وزير الطاقة: أرقام صادمة عن الكهرباء... والعوائق سياسية
داخل قطاع شهد عقوداً من الإخفاقات وهدر عشرات مليارات الدولارات، يخوض وزير الطاقة والمياه اللبناني جو الصدي معركة مختلفة النهج والأدوات. بعد عام على توليه الوزارة في أحد أصعب القطاعات الحيوية في لبنان وأكثرها تعقيداً، يقدم الصدي نموذجاً مختلفاً في إدارة قطاع الكهرباء، عماده وقف نزف المال العام، وتطبيق القانون، وبناء الأرضية المؤسساتية اللازمة لجذب الاستثمارات، ومحاربة الفساد عبر التشدد بتطبيق القوانين واللجوء إلى القضاء. التحديات ما زالت هائلة والطريق طويل والمواطن ما زال ينتظر تحسناً ملموساً في ساعات التغذية، لكن الوزير يراهن على الإصلاح الصامت والعمل المتواصل بدل الوعود الشعبوية، في محاولة جدية لإعادة الثقة إلى قطاع ظل لعقود رمزاً للفساد وسوء الإدارة وهدر المال العام في لبنان.
ضمن هذا الحوار يكشف الوزير عن فلسفة عمله، الإنجازات المحققة والتحديات المستمرة والخطوات العملية نحو حل أزمة الكهرباء المزمنة.
الإنجاز الأبرز: لا استدانة
يبدأ الوزير الصدي حديثه بما يعده "إنجازاً تاريخياً"، ربما لا يلمسه المواطن مباشرة في حياته اليومية، لكنه يشكل تحولاً جذرياً في إدارة القطاع ويقول إنه "للمرة الأولى منذ عشرات الأعوام الكهرباء التي تنتج لا تكلف الدولة شيئاً. لم نستخدم أية سلفات خزانة ولم نرتب أي دين جديد على الخزانة". هذا الإنجاز يكتسب أهميته الحقيقية عند وضعه في سياقه المالي الصادم، إذ بلغ حجم سلفات الخزانة لقطاع الكهرباء 26 مليار دولار، سُددت من أموال المودعين، إضافة إلى دين لدولة العراق بقيمة مليار و200 مليون دولار وكلفة استئجار البواخر المنتجة للطاقة الكهربائية لمدة ثمانية أعوام.
يشدد الصدي على أن "وقف هذا النزف يعني أنه وُقِّف الدين الذي كان يتحمل عبئه المواطن اللبناني"، ويضيف أنه "في النتيجة، عندما نقول إن الدولة استدانت، هذا يعني نحن، أي الشعب اللبناني. وهذا ما أوقفناه نهائياً".
أما التغيير الأساس الثاني الذي يتوقف عنده فهو تطبيق قانون الكهرباء المقر منذ 23 عاماً لكنه لم ينفذ يوماً. أهمية هذا التطبيق لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد إلى استعادة ثقة المستثمرين في قطاع ظل لعقود رمزاً للفوضى وانعدام الشفافية. وقال إن "المستثمر لم يكن يدرك على أي أسس يُدار هذا القطاع، ولماذا لا يطبق القانون وكيف كانت تتم مناقصات لإنشاء معامل من دون أن تصل إلى نتيجة. أما اليوم، فبات المستثمرون الذين نتواصل معهم على علم بما نقوم به من إجراءات، وكل شيء واضح أمامهم، وإلى أين نريد أن نصل بهذا القطاع". ويعد الوزير هذه الخطوة أساساً في طريق إنشاء الدولة معامل جديدة لإنتاج الكهرباء ستديرها شركات من القطاع الخاص، ضمن رؤية تقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص بدل الاعتماد الكلي على موارد الدولة المنهكة.
فلسفة الإصلاح: العمل بصمت بعيداً من الشعبوية
يؤكد الوزير الصدي أنه يعمل لتحضير الأرضية المؤسساتية والإصلاحية لتأمين الكهرباء وزيادة الإنتاج بصورة دائمة، رافضاً استخدام اللغة الاتهامية ضد من سبقوه، ويحرص على عدم الدخول ضمن معارك سياسية جانبية. وعندما نسأله عن مسؤولية الـ26 مليار دولار التي أُنفقت على قطاع الكهرباء قبل تسلمه الوزارة، يجيب بموضوعية أن "الوزير كان يمكن أن يرفض ما يحصل إذا كان غير مقتنع. صحيح أن الأموال صُرفت بقرار من مجلس الوزراء ومجلس النواب، لكن في نهاية المطاف كان يمكن للوزير المعني أن يرفض ويعترض ويستقيل إذا لزم الأمر حرصاً على المال العام عوض أن يطالب بسلفات". ويضيف بحزم "هذا قرار اتخذته منذ تولي وزارة الطاقة، إذ رفضت أن تستمر مؤسسة كهرباء لبنان بالاستدانة من الدولة، أي من جيوب الناس".
حتى حين نسأله عن حملات الانتقادات التي تطاله، خصوصاً من "التيار الوطني الحر" الذي استلم عبر ممثلين عنه وزارة الطاقة لأكثر من 15 عاماً يرد بابتسامة "أية حملات؟"، مضيفاً "كل تركيزي الآن على العمل الجدي ولا أعير هذه الانتقادات أي انتباه، لكنني بين الحين والآخر أحب أن أذكرهم ببعض الأرقام حتى لا ينسوا الماضي القريب وما ارتكبوه بحق القطاع". وعندما نسأله مباشرة إن كان يعد أنه فشل في وزارة الطاقة، يجيب بصراحة نادرة "لا أعتبر أنني فشلت، لكنني لا أعتبر أيضاً أنني نجحت في تحقيق الهدف الذي أصبو إليه، وهو تحقيق كل الأرضية التي ستسمح بجذب المستثمرين إلى قطاع الكهرباء، وهذا ما أعمل عليه وسأستمر".
لماذا لا يزال لبنان بعيداً من الكهرباء 24/24؟
ينفي الوزير الصدي أن يكون وعد بمدة زمنية محددة لتحقيق مطلب الكهرباء 24/24، ويشرح بوضوح التحديات الفعلية التي تحول دون تحقيق هذا الهدف، "هذا الأمر يتعلق بقدرة الحكومة على جذب المستثمرين، فزيادة الإنتاج وساعات الكهرباء تتطلب إنشاء معملين جديدين بكلفة تقدر بملياري دولار، وهذا المبلغ لا تملكه الدولة اللبنانية".
الأرقام التي يسردها الوزير صادمة وتكشف عمق الأزمة الهيكلية، إذ إن "الطاقة الإنتاجية لدى مؤسسة كهرباء لبنان تلبي ثلث الطلب المحلي. المعامل الحالية تنتج ألف ميغاوات فيما لبنان يحتاج إلى 3 آلاف ميغاوات. بالتالي، وفقاً للقدرات الإنتاجية الحالية، لا يمكن تأمين أكثر من 8 إلى 10 ساعات تغذية، هذا إذا كانت الجباية كاملة وإذا كانت المعامل تعمل من دون أي عطل تقني". ويضيف بعداً آخر للأزمة "المعامل الحالية عمرها أكثر من 30 عاماً، أما نسبة الجباية فتصل إلى 60 في المئة، بينما نسبة السرقة 30 في المئة و10 في المئة هدراً تقنياً، مما يعني أن قطاع الكهرباء يعمل بـ60 في المئة جباية ومنها يدفع مصاريفه".
ويشدد الصدي على أن وزارة الطاقة، بصفتها الوزارة الوصية، تمارس ضغطاً على "مؤسسة كهرباء لبنان" لرفع التعديات عن الشبكة، وأنه تواصل مع قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي لأن رفع التعديات لا يمكن أن يتم من دون مؤازرة أمنية، وجرى التواصل مع القضاء لاتخاذ إجراءات بحق كبار المتعدين على الشبكة "وهم معروفون ومؤسسة كهرباء لبنان قادرة على تحديدهم. نأمل في أن يباشر القضاء عمله ومعاقبة المخالفين لأن هذه الارتكابات هي سرقة للمال العام".
من الفيول إلى الغاز
أمام هذا الواقع المعقد، يحدد وزير الطاقة استراتيجية واضحة تقوم على مسارين متوازيين ومترابطين، المسار الأول هو العمل على وضع الأرضية المؤسساتية والإصلاحية لجذب القطاع الخاص لبناء معامل جديدة باستثمارات تقدر بملياري دولار، إذ ستترك المعامل الجديدة للقطاع الخاص لإدارتها وإنشائها، فيما تقتصر مشاركة الدولة على تقديم الأرض. وتَواصل الوزير، لأجل هذا الهدف، مع القطاع الخاص والدول الصديقة للبنان ومع "البنك الدولي" و"مؤسسة التمويل الدولية" اللذين يواكبان هذه العملية لوضع دفتر الشروط.
والمسار الثاني، الأكثر إلحاحاً، هو مشروع نقل القطاع من الاعتماد على الفيول إلى الغاز كونه أقل كلفة. ويشرح الوزير "عندما تبدأ مؤسسة كهرباء لبنان شراء الغاز بدل الفيول ستوفر أموالاً طائلة، مما قد يساعد على تأمين ساعات تغذية أكثر بالتيار الكهربائي بانتظار أن تكون المعامل الجديدة جُهزت".
يعمل الصدي على تحقيق هذا الهدف عبر مسارين عمليين، الأول من خلال تفعيل خط الأنابيب العربي الممتد من الأردن وسوريا، إذ حصل اجتماع مع المسؤولين في القاهرة وعمان ودمشق، وأوفد الأردن شركة كشفت عن القسم الواقع في الأراضي اللبنانية من الأنابيب، وبات التصور واضحاً حول كلفة إعادة التشغيل والمدة الزمنية لتحقيق ذلك، وقد لا يحتاج إعادة تشغيل القسم اللبناني إلى أكثر من أشهر قليلة، لكن الوضع في سوريا ما زال غير واضح، مع التأكيد أن كل الاتفاقات مع النظام السوري السابق سقطت ويُعمل على وضع اتفاقات جديدة.
المسار الثاني لاستجرار الغاز هو استقدام باخرة تغويز (FSRU) تستطيع استقطاب شحنات الغاز الطبيعي المسال وتحويلها إلى حالتها الغازية في عرض البحر دون الحاجة إلى بنية تحتية أرضية ضخمة، مما يوفر مرونة كبيرة في تأمين الطاقة وبخاصة في فترات الطلب المرتفع.
وبالتوازي مع هذه المسارات، يشدد الصدي على أهمية خيار الطاقة المتجددة بسبب الكلفة الأقل وتوافر الشمس في لبنان، إذ لا حاجة إلى شراء الفيول وإخراج العملة الصعبة من البلد. وأعاد في هذا الإطار تحريك ملف التراخيص الـ11 الخاصة بالطاقة الشمسية التي منحت عام 2022 لكنها بقيت حبراً على ورق، وأُعيد حتى الآن تفعيل أربعة تراخيص بقدرة 60 ميغاوات، فيما يُعمل على الخمسة الباقية بينما رخصتان في الجنوب يستحيل العمل بهما بسبب الظروف، إضافة إلى مشروع طاقة شمسية بقيمة 150 ميغاوات من خلال قرض البنك الدولي.
البعد السياسي للأزمة: هل المشكلة تقنية أم سياسية؟
عندما نسأل الوزير عما إذا كانت أزمة الكهرباء تقنية بحتة أم سياسية إدارية؟ يجيب بصراحة "يفترض أن تكون الأزمة تقنية، بحيث تكون مرتبطة بتوفير المعامل وتحسين الشبكة الذي يحتاج إلى نصف مليار دولار، ويُتواصل مع الصندوق العربي لبحث كيفية التعاون في هذه المسألة، لكن هناك بالطبع عائقاً سياسياً لأن المستثمر يشترط الاستقرار الأمني والمالي والسياسي".
يؤكد الصدي رداً على عائق السلاح غير الشرعي أن "المستثمرين لا يريدون حالة الحرب ويشددون على وجود استقرار مالي مرفق بإقرار الإصلاحات وتنفيذها، وهو ما نعمل عليه حالياً مع وزارة المال والبنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية لوضع الضمانات اللازمة".
من التدقيق الجنائي إلى القضاء
عن تقييمه لقطاع الكهرباء المرتبط بالفساد، يقول الوزير صراحةً "كنت أسمع سابقاً أن قطاع الكهرباء لا أحد يثق فيه، وهذا الانطباع نحاول أن نغيره شيئاً فشيئاً، لكن صيت هذا القطاع غير مشجع. للأسف، كان هناك سوء إدارة وإلا لما كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه في قطاع الكهرباء، ولما كان هناك 7500 مولد خاص لإنتاج الطاقة الكهربائية منتشرة في كل الأراضي اللبنانية". وتنفيذاً لما التزمت به الحكومة ضمن البيان الوزاري، قرر الوزير تحويل كل الملفات المتعلقة بالكهرباء إلى التدقيق الجنائي. أما السبب في التأخر عاماً قبل اتخاذ هذه الخطوة، كما يشرح الصدي، فهو أن الأولوية كانت في البداية تطبيق القانون ووضع الأمور في مسارها الصحيح. ويؤكد أنه حول عدداً كبيراً من الإخبارات إلى القضاء المتخصص يتعلق بعضها ببواخر الفيول التي وصلت إلى لبنان غير المطابقة للمواصفات لعامي 2023 و2024، ويتابع "أراهن على القضاء ولا أتدخل في عمله، لكنني أناشده لمحاسبة كل فاسد أياً كان، في أسرع وقت ممكن".
الإصلاح المؤسساتي بدأ من الهيئة الناظمة
يشدد الوزير على أهمية قرار إنشاء "الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء" لجهة إبعاد قطاع الكهرباء من السياسة بعدما تأثر سلباً من التدخلات السياسية، مضيفاً أن "الهيئة الناظمة هي اليوم جهة شبه مستقلة عن الوزارة يمكنها اتخاذ القرارات التقنية والمتعلقة بالمعامل والمناقصات". ويدافع ضد الاتهامات بعدم جديتها، مشيراً إلى أن أعضاءها بدأوا بعقد اجتماعات دورية فور تعيينهم، وأصدروا النظامين المالي والإداري كما يتطلب القانون، "وهم يقومون بواجبهم على رغم عدم تلقيهم للأسف حتى الآن رواتب، ولم يحدد لهم مكتب أو مركز بانتظار إقرار موازنة 2026".
ويكشف الوزير أن الهيئة الناظمة تعمل حالياً مع البنك الدولي على مستقبل قطاع التوزيع، خصوصاً أن تجربة مقدمي الخدمات لم تكن ناجحة، وتعمل على إعادة النظر بحاجات لبنان لناحية الإنتاج والتوزيع عبر دراسة مقدمة من شركة كهرباء فرنسا، وعلى نظام التعريفة وتطويره. ومن الخطوات التحسينية الأخرى، قرار فتح باب الترشح لاختيار أعضاء مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان غير المتفرغين، وفق آلية تعتمد على الكفاءة واختيار الشخص المناسب في المكان المناسب.
رسالة إلى فاقدي الأمل
في الختام، وجه وزير الطاقة رسالة إلى مواطنيه الذين فقدوا الثقة بوعود إصلاح قطاع الكهرباء، فقال "أقول للبنانيين، لديكم كل الحق ربما في فقدان الأمل بهذا القطاع، لكن تذكروا أنه صُرف عليه 26 مليار كان يمكن أن تبني 25 معملاً جديداً. لن أعدكم بتواريخ جديدة بانتظار ضمان مشاركة القطاع الخاص واستعداد الدول الصديقة للاستثمار، لأن زمن الهدايا المجانية انتهى، والمطلوب ضمانات مالية وسياسية وأمنية، لكنني أؤكد لكم السعي المستمر لإعادة بناء الثقة بقطاع الكهرباء".
أما ما يجعله متفائلاً بأن هذه المرحلة مختلفة فهو "التضامن الواضح في العمل الحكومي على عكس ما كان سائداً خلال الحكومات السابقة، في الأقل ضمن المواضيع الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى التفهم الذي أشعر به لدى المستثمرين والجهات المانحة والدول الصديقة للجهود الإصلاحية التي تقوم بها الوزارة". ويختم "بات هناك ثقة بهذا العهد، وبهذه الحكومة".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|