إقتصاد

وفد اقتصادي إيراني في بيروت: إيران تعرض… ولبنان يحتسب كلفة العقوبات!

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تشكّل زيارة الوفد الإيراني للبنان، في ظل تصاعد التوتر والتهديدات الإسرائيلية وشيوع أجواء عن قرب تجدد الحرب، دلالة تبدأ بالسياسة ولا تنتهي عند طموح الجمهورية الإسلامية إلى المحافظة على ما يمكنها من جسور العلاقات مع لبنان، رغم الضغوط السياسية والدولية عليها وعلى لبنان.

وفيما يضع البعض العروض والوعود الاقتصادية التي يحملها الوفد الإيراني لعرضها على المسؤولين اللبنانيين، في خانة محاولة إيران إرساء بديل اقتصادي وعلاقات تنموية، بما يعوّضها أفول نفوذها السياسي والعسكري بعد التطورات الميدانية في العامين الأخيرين في الجنوب اللبناني والإقليم، يتساءل آخرون عن جدية المشاريع والطروحات الاقتصادية التي يحملها الوفد، وحجمها، وقدرة لبنان السياسية والاقتصادية على الانضمام إلى شراكات وأنشطة مع دولة تخضع لعقوبات دولية متعددة.

وسبق أن طرح الإيرانيون مشاريع اقتصادية على الدولة اللبنانية وعلى القطاع الخاص، وأهمها كان استعداد الجمهورية الإسلامية لتبني إعادة بناء قطاع الكهرباء، وقد ووجهت جميع الطروحات بالرفض، بسبب تهيب المسؤولين اللبنانيين الارتباط بعلاقات اقتصادية مع دولة خاضعة لعقوبات مالية وتجارية دولية، والتحذيرات والموانع الأميركية والغربية المباشرة للبنان من الاستجابة للمطالب الإيرانية.

وفي حين لم ترشح أي معلومات عن اجتماع الوفد الإيراني مع وزير الاقتصاد عامر البساط، جاء كلام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال الملتقى الاقتصادي الإيراني - اللبناني ليعكس محاولة إيرانية لإعادة تأطير العلاقة مع لبنان في قالب اقتصادي – تقني يخفف حدتها السياسية الظاهرة. فالتركيز على عناوين مثل تفعيل الخطوط الجوية المباشرة، وتسهيل الجوانب اللوجيستية، وتعزيز دور القطاع الخاص، لا يمكن فصله عن إدراك طهران المسبق لحساسية أي تعاون مالي مباشر مع الدولة اللبنانية في ظل العقوبات. وتحاول إيران من خلال هذا الخطاب، الإيحاء بأن التعاون المقترح لا يمر بالضرورة عبر القنوات الرسمية أو المصرفية الخاضعة للرقابة الدولية، بل عبر مسارات تجارية واستثمارية أقل كلفة سياسية، وأكثر قابلية للتسويق داخليا وخارجيا.

والحال أن تشديد عراقجي على قطاعات محددة كالصناعة والزراعة والطاقة والدواء والخدمات التقنية، يعكس مقاربة انتقائية تراعي واقع العقوبات، وتسعى إلى فتح مجالات تعاون لا تتطلب تحويلات مالية كبرى، أو انخراطا مباشرا في النظام المالي العالمي. غير أن هذا الطرح، رغم طابعه البراغماتي، يصطدم مجددا وفق مصادر متابعة بسؤال عن قدرة لبنان على توفير أطر قانونية وتنظيمية مستقرة، وتحمّل تبعات أي شراكة قد تُفسر دوليا على أنها التفاف منظم على العقوبات.

وتؤكد المصادر أن دعوة عراقجي إلى تعزيز دور القطاع الخاص لا تبدو تفصيلا تقنيا بقدر ما هي رسالة سياسية مبطنة، مفادها أن طهران تفضل في المرحلة الراهنة تحريك العلاقات الاقتصادية من خارج الإطار الحكومي المباشر، تفاديا لإحراج الدولة اللبنانية أو تعريضها لضغوط إضافية. إلا أن هذا الخيار يبقى بدوره محدود الأثر في ظل ضعف البيئة الاستثمارية اللبنانية، وغياب الضمانات الدولية، وتداخل السياسة بالاقتصاد، ما يجعل معظم هذه الطروحات أقرب إلى إعلان نيات محسوب، أكثر منه برنامجا قابلا للتنفيذ السريع.

وبحسب المصادر، يفتقر لبنان إلى هامش واسع من القرار المستقل في خياراته الاقتصادية الخارجية، إذ يخضع لتوازنات داخلية دقيقة وضغوط دولية صارمة، ولاسيما من الولايات المتحدة والدول الغربية. كما أن العقوبات المالية والتجارية المفروضة على إيران تفرض قيودا عملية على أي تعاون مباشر معها، وتحول أي مشروع اقتصادي محتمل إلى اختبار سياسي قبل أن يكون خيارا اقتصاديا قابلا للتنفيذ. 

أما إذا أبدى لبنان تجاوبا مع المشاريع التي تعرضها إيران، فإن الإشكالية الأساسية وفق ما تقول المصادر "لا تتعلق بنية الاستثمار بقدر ما ترتبط بآليات التمويل والتنفيذ. فإيران معزولة إلى حد كبير عن النظام المالي العالمي، وتخضع مصارفها لقيود مشددة، فضلا عن تجريم أي تعامل بالدولار أو عبر مصارف مراسلة مع جهات إيرانية. وبناء عليه، يصبح التحويل المصرفي المباشر شبه مستحيل، ويعرّض أي جهة لبنانية رسمية أو مصرفية لخطر العقوبات الثانوية، حتى في حال التعامل بعملات غير الدولار".

أمام هذا الواقع، لا تملك إيران سوى اللجوء إلى مسارات غير تقليدية سبق أن اعتمدتها في دول أخرى، أبرزها التمويل العيني، حيث تنفذ المشاريع من دون تحويلات نقدية، عبر تأمين المواد والمعدات والخبرات والشركات المنفذة، ضمن أطر منح أو مقايضات. غير أن هذا النموذج يفرض قيودا تقنية على لبنان، ويحد من قدرته على اختيار الموردين وفرض معايير الشفافية والمحاسبة وضمان الجودة.

أما خيار التحويل عبر دول وسيطة، فينطوي على مخاطر مرتفعة، سواء من حيث الكلفة الإضافية أو التعقيدات القانونية، أو احتمال كشف هذه المسارات وفرض عقوبات. وحتى استخدام العملات المحلية أو البديلة يصطدم بعوائق عملية، في ظل ضعف الليرة اللبنانية وعدم قابلية الريال الإيراني للتحويل، وخضوع أي عملة ثالثة لرقابة النظام المالي العالمي.

غير أن المعضلة الأساسية، وفق المصادر، تبقى سياسية قبل أن تكون تقنية. فحتى لو وجدت آلية مالية مبتكرة، هل الدولة اللبنانية مستعدة لتحمل الكلفة السياسية لمثل هذا التعاون؟ فأي انخراط مالي منظم مع إيران قد يؤدي إلى توتير العلاقات مع الولايات المتحدة، وتهديد برامج الدعم الدولية، وتعقيد المفاوضات مع صندوق النقد، وزيادة عزلة القطاع المصرفي.

في هذا الإطار، يوضح الخبير الاقتصادي هشام أبو جودة أن التبادل التجاري بين لبنان وإيران قائم لكنه محدود، ويقدر بنحو 110 ملايين دولار سنويا. إلا أن الأهم في رأيه، ليس حجم هذا التبادل بل اتجاهه، إذ يعاني لبنان عجزا مزمنا في ميزانه التجاري، ومن المرجح أن يكون الميزان مع إيران لمصلحة الأخيرة. ويرى أبو جودة أن زيارة الوفد الإيراني تحمل أبعادا سياسية ومعنوية بقدر ما تحمل طروحات اقتصادية، وتعكس إحدى المعضلات البنيوية في لبنان، حيث تقرأ المصلحة الوطنية من منظار الانقسامات السياسية والطائفية.

وفي المحصلة، تبقى العلاقات الاقتصادية بين البلدين رهينة القرار السياسي وكلفة العقوبات وحسابات المصلحة الوطنية، ما يحوّل أي زيارة من هذا النوع إلى حدث سياسي بامتياز.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا