الصحافة

ماذا يعني نجاح "أبو عمر" في استدراج "زبائنه"؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتجاوز قصة "أبو عمر" مع بعض أصحاب الطموحات السياسية إطار النصب والاحتيال، لتطرح إشكاليات جوهرية تتصل بطبيعة تكوين الحياة السياسية في لبنان، ومكامن الخلل العضوية فيها، إذ يبدو الأمير السعودي المزعوم مجرّد تعبير رمزي عن العطب البنيَوي في نظام متهالك، إلّا أنّه يأبى السقوط.

ليس أدلّ إلى هشاشة الواقع اللبناني المهترئ من فضيحة "أبو عمر" المدوّية، التي تكشفت خيوطها في نهاية السنة الماضية، بعد نجاح الرجل لأعوام عدة في هندسة "المقالب" المُحكمة التي استُدرج إليها عدداً من السياسيِّين المفترض أنّهم مخضرمون وأصحاب باع طويل في "الكار".

هو مواطن بسيط من عكار، سلاحه لهجة خليجية يجيدها ببراعة، ورقم هاتفي خارجي يتواصل عبره مع "ضحاياه"، استطاع لفترة طويلة أن يتلاعب بعدد من السياسيِّين، ويوهمهم بأنّه أمير سعودي قريب من الديوان الملكي، وقادر على مساعدتهم في تحقيق طموحاتهم الشخصية وضمان المناصب المرموقة لهم، في مقابل الحصول على مبالغ مالية كبيرة، ليظهر تباعاً أنّ هناك أسماء معروفة ورنانة وقعت في الفخ و"أكلت الضرب".

وإذا كانت الفجوة المالية قد التهمت الودائع، فإنّ "فجوة" أبو عمر ابتلعت جزءاً "وديعاً" أمام الخارج من الطبقة السياسية، جرفه موج الأوهام بعيداً، وسالَ لُعابه تحت تأثير ألعاب الخفة التي يحترفها "الساحر" العكّاري، في انعكاس فجّ لمستوى فقدان المناعة لدى بعض من يشاركون في رسم مصير البلد، ويمثلون الناس في المؤسسات الدستورية.

والمفارقة أنّ "زبائن" أبو عمر هم في معظمهم من الشخصيات التي ترفع شعار السيادة وتنادي به، ليتبيّن على أرض الواقع أنّه فارغ من أي مضمون حقيقي، وأنّه فقط من لوازم الأكسسوار السياسي بغرض الزينة والشعبوية في مواسم الاستحقاقات.

وما دام أنّ "شبح" أبو عمر، الذي لم ينَل المتواصلون معه "شرف" رؤيته بكل شحمه ولحمه، قد فعل فعله وبسط سطوته إلى هذه الدرجة، فإنّ هناك مَن يتساءل عن حجم تأثير موفدي الخارج الحقيقيِّين على جانب من أولئك الذين يلتقون بهم في المجالس المغلقة، حيث لا حسيب ولا رقيب.

وتفادياً لاختزال كل الأزمة بظاهرة "أبو عمر" الراهنة، ينبغي الإلتفات إلى أنّ تاريخ لبنان، قبل الاستقلال وبعده، إنّما هو حافل بنماذج البيع والشراء مع الخارج، وبمظاهر الإنبطاح والانسحاق أمامه، وإن اختلفت هويّته تبعاً لتبدّل موازين القوى ومراكز النفوذ. وبالتالي فإنّ الفضيحة المستجدة ليست الأولى ولا الأخيرة، بل هي امتداد لثقافة متوارثة من جيل سياسي إلى آخر، من دون أن ينفي ذلك وجود استثناءات تؤكّد القاعدة ولا تنفيها.

ولعلّ من عوارض مهزلة "أبو عمر" أنّها توسّع الهوّة بين شريحة واسعة من المواطنين ودولتهم، التي تفرز "سماسرة" من النوع الذي وقع في مصيدة الأمير الوهمي. علماً أنّ طبيعة النظام اللبناني المستعصي على العلاج والإنهيار في آن واحد، لا تسمح بردم تلك الهوّة، وإنّما تفرض التعايش القسري معها، في انتظار إصلاح جدّي يبدأ من قانون الانتخاب.

عماد مرمل- الجمهورية

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا