عربي ودولي

اتفاق دمشق – "قسد"… من نار الميدان إلى اتفاق الضرورة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في لحظة مفصلية من مسار الصراع في شمال شرق سوريا، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع التوصل إلى اتفاق شامل مع قائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) مظلوم عبدي، يقضي بوقف كامل لإطلاق النار وفتح الباب أمام إعادة دمج المناطق الخاضعة لسيطرة "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية. الاتفاق، الذي جاء بعد أيام من تطورات ميدانية متسارعة قلبت موازين القوى غرب الفرات وفي جزء من شرقه، عكس تحوّلاً سياسياً لافتاً، وأعاد رسم معادلة النفوذ في واحدة من أكثر مناطق البلاد حساسية.

وجاء الإعلان الرسمي بعد لقاء جمع الشرع بالمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك في دمشق، حيث أكد الرئيس السوري أن وقف إطلاق النار دخل حيّز التنفيذ فوراً، وأن الاتفاق تم التوصل إليه عبر الاتصال بسبب تعذّر حضور عبدي شخصياً نتيجة الأحوال الجوية، على أن يُستكمل البحث في التفاصيل خلال لقاء مباشر مرتقب اليوم في دمشق.

وأكدت الخارجية السورية لـ"النهار" أنّ عبدي وقع الاتفاق "إلكترونياً" بسبب تعذّر حضوره شخصياً.

وبحسب نص الاتفاق الذي نشرته الرئاسة السورية، يتضمن التفاهم 14 بنداً رئيسياً، أبرزها وقف شامل لإطلاق النار، ودمج قوات "قسد" ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة للحكومة السورية، إضافة إلى استعادة الدولة السيطرة الكاملة على حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية، وتوليها ملف سجون ومخيمات تنظيم "داعش".

مصادر خاصة في "قسد" أكدت لـ"النهار" أن "التوقيع جاء بعد نقاشات داخلية صعبة، بسبب التحفظ على بعض البنود، إلا أن الضغوط الميدانية وتطورات الساعات الأخيرة دفعت إلى القبول بالاتفاق". وأشارت المصادر إلى أن "براك لعب دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر"، وأن زيارة عبدي إلى دمشق باتت مسألة وقت.

ميدان يفرض إيقاعه
الاتفاق لم يأتِ من فراغ. فخلال الـ48 ساعة التي سبقت التوقيع، شهدت مناطق غرب الفرات تحولات ميدانية دراماتيكية، بعدما وسّعت القوات الحكومية انتشارها على حساب "قسد"، مستعيدة السيطرة على مدن ومواقع استراتيجية شكّلت لسنوات العمود الفقري للنفوذ الكردي شرق البلاد.

ففي ريف الرقة، بسط الجيش السوري سيطرته على مدينة الطبقة، وسد الفرات، وسد الحرية، وهي منشآت حيوية تمثل قلب منظومة الطاقة والمياه في سوريا. كما تمدد في محيط الرصافة، وسيطر على بلدات رطلة والحمام، وصولاً إلى ريف حلب الشرقي، حيث دخل دير حافر ومسكنة ومطار الجراح. وسيطر الجيش السوري أيضاً على حقلي صفيان والرصافة النفطيين.

أما في دير الزور، فقد شكّل التقدم السريع مفاجأة، إذ استعادت القوات الحكومية السيطرة على الشحيل وعدد من بلدات الضفة الشرقية، وتقدمت نحو أهم حقول النفط والغاز في البلاد، وعلى رأسها حقل العمر، أكبر حقل نفطي سوري، إضافة إلى حقلي التنك والجفرة وحقل كونيكو للغاز. وبذلك، استعادت الدولة السيطرة على ستة من أبرز الحقول الاستراتيجية التي كانت تشكل المورد المالي الأهم لـ"قسد".

وتشير معطيات ميدانية إلى أن هذا التقدم جرى بمعظمه من دون مواجهات واسعة، في ظل انسحاب تدريجي لقوات "قسد" من الضفة الغربية للفرات، وتراجعها شرقاً، بالتزامن مع تحركات لعشائر محلية سهّلت دخول الجيش إلى مناطق واسعة.

بنود ثقيلة ودلالات سياسية
الاتفاق لا يقتصر على الترتيبات العسكرية، بل يحمل أبعاداً سياسية عميقة. فهو ينص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن هياكل الدولة، ومنح تمثيل إداري للأكراد، والاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية، إلى جانب تعهّد بإعادة النازحين، ومعالجة ملفات الملكيات، وإخراج عناصر "حزب العمال الكردستاني" غير السوريين من البلاد.

كذلك، يشمل نقل إدارة ملف معتقلي "داعش" ومخيماتهم إلى الحكومة السورية، في خطوة طالما طالبت بها دمشق، وتعدّ تحولاً كبيراً في مقاربة هذا الملف الشائك.

وستضطر "قسد"، وفقاً للاتفاق، لتسليم السلاح الثقيل، والانخراط في المؤسسات العسكرية الرسمية، متنازلة عن أبرز مطلب لها خلال المفاوضات، وهو الانضمام ككتلة واحدة في الجيش السوري. كما أنّ طرح دمشق السابق بضمّ "قسد" عبر ثلاثة ألوية لم يجد له مكاناً في الاتفاق الجديد، الذي نصّ على دمج العناصر بشكل "فردي" ضمن الجيش وقوى الأمن.

وعليه، يبدو أن "قسد" قبلت باتفاق أكثر تشدداً من اتفاق آذار/مارس الذي لم يُنفَّذ، في ظل موازين قوى ميدانية فرضت عليها تنازلات أوسع.

واشنطن ترعى… ودمشق تستعيد المبادرة
من جهته، وصف براك الاتفاق بأنه "نقطة تحوّل مفصلية"، مشيراً إلى أن الطرفين اختارا الشراكة بدل المواجهة. وأكدت مصادر من "قسد" لـ"النهار" أن واشنطن لعبت دور الضامن، في محاولة لمنع انزلاق الوضع في سوريا إلى مواجهة واسعة، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر بين الجانبين.

في المقابل، ترى دمشق في الاتفاق تثبيتاً لسيادتها على واحدة من أغنى مناطق البلاد، وإعادة الإمساك بورقة الطاقة والحدود، بعد سنوات من فقدان السيطرة عليها.

مشهد جديد شمالاً
بالتوازي مع التفاهم السياسي، أعادت القوات الحكومية بسط نفوذها على شريط واسع يمتد من ريف حلب الشرقي مروراً بالرقة وصولاً إلى دير الزور، ما يعيد رسم خريطة النفوذ شمال شرق سوريا، ويضع نهاية فعلية لمرحلة الإدارة المنفصلة التي سادت منذ العام 2017.

وبينما لا تزال بعض التفاصيل التنفيذية رهن الاختبار، يبدو أن اتفاق دمشق – "قسد" يشكّل نقطة تحوّل كبرى في المشهد السوري، عنوانها انتقال الصراع من منطق المواجهة إلى منطق التسويات، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة في سوريا والمنطقة بأسرها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا