تفاهمات دمشق وقسد تحت الاختبار.. وأنقرة تحذر من "شراء الوقت"
نهاية مرحلة "الكيانات الموازية": دمشق وواشنطن ترسمان مصير "قسد"
في لحظة بدت فيها مناطق شمال شرق سوريا على شفا مواجهة عسكرية واسعة، إثر تعثر اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) مظلوم عبدي، واستمر لخمس ساعات، جاء إعلان الرئاسة السورية عن التوصل إلى تفاهم مبدئي ليقلب المشهد رأساً على عقب، ويفتح باباً جديداً على تسوية معقّدة ترعاها الولايات المتحدة، وتعيد رسم العلاقة بين الدولة السورية و"قسد" بعد أيام من المعارك والصدامات.
فبينما كانت المؤشرات الميدانية تتجه نحو تصعيد كبير، أعلنت الرئاسة السورية، في بيان رسمي، التوصل إلى اتفاق أولي مع "قسد" بشأن مستقبل محافظة الحسكة، يتضمن منح مهلة أربعة أيام للتشاور ووضع آلية تنفيذية لدمج المناطق والمؤسسات ضمن الدولة السورية.
وبحسب البيان، تم الاتفاق على عدم دخول القوات السورية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي في المرحلة الراهنة، والاكتفاء بالتمركز على أطرافهما، مع بحث جدول زمني لاحق للدمج الكامل، يشمل المدينة وريفها. كما نصّ الاتفاق على عدم دخول أي قوات عسكرية إلى القرى الكردية، على أن تتولى قوات أمن محلية من أبناء المنطقة حفظ الأمن فيها.
وشمل التفاهم كذلك بنوداً سياسية وأمنية لافتة، من بينها طرح عبدي مرشحاً لمنصب مساعد وزير الدفاع، وآخر لمنصب محافظ الحسكة، إضافة إلى أسماء لتمثيل المنطقة في مجلس الشعب، ودمج عناصر "قسد" ضمن وزارتي الدفاع والداخلية كأفراد، لا ككيان مستقل. كما جرى التأكيد على تنفيذ المرسوم رقم 13 المتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، في إطار وحدة الدولة السورية.
دمشق: لا مكان لـ"قسد" ككيان مستقل
مصادر في وزارة الإعلام السورية أكدت لـ"النهار" أن الاتفاق، في حال تنفيذه، يعني عملياً حل "قسد" بالكامل، وإنهاء وجودها كتنظيم عسكري مستقل، ودمج العناصر الأمنية والعسكرية ضمن هياكل الدولة كأفراد وليس كفرق عسكرية.
وأكدت المصادر الرسمية أن الدولة ماضية في بسط سيادتها على كامل الجغرافيا السورية، موضحة أن مؤسسات الدولة ستعود للإشراف المباشر على الحسكة والقامشلي، وأن السجون والمنشآت الحيوية ستوضع تحت سلطة دمشق.
وكانت مصادر سورية كشفت لوكالة الأنباء الألمانية أن الاجتماع الذي عقد بين الشرع وعبدي الاثنين فشل بسبب رفض الأخير تسليم إدارة الحسكة للدولة، وطلبه مهلة للتشاور مع قيادات "قسد" المرتبطة بـ"حزب العمال الكردستاني"، وهو ما قوبل برفض حاسم من الرئيس السوري، الذي أبلغه بضرورة اتخاذ قرار نهائي قبل نهاية اليوم، وإلا فإن الدولة ستتعامل مع الملف باعتباره منتهياً.
واشنطن تحسم موقفها
الموقف الأبرز جاء من واشنطن نفسها. فعقب إعلان الرئاسة السورية، نشر المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك تغريدة مطوّلة رسمت بوضوح الموقف الأميركي الجديد، مؤكداً أن "أعظم فرصة أمام الأكراد اليوم تكمن في الاندماج الكامل ضمن الدولة السورية".
وأوضح براك أن الوجود الأميركي في شمال شرق سوريا كان مرتبطاً حصراً بمحاربة تنظيم "داعش"، وأن هذا الدور انتهى عملياً بعد هزيمة التنظيم، وانضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي لمحاربته. وأضاف أن دمشق باتت اليوم شريكاً قادراً على تولي الملف الأمني، بما في ذلك إدارة السجون والمخيمات.
وأكد أن واشنطن رعت اتفاق 18 كانون الثاني/يناير، وتسعى لتطبيقه باعتباره إطاراً نهائياً لدمج "قسد" في الدولة السورية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تدعم أي مشاريع انفصالية أو فيدرالية، بل تسعى إلى وحدة سوريا واستقرارها.
واعتبر براك أن الاتفاق يفتح أمام الأكراد فرصة تاريخية للحصول على حقوقهم السياسية والثقافية ضمن الدولة السورية، بما في ذلك الاعتراف بالهوية واللغة والمشاركة في الحكم، محذراً من أن أي محاولة للانفصال قد تؤدي إلى الفوضى أو عودة تنظيم "داعش".
ترافق ذلك مع إعلان الرئاسة السورية أن الشرع بحث هاتفياً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب تطورات الوضع في سوريا، حيث شدد الجانبان على دعم وحدة الأراضي السورية، وضمان حقوق الأكراد، ومواصلة التعاون في مكافحة الإرهاب.
وأكد الجانبان أهمية منح سوريا فرصة حقيقية للاستقرار، ورفض أي مشاريع تقسيم أو فرض أمر واقع بالقوة.
"قسد" تلتزم بالاتفاق
في المقابل، بدا موقف "قسد" متردداً في البداية، إذ خرج عبدي بتصريحات قال فيها إن قواته اضطرت للانسحاب إلى مناطق الأكراد شمال وشرق سوريا لحمايتها، واصفاً الدفاع عنها بأنه "خط أحمر".
واتهم ما سماه "قوات الحكومة السورية الانتقالية" بشن هجمات على الحسكة وكوباني، وباستهداف مخيم الهول وسجن الشدادي، مشيراً إلى محاولات اقتحام واسعة شاركت فيها مدرعات ودبابات، قبل أن تضطر قواته إلى التراجع.
ودعا عبدي التحالف الدولي إلى التدخل لحماية مراكز احتجاز عناصر "داعش"، مطالباً دمشق بوقف الهجمات والعودة إلى طاولة الحوار.
وبعد نشر وكالة "هاوار" الكردية لتصريحات عبدي، خرجت "قسد" ببيان اتسم بالإيجابية، أعلنت فيه التزامها بوقف إطلاق النار الذي جرى التفاهم عليه مع الحكومة في دمشق.
وقالت: "نؤكد أننا لن نبادر إلى أي عمل عسكري ما لم تتعرض قواتنا لأي هجمات في المستقبل"، مؤكدة "انفتاحها" على "المسارات السياسية والحلول التفاوضية والحوار"، و"الاستعداد للمضي قدماً في تنفيذ اتفاقية 18 كانون الثاني بما يخدم التهدئة والاستقرار".
وهذا الموقف المتقدّم هو الأول منذ توقيع الاتفاق المذكور، وقد يُفسَّر التناقض بين الموقفين بأن تصريحات عبدي سَبقت التوصّل إلى الاتفاق، إلا أن نشرها جاء بعد الإعلان عنه.
مفترق طرق حاسم
ما يجري في شمال شرق سوريا اليوم يتجاوز كونه خلافاً سياسياً أو أمنياً، ليشكّل مفترق طرق تاريخياً. فإما أن تنجح عملية دمج "قسد" ضمن الدولة السورية بدعم أميركي مباشر، بما ينهي عقداً ونصف العام من الانقسام والفوضى، أو أن يؤدي التردد الكردي إلى تفجير مواجهة جديدة ستعيد خلط الأوراق في واحدة من أكثر مناطق سوريا حساسية.
المؤشرات الحالية توحي بأن واشنطن حسمت خيارها لصالح دمشق، وأن زمن الكيانات الموازية يقترب من نهايته. أما قرار اللحظة الأخيرة، فيبقى بيد قيادة "قسد": الاندماج بشروط الدولة… أو مواجهة عزلة سياسية وميدانية قد تكون كلفتها باهظة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|