الكنز الأبيض في خطر؟! ... فقدان الثلج ضياع هوية بصرية وبيئية
بعد سنوات الجفاف التي ضربت البلاد جاء هذا الموسم واعدا بالأمطار والثلوج إذ لم يمض أسبوع دون أن تطرق العواصف باب البلاد محملة بفيض من الأمطار وغطاء من الثلوج، فمع كل عاصفة تحمل الثلوج، يتجدد الأمل فالثلج في لبنان لم يكن يوما مجرد منظر موسمي أو فرحة عابرة بل كان كنز لبنان الأبيض الذي شكل عبر التاريخ ركيزة أساسية للأمن المائي وعمودا من أعمدة هويته البيئية والجغرافية.
لكن هذا الكنز الأبيض يواجه اليوم تهديدات جدية بفعل ممارسات عشوائية وغياب التنظيم وضعف الرقابة، ما يضع مستقبل الثلوج والمياه والبيئة بل وهوية لبنان الطبيعية على المحك.
ويعد لبنان تاسع أكثر دولة جبلية في العالم إذ يعتبر أكثر من 81.1% من مساحته أراضي جبلية أما المناطق التي ترتفع عن 1900 متر فوق سطح البحر فتشكل وحدها نحو 10% من مساحة البلاد.
في هذا الإطار أكد رئيس "جمعية الأرض – لبنان" والناشط البيئي بول أبي راشد لـ"الديار" أن "الثلج ذهب لبنان الأبيض بامتياز"، معتبرا أنه "ليس مجرد مشهد طبيعي جميل أو مساحة للترفيه الشتوي بل مورد استراتيجي وحيوي للبنان فالثلج يشكل الخزان الأساسي للمياه العذبة وعنصرا جوهريا في التوازن البيئي إضافة إلى كونه ركيزة أساسية للسياحة الشتوية" وحذر من أن ما يتعرض له اليوم من ممارسات عشوائية ولا سيما هرسه بالمركبات والخروج عن المسارات الطبيعية يمثل تدميرا بطيئا لمورد يحتاج إلى سنوات طويلة ليعوض ما ينعكس مباشرة على الأمن المائي والبيئي في البلاد".
وتشير دراسات علمية عديدة إلى أن الثلوج مسؤولة عن 50 إلى 75% من تغذية المياه الجوفية في لبنان، ما يفسر غناه المائي النسبي والمتجلي بوجود ما بين 2000 و5000 نبع طبيعي معروف إضافة إلى 17 نهرا دائم الجريان.
ويشرح أبي راشد أن "أهمية الثلج لا تختزل بوظيفته المائية فقط بل تمتد إلى أبعاد بيئية وسياحية وجمالية متداخلة فمن الناحية البيئية يؤمن الثلج التغذية التدريجية للمياه الجوفية والينابيع، ومن الناحية السياحية يشكل العمود الفقري للسياحة الشتوية والأنشطة المرتبطة بها، أما جماليا فهو جزء من صورة لبنان وهويته الطبيعية التي لطالما ميزته". ويؤكد أن "فقدان الثلج لا يعني خسارة موسم سياحي فحسب، بل ضياع هوية بصرية وبيئية تراكمت عبر التاريخ".
ويوضح أبي راشد أن "ممارسة الأنشطة الشتوية باستخدام المركبات الآلية كسيارات الدفع الرباعي والدراجات الثلجية في المناطق الجبلية من دون تنظيم أو رقابة تخلف آثارا بيئية جسيمة فمرور هذه المركبات يؤدي إلى كبس الثلوج وتغيير بنيتها الطبيعية، ما يضعف قدرتها على العزل الحراري ويسرع ذوبانها نتيجة ترك آثار دكناء وموحلة تمتص حرارة الشمس، فضلا عن تلويث الثلج والمياه الناتجة من ذوبانه بانبعاثات العادم والزيوت المتسربة".
ويضيف أن "هذه الممارسات تلحق أضرارا مباشرة بالتربة والغطاء النباتي من خلال اقتلاع الشجيرات والشتول البرية كما تضعف تغذية المياه الجوفية عبر زيادة الجريان السطحي على حساب تسرب المياه إلى باطن الأرض وتربك الحياة البرية وتهدد موائل الحيوانات الصغيرة بفعل الضجيج وكبس الثلوج".
ويؤكد ابي راشد أن" هذا الضرر وإن بدا محدودا جغرافيا، إلا أنه تراكمي وخطِر على النظم البيئية الجبلية والأمن المائي"، مشيرا إلى أن "الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية الصادرة بموجب المرسوم رقم 2366/2009، تنص صراحة على منع جميع أشكال رياضات المركبات على القمم التي يزيد ارتفاعها على 1900 متر لما تسببه من تدمير للغطاء النباتي البري ومخاطر جدية على تلوث المياه الجوفية".
ويضيف ابي راشد أن "الضجيج الصادر عن المحركات في هذه المناطق يعد بحد ذاته اعتداء بيئيا إذ يحول القمم الجبلية التي يفترض أن تكون مساحات طبيعية للهدوء والسكون إلى فضاءات صاخبة، ما يخل بتوازنها البيئي ويؤثر سلبا في الحياة البرية وتجربة الزائرين".
وفي ما يتعلّق بآليات الحماية، يشدد أبي راشد على أن "العمل يقوم على ثلاثة مسارات متكاملة:
- تغيير السلوك الفردي عبر التوعية
- الضغط الإيجابي على الدولة لتطبيق القوانين القائمة
- الدفع نحو تشريعات أوضح وأكثر قابلية للتنفيذ.
ويؤكد أن "أي مقاربة أحادية تبقى قاصرة، إذ لا يمكن تحقيق حماية فعلية من دون هذا التكامل بين الوعي الشعبي والإرادة السياسية والإطار القانوني".
وفي هذا السياق أشار ابي راشد إلى أن الجمعية أطلقت حملة "حماية ثلج لبنان" ليس كرد فعل عاطفي أو ظرفي بل نتيجة رصد ميداني متكرر لانتهاكات خطرة تتراوح بين مرور السيارات فوق الثلوج إلى تخريب مناطق حساسة وصولا إلى تطبيع هذه السلوكيات عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، ولفت إلى أن هدف الحملة كان إعادة النقاش إلى إطار العلم والقانون، والتأكيد على أن الثلج مورد مائي يجب حمايته لا استباحته.
يشار إلى أن الثامن عشر من الشهر الجاري يصادف اليوم العالمي للثلج.
وأضاف أن الحملة حققت نتائج ملموسة، سواء على مستوى رفع الوعي العام أو من خلال دفع الجهات الرسمية إلى إصدار قرارات تنظيمية لحماية هذا المورد الحيوي. وفي هذا الإطار أصدرت وزارة الداخلية والبلديات والجهات الرسمية قرارات صارمة تمنع جميع أشكال القيادة بالسيارات والدراجات الآلية خارج الطرق المعبدة، ولا سيما في المناطق الثلجية والمرتفعات التي تضم غطاء نباتيا حساسا ومصادر مياه جوفية.
وقد باشرت البلديات تطبيق هذه القرارات بالتعاون مع القوى الأمنية وشملت التدابير بلدية حدث الجبة وبلدية بشري وبلديات اتحادات زحلة والبقاع الغربي وراشيا في محافظة البقاع إضافة إلى جميع البلديات واتحاداتها في محافظتي الشمال وعكار، كما كلفت هذه البلديات بالتنسيق مع قوى الأمن الداخلي والدفاع المدني، بتطبيق المنع وملاحقة المخالفين وفق الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية (المرسوم 2366/2009) والقوانين المرعية، فحماية الثلج ليست مجرد إجراء قانوني بل واجب وطني للحفاظ على المياه والهوية البيئية للبنان وضمان استدامة السياحة الشتوية والتوازن الطبيعي للجبال البيضاء.
ويشير أبي راشد إلى أن "اقتراح قانون حماية قمم جبال لبنان الذي جرى التقدم به منذ فترة لا يزال حتى اليوم حبيس الأدراج في المجلس النيابي من دون أي نقاش أو دراسة في وقت تتسارع فيه وتيرة التعديات على القمم الجبلية والثلوج".
ويتوقف ابي راشد عند دور البلديات ومنتجعات التزلج والزوار على حد سواء، معتبرا أن حماية الثلوج مسؤولية مشتركة، فالبلديات بحسب قوله تملك صلاحيات وأدوات قانونية مباشرة لضبط المخالفات ضمن نطاقها فيما تستطيع منتجعات التزلج أن تشكل نموذجا للاستدامة والتنظيم رغم ما قد ينشأ أحيانا من تضارب بين منطق الربح السريع ومتطلبات حماية البيئة، مؤكدا أن "التجارب العالمية أثبتت أن اعتماد معايير الاستدامة يحمي الاقتصاد والسياحة على المدى الطويل بدل أن يضرهما".
وعلى مستوى سلوك الزوار يحذر أبي راشد من الآثار المباشرة والخطرة للسيارات والنفايات والتخييم العشوائي خصوصا في المناطق الحساسة، مشددا على أن رفع الوعي لا يتحقق عبر الأوامر أو التخوين، بل من خلال شرح الأسباب واحترام الناس وربط حماية الثلج بحقهم الطبيعي في المياه مستقبلًا.
وختم أبي راشد "إن استمرار الاستنزاف على الوتيرة الحالية سيؤدي خلال 10 أو 20 عاما إلى مواسم ثلج أقصر وينابيع أضعف واعتماد متزايد على شراء المياه وخسائر سياحية وبيئية جسيمة"، لكنه يؤكد في المقابل أن "الفرصة لا تزال قائمة للإنقاذ إذا التزم لبنان بتطبيق القوانين ونظم استخدام المناطق الثلجية وحمى القمم الجبلية الآن"، مشددا على أن حماية الثلج ليست ضد الناس ولا ضد الفرح، بل دفاع صريح عن مياه لبنان وهويته ومستقبله.
ربى أبو فاضل - "الديار"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|