 آب، وفي 10 آب، يخرج مسؤولون من حزب الله ويقولون: هذا القرار كأنه لم يكن، ولا نريد أن نلتزم به. هنا نقاشي الأساسي. لا، أنا لست مع أن ينزل الجيش منذ اللحظة الأولى، ويبدأ بإطلاق النار في الشوارع. أعوذ بالله. هذا غير صحيح. هذا توصيف غير صحيح على الإطلاق. لكن للوصول إلى الـLast resort هناك خطوات عدة يجب على الدولة والمسؤولين والسلطة القيام بها. أول خطوة: عدم السماح بالتطاول على الدولة. رئيس الحكومة أصدر قرارًا في أيلول الماضي، على أنه ممنوع أن يقوم أحد بوضع أي صور على المعالم العامة اللبنانية. أنا، يا سيدي، سأسلّم جدلًا—أن رئيس الحكومة، مع أنه ليس هذا رأيي، رئيس الحكومة كان يعبر عن رأي كثير من السكان في المنطقة المعنية، وهي منطقة رأس بيروت. صحيح أم لا؟ اليوم، إذا كنت انت تريد أن تفعل شيئًا في منطقة الأرز، عليك أن تأخذ بعين الاعتبار ماذا يريد أهالي بشري، لأن الأرز يقع ضمن نطاقها البلدي، ولو أنه محمية طبيعية عالمية. رئيس الحكومة كان يعبّر عن رأي أكثرية سكان بيروت، عندما أصدَر القرار أنه ممنوع استعمال المعالم السياحية الأساسية الكبرى من دون ترخيص من الوزارات المعنية: وزارة الداخلية، وزارة السياحة، وزارة كذا، وزارة كذا. وإذ بحزب الله يستمر بتحركه، ويقوم بالـProjection للصور التي قام بها، مخالفا لقرار رئيس مجلس الوزراء. هذا هو القصد، الحفاظ على هيبة الدولة وقراراتها ومنع أي جهة من التطاول عليها. ليس أن نذهب ونبدأ بإطلاق النار على الناس، هذا غير صحيح". وعندما قيل له إن ذلك يعني دولة قانون، قال: "نعم، لكن بوضوح. أستاذ عماد. أنت تريد من الناس أن تطبق القانون، يجب أن تقول لهم: يا شباب، هنا أصبح هناك قانون، وعلى الجميع أن يطبقوه. ومَن لَن يُطَبِقْ القانون سَيُطَبَقْ عليه القانون".
وعن سؤالٍ يتعلق بما إذا كان لبنان "يسير على إيقاع إسرائيل" في ظل احتلال نقاط وخروقات يومية، قال جعجع: "أكيد لا، لا نريد أن نسير على إيقاع إسرائيل، لكن في الوقت ذاته يجب أن نستجمع ما يكفي من القوى كي نستطيع أن نُخرج إسرائيل من لبنان، ونتمكن أن نوقف اعتداءاتها. من هي هذه القوى التي يجب أن نستجمعها؟ بالطليعة، سننظر أولاً إلى الدول العربية، باعتبار أن هذا هو المنطق، فبطبيعة الحال لن نتطلّع إلى دول أميركا اللاتينية قبل التطلع إلى الدول العربية، وبالدرجة الثانية إلى الأوروبيين والأميركيين، صحيح أم لا؟ هؤلاء كلهم سويًّا، هؤلاء الذين أسميهم هنا، هم الذين يمكن أن يشكلوا خط الدفاع الأول عن لبنان، بكل صراحة. قل لي، أستاذ عماد: هل يمكن أن نفكر بلبنان، لبنان بوضعه كما هو، هل يمكن أن نفكر بتوازن عسكري بيننا وبين إسرائيل؟ لا. الإنسان يجب أن بطرح بعض الوقائع كما هي، بكل جرأة وبكل وضوح، ليعرف كيف عليه أن يتصرف. نحن كدولة لبنانيّة هناك مصير ناس "برقبتنا"، وبالتالي لا يمكن أن نعتمد سياسات انطلاقًا من خطابات”.
ثم طرح عليه المحاور ما سمّاه سؤالاً افتراضياً "درامياً" عمّا يقوله لو كان في غرفة مغلقة مع الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، فقال جعجع: "أول شيء، لا أحب هكذا مقاربة، ولكن إذا سألني رأيي…أقول له: شيخ نعيم، دعنا نتصرف بعقلانية وبروح علمية، وانطلاقًا من الورقة. أنا لن أتمسك بأي أيديولوجية نظرية لدي، وأطلب منك أنت أيضًا ألا تتمسك بالـDogma خاصتك. الـDogma شيء آخر مختلف تمامًا. حزب الله كان في أوج قوته، قبل حرب الـ2024، وحصل ما سُمّي بحرب الإسناد، وانتهت إلى ما انتهت إليه. كيف بالحري الآن يا شيخ نعيم؟ كيف يمكن لنا أن نقيم توازن قوى عسكريا؟ مع أننا بالمطلق نرفض وجود أي جسم عسكري خارج الدولة اللبنانية، ولكن ردّاً على سؤالك، ولضرورات البحث ليس إلا، أقول له: كيف نعمل يا شيخ نعيم؟ طيب، إذا بقينا في وضعيتنا الحالية: عظيم. كل دول العالم أعطت “Carte Blanche” لإسرائيل لتواصل ضرب لبنان كما تريد، بهدف إنهاء حزب الله. ما الفائدة أن نبقى نحن هكذا؟ انتبه: "صرلنا"سنة هكذا، وأكثر، سنة وشهرين. نعم، حسنًا، ما الحل؟ أنا فقط أريد أن أسألك: ما الحل؟".
وعن سؤالٍ يتعلق بحجة "خرق إسرائيل" وادعاء عدم خرق الحزب لوقف إطلاق النار، قال جعجع: "أريد أن أقول: الذي كان مطلوبًا منك أنت في اتفاق وقف إطلاق النار ليس فقط وقف إطلاق النار، لأن الإسرائيلي لم يكن هو الذي يريد وقف إطلاق النار. أنت الذي كنت تريد وقف إطلاق النار، وبالتالي الإسرائيلي أعطى وقف إطلاق النار، وكان يريد منك ماذا؟ أن تترك سلاحك وتسلّمه للدولة اللبنانية. إذًا غير صحيح أن حزب الله نفّذ ما هو مطلوب منه في اتفاق وقف إطلاق النار، لأن المطلوب منه لم يكن مجرد وقف إطلاق النار. لم يكن هو الذي يضايق الإسرائيلي ويدخل أرضها؛ الإسرائيلي كان يضايق حزب الله ويدخل أرضه، وكان، إذا شئت، قد تمكن واغتال، من اغتاله من القيادات في حزب الله. وبالتالي غير صحيح أن حزب الله نفّذ ما هو مطلوب منه باتفاق وقف إطلاق النار الذي هو أشرف على صوغه مباشرة، وليس أنا من أشرف على اتفاق وقف إطلاق النار”.
أما حول ما إذا كانت الضغوط تجعل الحزب أكثر التصاقاً بإيران، قال جعجع: "هذا في ظاهر الحال. الآن في واقع الحال، أقول لك هذا للأسف ولست فرحاً بذلك: حزب الله في لبنان يمكنك أن تعتبره فصيلًا من فصائل الحرس الثوري الإيراني، مجرد لواء أو فرقة في الجيش الإيراني، بكل بساطة. وبالتالي حزب الله لا يمكنه أن يقرر أنه يفعل هكذا أو لا يفعل هكذا. حزب الله يسير بما يقرره الإيرانيون، بما تقرره القيادة الإيرانية. وبعد كل ما حصل في لبنان، قالت له القيادة الإيرانية سأحاول أن أزودك بأموال كالعادة، وسأحاول أن أزودك ببعض الأسلحة—تهريبًا عبر سوريا أو عبر تركيا أو عبر طرق أخرى—لكي تبقى أنت قادراً على الصمود، ومضى على هذا النحو، ليس انطلاقًا من حسابات. لو كان انطلاقًا من حسابات عقلانية، كان مفترضًا بالحزب أن يعرف أنه باتفاق وقف إطلاق النار في تشرين 2024 انتهت اللعبة”. وعن سؤالٍ عمّا إذا كان الحزب تعاون أو لم يتعاون، قال: “تعاون حيث أُجبر أن يتعاون، وحيث لم يجبره أحد أن يتعاون لم يتعاون، وبالتالي المؤسف أن هذا يدل على أنه لن يتعاون إلا إذا أجبره أحد ما على التعاون وهنا الطامة الكبرى”. ثم أضاف عن مناخ العام 2026: “للأسف هذا ما هو ظاهر، ويمكن أن نرى المواقف من واشنطن إلى تل أبيب إلى مجموعة الدول العربية حتى، لم يعد أحد راضيًا، ولم يعد أحد قابلًا، لأسباب إقليمية ودولية، أن تبقى فصائل مسلحة في لبنان خارج سلطة الدولة. لذلك إسرائيل عندها هذا المجال للمناورة داخل لبنان. لا أحد يقوم بالاعتراض على ما تقوم به. على سبيل المثال لا الحصر: حين كانت الحرب في غزة مستمرة، كان كل يوم هناك مئة دعوة من مئة دولة لإسرائيل لتوقف حرب غزة. الآن، ما الذي يحصل في لبنان؟ أعطني دعوة واحدة من سلطنة عمان لإسرائيل لكي توقف العمليات على البلد. لا يوجد. وبالتالي يجب أن نأخذ عبرة مما يحدث، لا أن تكون الأمور هكذا”.
وعن سؤالٍ يتصل بتصريح إسرائيلي أعقب بيان الجيش اللبناني بشأن ما أُنجز جنوب الليطاني، قال جعجع: “صح، صح. المؤسف في هذا الأمر أن التصريح الإسرائيلي الذي صدر تحديدًا اليوم، بعد بيان الجيش اللبناني عمّا أنجزه جنوب الليطاني، التصريح الإسرائيلي يوحي بأنه سيستمرون بعملياتهم، وربما يذهبون إلى تكثيفها أكثر وأكثر، إلى أن يُنزع سلاح حزب الله كلياً. هنا على السلطات اللبنانية أن تتحمل مسؤوليتها. نحن اليوم في مجلس الوزراء كان موقفنا واضحًا: إذا أرادت السلطات اللبنانية، الدولة اللبنانية، أن تجنب شعبها مزيدًا من الخسائر، عليها فورًا أن تُعلن: انتهت المرحلة الأولى، وكل المراحل الأخرى سنعمل على تنفيذها خلال شهرين أو ثلاثة أشهر مثلًا. هذا كان موقفنا. للأسف، مجلس الوزراء لم يأخذ بموقفنا، وطلع بإعلان "نص على نص"، إننا الآن ننتقل إلى المرحلة الثانية، لكن من دون أي سقف زمني ولا تحديد زمني. وأنا برأيي هذا الأمر يعرّض لبنان للخطر".
أما حول نقص إمكانات الدولة والجيش وما إذا كان من العدل المطالبة بما ليس من أدوات لتنفيذه، قال جعجع: “أستاذ عماد، واعذرني على التوصيف: ما أدليت به الآن هو خطأ شائع يقع الكثيرون فيه. ليس المطلوب بدايةً عملية عسكرية من الجيش اللبناني ضد حزب الله، بل المطلوب موقف سياسي واضح، واضح وحاسم وحازم. موقف سياسي، سياسي، سياسي. ثانيًا، الدولة لديها كثير من الإمكانات أكثر مما أظن لترجمة سياستها، ليس فقط تُترجَم السياسة بأن تستنفر الدولة الجيش اللبناني وتقول له: هاجم هنا. لا، ليس هكذا. ولا يمكن أن يُطلب من الجيش اللبناني أكثر مما بإمكانه، ولكن علينا البدء من مكان ما”. وعاد فقال: “أستاذ عماد، هذا شيء آخر مختلف تمامًا. إذا كنا نقوم بتقييم أخلاقي للسياسة الأميركية، فهذا شيء. وإذا كنا نقوم بتقييم واقعي: ماذا يجب أن نفعل كسلطة لبنانية، فهذا شيء آخر. كسلطة لبنانية، وكبداية، أنا أبدًا لا أطالب أن يذهب الجيش اللبناني ويهاجم حزب الله. قبل أن يهاجم الجيش اللبناني، على المسؤولين اللبنانيين أن يقولوا بالفن الملآن، من الآن وبشكل واضح، سرًّا وعلنًا، تلميحًا وتصريحًا، في الغرف المغلقة وفي المنتديات العامة: انتهى، على حزب الله أن يسلّم كل سلاحه. ثانيًا، الدولة لديها كثير من الإمكانات. مثلًا، أريد أن أطرح سؤالًا صغيرًا عليك: لدينا أجهزة أمنية لبنانية لا بأس بها أبدًا. في عزّ أيام داعش، كان يتم اكتشاف اي خلية لها وهي تتكوّن، فقبل أن تقوم بأي عمل، يكتشفونها ويوقفونهم ويأخذونهم إلى السجون. طيب، الأجهزة الأمنية اللبنانية تعمل على جميع الناس: تعمل عليك وعليّ، ومثلًا نحن، كحزب القوّات اللبنانيّة"، يعملون علينا وهذا أمر طبيعي. هل الأجهزة الأمنية اللبنانية بدأت بالعمل على حزب الله؟ سؤال صغير".
وعن سؤالٍ يتصل بما تفعله الدولة إذا لم يسلّم الحزب سلاحه، قال جعجع: "تقترب قليلًا قليلًا، وبالوسائل الإدارية والمالية والسياسية. في نهاية الأمر، يبقى أن الصدام العسكري هو الخيار الأخير في نهاية الأمر. لكن إذا بدك قناعتي: حزب الله ليس في وارد مواجهة أحد في الوقت الحالي، لم يعد لديه مقومات مواجهة أحد. هذا لا يعني أنه لا يستطيع أن "يعمل مظاهرة" في الشارع. يستطيع ذلك، لكن كل العالم "تعمل تظاهرات" في الشارع أيضًا. فقط تصحيح صغير: عندما كنت تتحدث عن خلية داعش، نعم، داعش كان عندها في لبنان—لو تركتها—كان عندها طائفة سنية طويلة عريضة. فإذا لم يؤيدوا داعش أيديولوجيًّا، كانوا يؤيدونها في محاربة بشار الأسد أو في مقاتلة بعض أعداء الطائفة كما يسمونهم هم في لبنان. وبالتالي نعم، كل أحد لديه بيئة حاضنة في نهاية المطاف، أليس كذلك؟ ثم لا يجوز المقارنة بقصة القانون: أنه إذا واحد صغير وواحد كبير، نطبق القانون على الصغير ولا نطبقه على الكبير. ماذا يعني إذا كان كبيرًا؟”.
وفي ختام الحوار، وعند سؤاله عن أولويات “القوات” في العام 2026 والاستعداد للانتخابات، قال جعجع: “قيام دولة فعلية، قيام دولة فعلية، قيام دولة فعلية، ويحكمها الدستور. حتى الآن الدولة الحالية—انتبه—يحكمها الدستور أكثر من غيرها، لكن لا يحكمها الدستور كل يوم بعد. أعطيك مثالًا الآن: في النظام الداخلي للمجلس النيابي… عنده نظام داخلي. المهم، من ضمن ما يقوله هذا النظام الداخلي أنه إذا أرسلت الحكومة مشروع قانون معجل، إلى المجلس النيابي، خلال خمسة عشر يومًا على رئيس المجلس أن يطرحه على الهيئة العامة، والهيئة العامة تبتّ فيه. الهيئة العامة حرة: يمكنها ان تسقطه، ويمكنها ان توافق عليه، صحيح أم لا؟ الحكومة أمضت حتى الآن شهرا ونصف، اي خمسة عشر يومًا ثلاث مرات أكثر من المهل المعطاة بالنظام الداخلي، بعدما أرسلت مشروع قانون معجل إلى المجلس النيابي، وهكذا علنًا “عينك بنت عينك”، الرئيس بري لا يريد أن يطرحه على الهيئة العامة، ولم يطرحه على الهيئة العامة. أنا أقول لك: نبدأ من هنا يا أستاذ عماد، لا نبدأ بأن نقول للجيش: اذهب واقتل حزب الله. أبدًا. نبدأ من هنا، من المكان الذي يجب أن نبدأ منه. دولة فعلية. ما هي الدولة الفعلية؟ يحكمها الدستور. مثلًا: انتخابات نيابية يجب أن تحصل في وقتها. يأتي البعض ويقولون لي: يا حكيم، أليس أفضل إذا أخرناها؟ إذا أخرنا الانتخابات النيابية يصبح حزب الله أضعف، ويصبح لدينا احتمال أن نربح أكثر. تخيّل: مواعيد دستورية ليست فيها حسابات “دكنجية”؛ تربح أكثر أم تخسر أكثر. صحيح يمكن كلما مرّ الوقت كلما تحسّنا، لكننا نتمسك بأن تحصل انتخابات نيابية في موعدها لأنها مواعيد دستورية، ولا يمكن أن تقوم دولة فعلية من دون تمسك بالدستور. وبالتالي ماذا نريد في العام 2026؟ نريد أن نصل إلى دولة فعلية. انتبه: ولو وصلنا إلى دولة فعلية في لبنان، عندنا العديد من المشاكل الأخرى نعمل على حلها ضمن إطار الدولة الفعلية، لكنك عندها تعرف أين هو الإطار للحل”.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|