محليات

"التأجيل التقني" للانتخابات "أبغض الحلال"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

مع دخول أزمة الانتخابات النيابية حدود المهل الدستورية، إذ لم يبقَ منها سوى خمسة أشهر تقريبًا، لا يزال مصيرها مجهولًا وغير واضح. ومع هذا الجو المكفهّر تكثر الأسئلة عن الأسباب، التي لا تزال تحول دون اكتمال عناصر إجرائها في موعدها المحدّد إن لجهة حسم مسألة الصوت الاغترابي وكيفية التصويت، وإن لجهة البطاقة الممغنطة أو "الميغاسنتر، وإن لجهة اعتراف الحكومة باستحالة إجرائها إن لم يقم مجلس النواب بما عليه القيام به لجهة التعديلات المطلوبة على القانون الحالي.

وفي غياب أي بادرة جدّية من قِبل المجلس النيابي في هذا الشأن تُرسم أكثر من علامة استفهام عن مصير هذه الانتخابات، التي يصرّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على إجرائها في موعدها الدستوري، خصوصًا أن ثمة مؤشرات خارجية قد وصلت إلى بيروت، تنصح بوجوب الالتزام بالمواعيد الدستورية بما يعنيه هذا الأمر من جدّية التعاطي الرسمي مع هذا الاستحقاق المهم في الحياة البرلمانية والديمقراطية. إلاّ أن رئيس الجمهورية أوحى في حديثه إلى "تلفزيون لبنان" بأنه لا يعارض ما يُسمّى بـ "التأجيل التقني" لهذا الاستحقاق من أيار إلى تموز، الأمر الذي سيفسح في المجال أمام أعداد كبيرة من المغتربين، الذين يأتون عادة في مثل هذا التاريخ كل سنة لتمضية ردحًا من الوقت في الربوع اللبنانية، لأن يصوتوا في مدنهم وقراهم، بعدما تبيّن أن مشاركتهم في هذه الانتخابات من خارج الأراضي اللبنانية قد أصبح خبرًا ماضيًا ناقصًا، بعد الاتجاه الجدّي إلى الغاء البند المتعلق بتصويت المغتربين كما هو منصوص عنه في المادة 112 من قانون الانتخاب الحالي.

الا أن التلويح الرئاسي بإمكانية القبول بـ "التأجيل التقني" لا ينفي ما لرئيس الجمهورية من دور محوري في هذا المجال، وهو المؤتمن على الدستور وعلى حسن تطبيقه وفق الأليات الدستورية، التي تحدّد بوضوح كيفية إجراء العملية الانتخابية بشفافية، ومن دون تعريض نتائجها لأي طعن بصحتها لدى المجلس الدستوري.

وهنا تطرح أكثر من جهة سياسية فرضية لجوء رئيس الجمهورية إلى المادة 53 من الدستور، التي تمنحه حق توجيه رسالة إلى مجلس النواب عند الضرورة. وهذه الرسالة تُدرج حُكمًا على جدول أعمال الهيئة العامة لمجلس النواب، وتفرض نقاشًا علنيًا، ما يحوّل الأزمة من بازار سياسي خلف الكواليس إلى مواجهة مكشوفة داخل البرلمان، أمام الرأي العام.

سياسيًا، تكمن أهمية الرسالة الرئاسية في ثلاثة أبعاد أساسية: أولًا، تفرض رفض منطق التسويف والتأجيل، حتى ولو كان تقنيًا، لأن بعض المراجع النيابية تخشى أن يتحوّل هذا التأجيل إلى سابقة دستورية خطيرة على غرار ما هو حاصل في الانتخابات الرئاسية.

فالرسالة الرئاسية، وعلى رغم رمزيتها، من شأنها أن تُسقط الذرائع التقنية واللوجستية التي تُستخدم لتبرير التأجيل، وتضع الكتل النيابية أمام سؤال واضح:

هل تريدون الانتخابات في موعدها أم لا؟ فهذا الإحراج السياسي من شأنه أيضًا أن يضيّق هامش المناورة أمام القوى التي تفضّل التأجيل من دون إعلان ذلك صراحة.
ثانيًا، تلزم هذه الرسالة تحديد المسؤوليات علنًا، إذ حين يعلن رئيس الجمهورية، بصفته حامي الدستور، أن إجراء الانتخابات في موعدها واجب دستوري لا يحتمل الاجتهاد، يصبح أي تعطيل لاحق مسؤولية مباشرة لمجلس النواب والكتل الممثلة فيه، لا للحكومة ولا للإدارة، وإن كان "التأجيل التقني" في نظر رئيس الجمهورية هو أبغض الحلال.

ثالثًا، قد تشكّل الرسالة الرئاسية مخرجًا لائقًا للجميع لفتح باب الحل التشريعي. فإذا كانت الأزمة الانتخابية مرتبطة بقانون الانتخاب، أو بالبطاقة الممغنطة، أو بتمويل العملية الانتخابية، فإن الرسالة قد تدفع المجلس إلى أحد خيارين: إمّا إقرار التعديلات المطلوبة سريعًا، وإمّا أن يتحمّل من يعطّل الانتخابات مسؤولية هذا التعطيل علنًا وأمام الرأي العام اللبناني والعالمي. وهذا ما تخشاه غالبية القوى السياسية.

لكن في المقابل، وبحسب مصادر دستورية، هناك حدود لفاعلية الرسالة، إذ أنها غير ملزمة بنتائجها، أي أن المجلس غير مجبر على اتخاذ قرار حاسم في شأن مضمونها، بل يقتصر الموضوع فقط على مناقشتها. وإذا كانت هناك إرادة سياسية جامعة بالتأجيل، فان الرسالة الرئاسية لن تحول دون اكتمال عناصر التأجيل، لكنها قد تجعلها مكلفة سياسيًا وشعبيًا.
وفي رأي أكثر من خبير انتخابي ان نجاح الرسالة مشروط بمضمونها. فإذا جاءت رمادية أو بالمعنى التوفيقي أو التسووي قد تفقد تأثيرها. أمّا إذا اتسمت بالوضوح وبلغة حاسمة وحازمة، أي بمعنى أن تضع الأصبع على الجرح مباشرة، وتُسمّي الأمور بأسمائها فإنه قد تُحدث صدمة سياسية.

إن رسالة رئيس الجمهورية لا تشكّل حلًا سحريًا، لكنها قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ إجراء الانتخابات في موعدها، وذلك عبر إحراج المعرقلين، وتثبيت المرجعية الدستورية، ونقل الأزمة من الغرف المغلقة إلى العلن. فإذا تلقفها مجلس النواب بجدّية، قد تفتح باب الخروج من هذه الأزمة. أمّا إذا جرى الالتفاف عليها، فتكون هذه الرسالة قد أدّت وظيفتها على الأقل، من حيث كشفها الجهة التي لا تريد الانتخابات، لا أكثر ولا أقل.

إلا أن مواقف الرئيس عون تعكس رؤيته الواقعية والسياسيّة في آنٍ، وتحقق التوازن بين التزام العهد بالدستور وحفظ الاستحقاق، وبين ضمان مشاركة ملموسة للمنتشرين وإن كانت جزئية وغير كاملة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا