محليات

عراقجي في بيروت: زيارة كأنها لم تكن لا في شكلها ولا في المضمون والنتائج

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

- امضى وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي يومين في بيروت من دون ان يحدث أي ضجيج كان يمكن ان يسبق ويرافق  أي زيارة سابقة لأي مسؤول إيراني، ليس على مستوى زياراته الثلاثة السابقة فحسب، إنما على مستوى اسلافه ومعهم زيارة رئيس مجلس الشورى الايراني محمد باقر قاليباف الذين أثارت زياراتهم سلسلة من العواصف العاتية التي استدرجت بيانات ومواقف متناقضة كيلت فيها الاتهامات لطهران بالتدخل السافر في القضايا اللبنانية الداخلية وتحريض "حزب الله" على المضي في غيه، رغم رفض باقي اللبنانيين لما قام ويقوم به من حروب لم تسأل فيها المقاومة لا عن الجيش ولا عن الشعب اللبناني.

ربما هناك من يعتقد في قراءته لهذه المعادلة الجديدة، أن الثلاثية التي حكمت العلاقات بين "حزب الله" والحكومة اللبنانية وإيران قد فقدت الكثير مما كانت تتمتع به من أهمية واولوية في رسم خطوط العلاقة بين الأطراف المختلفة وشكلها ومقتضيات ما فرضته من مواقف وتصرفات لم تعد مقبولة إن لم تكن مرفوضة من أكثرية اللبنانيين. وان البلد بعد كل ما حصل وما انتهت اليه الحروب الأخيرة على مدى عامين وأشهر قليلة قد أصبح في مكان آخر بات فيه الحزب محاصرا داخل بيئته الحزبية، وان كان مرتاحا أكثر فإنه لم يتجاوز بيئة "الثنائي الشيعي". ذلك ان الرعاية اللبنانية الواسعة التي كان يحظى بها باتت مفقودة. وهي معادلة أصبحت تنطبق على إيران نفسها التي خسرت مساحات إقليمية واسعة نتيجة ما أصاب أذرعها على الساحات العربية من وهن وخسارة قد لا تعوض في العقود المقبلة، وهو امر يمكن قراءته بوضوح في اليمن وقطاع غزة ولبنان، وما يعيشه العراق من صراع حول مصير السلاح غير الشرعي، وكل ذلك لا تقاس خسائره بحجم خروجها النهائي من سوريا التي أقفلت اجواءها امام الطائرات الإيرانية.

على هذه الخلفيات توقفت المراجع الديبلوماسية والسياسية المعنية بأدق التفاصيل في علاقات لبنان المهتزة مع إيران وانعكاساتها المحتملة على الساحة اللبنانية، أمام ما انتهت اليه زيارة عراقجي عبر "المركزية"، فوجدت فيها زيارة عابرة وكأنها لم تكن، ولا تعرف كيفية قراءة نتائجها وإن كانت قد حققت الأهداف التي رسمها رأس الديبلوماسية الإيرانية قبل الزيارة. فهو أوحى بثقة عالية أن زيارته تهدف الى بناء علاقات اقتصادية بين البلدين وترميم ما تصدع في العلاقات السياسية والديبلوماسية بينهما، كما على مستوى تقديم الدعم الممكن لـ"حزب الله" في الداخل في ظل الحصار القائم حول نقل الأموال واقفال بوابات العبور عبر المرافق البرية والبحرية والجوية، بعدما افتقد دوره الإقليمي نهائيا، وقد سدت امامه الساحة السورية، وبات بعيدا جدا عن الساحتين العراقية واليمنية ومعهما الساحة الفنزويلية.

وقبل الإشارة الى المعطيات التفصيلية التي يمكن التوقف عندها لفتت هذه المراجع الى ان عراقجي لم يزر بيروت بناء لدعوة لبنانية ومن أي جهة رسمية او حزبية انما جاءت على خلفية طلب سمة الدخول بهدف المشاركة في حفل توقيع كتاب وعقد ندوة في بيروت، قبل أن تطلب السفارة مواعيد له مع المسؤولين اللبنانيين. وعلى الرغم من هذه المعطيات الهامة التي افقدت الزيارة أهميتها، يمكن الإشارة الى مجموعة العقبات التي يمكن أن تحول دون تحقيق أي من الأهداف التي حددها عراقجي ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

-إن كان الهدف ترميم علاقات لبنان الديبلوماسية مع لبنان، بات من الصعب أن يحقق عراقجي أي انجاز بعدما سمع كلاما واضحا من كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ، لم يسمعه لا هو ولا من سبقه في موقعه الديبلوماسي من قبل، ولا سيما التشديد على ضرورة وقف أي تدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية ورفض أي علاقة خارج منطق من "دولة الى دولة". وأن القرار المتخذ بحصر السلاح غير الشرعي لم يعد يخضع لأي مساومة او نقاش، وهو يحد من أدوار الساعين الى العكس وهو واحد منهم. والى ذلك، فان كان طموحه ترتيب العلاقة مع نظيره اللبناني يوسف رجي، فقد شكل اللقاء بينهما مناسبة لتبادل الرسائل غير التقليدية ولو بلغة دبلوماسية، فلم يوفر فيها رجي أي رسالة قاسية يمكن أن يوجهها الى عراقجي "مبتسما" وبكل لياقة وخصوصا عندما سأله عن امكان قبول بلاده بوجود جماعات مسلحة من ضمن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" كما قال أحد المشاركين في اللقاء. وهو كشف بأن عراقجي سجل ضبطا ملحوظا للنفس لئلا يقول انه كان فاقدا الكثير من "عنجهيته" كما قال. ورد على كلام رجي بعبارات تقليدية ومملة ومتناقضة عندما اعتبر ان مواقف بلاده من المقاومة وجهوزيتها مجرد "نصيحة" لان طهران لم تطلب مرة من "حزب الله" التصرف خارج ما تقرره قيادته وهو ما أثار استغرابا لدى أعضاء الوفد اللبناني بطريقة علنية أعطت اللقاء جوا قريبا من السخرية بالمفهوم اللبناني رافقه بعض أعضاء الوفد الايراني بإبتسامة لا يمكن توصيفها بدقة.

- وإن كان الهدف من الزيارة تعزيز العلاقات الاقتصادية فقد فهم الوفد الذي رافق عراقجي في زيارته انه لم يكن على مستوى تقريري بالنسبة الى احياء او تعديل علاقات اقتصادية مجمدة وشبه مشلولة بين البلدين على المستوى الرسمي وفقدان الوسائل التي كانت تسمح بنقل المنتجات الإيرانية من ايران الى لبنان عبر الأراضي العراقية والسورية والتي باتت عملية مستحيلة بعد قطعها تماما امام مؤسسات الحزب والتجار اللبنانيين الدائرين في فلكه. والى هذه المعطيات، فإن الجميع يدرك والمسؤولون الإيرانيون خصوصا، انه ليس بإمكان الدولة اللبنانية تحويل أي دولار او ليرة لبنانية في اتجاه الخزينة والاقتصاد الإيرانيين نتيجة العقوبات الدولية والأميركية وخلافها المفروضة على القطاعات الإيرانية كافة، والتي يلتزم بها لبنان وصولا الى منعه مؤخرا هبوط الطائرات الإيرانية في مطار بيروت بعد فترة لم يكن لبنان فيها قادرا على تزويد أي طائرة إيرانية بأي ليتر من غاز الطيران من مستودعاته.

-وان كانت الزيارة محطة لاستعادة الوهج الإيراني وحضوره على شاطئ المتوسط، فقد لاحظت المراجع الديبلوماسية ان العديد من النشاطات التقليدية التي كانت ترافق زيارة أي مسؤول إيراني الى بيروت قد فقدت من هذه الزيارة. فقد غاب أي لقاء كان مدرجا تقليديا مع الفصائل الفلسطينية والأحزاب اللبنانية الأخرى التي كانت مدرجة على لائحة أصدقاء الحزب. حتى ان لقاءه بالأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بقي خاضعا للتشكيك في بعض الدوائر الديبلوماسية لفقدان الصورة التي كانت تميز أي زيارة من قبل.

- وإن كان الهدف من الزيارة صرف النظر عما يجري في ايران كما يعتقد البعض، فلم تسمح الزيارة باي مناسبة تبعد الأنظار عما يجري هناك في بلاده. فإن القنوات الدولية التي كانت تواكب زيارة أي مسؤول إيراني الى لبنان غابت عن التغطية بطريقة ملحوظة ولم تكن مستغربة، فقد كانت غائبة بقرار يمنع عن الزيارة وهجها وأهميتها.

والى هذه المؤشرات الثابتة، التي لا تخضع لأي تشكيك فقد لفتت المراجع المعنية انه لطالما كانت بيروت منصة متقدمة للمسؤولين الإيرانيين يطلقون منها المواقف من كل القضايا المدرجة على جداول اهتماماتها الدولية والإقليمية قبل ان تفقد بريقها في الفترة الأخيرة نتيجة ما تعرضت له أذرعها وتدهور الاوضاع الاقتصادية والنقدية والأمنية في المحافظات الإيرانية بعد حرب الأيام الـ 21 التي شنت عليها. وهو امر ترجم أيضا بندرة ردات الفعل تجاه مواقف الديبلوماسي الإيراني التي جاءت محدودة للغاية ولو لم يرد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية على عبارة واحدة وردت في اطلالة إعلامية له وتحميله المسؤولية للأميركيين بما يجري في بلاده من فوضى، معتبرا انها "محاولة وهمية لصرف الأنظار عن التحديات الجسيمة التي يواجهها النظام الإيراني في الداخل" لما سمع أحد عن زيارة عراقجي الى بيروت وما قال به.

وإلى هذه الملاحظة بأبعادها الإعلامية والديبلوماسية والاستخبارية، فقد ارتكب الوزير الإيراني خطأ كبيرا اقترب من ان يكون "فضيحة مدوية" عندما كشف عن حجم الصادرات الايرانية الى لبنان مقدرا إياها بـ 100 مليون دولار فيما الاحصائيات التي وضعتها الأمم المتحدة عبر المؤسسات التي تشرف على تطبيق العقوبات الدولية على ايران حددتها بـ 28 مليون دولار عام 2022 و11 مليون دولار عام 2023 بعدما تقلصت طرق التهريب الى لبنان عبر الأراضي العراقية والسورية  بإدارة "حزب الله"، الى ان انتفت في السنتين الأخيرتين ولا سيما بعد سقوط النظام في سوريا. كما أظهرت هذه الفوارق حجم التهريب الذي كان يمارسه الحزب عبر المرافئ البرية والبحرية والجوية بوجود مثل هذه الفوارق بين أرقام دولة المنشأ والجهة المصدرة اليها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا