المنطقة الرمادية رهينة حرب لم تبدأ بعد لكنها لم تنته أيضاً... خسائر حال الترقب أكثر من كلفة الحرب نفسها
بين حرب لا تبدأ، وسلام لا يكتمل يقف اللبنانيون ومعهم شعوب المنطقة الجالسة على حافة إدارة الحرب رهينة انتظار مشبع بالقلق والترقب والاستنزاف. والمفارقة الأخطر أن أكثر اللحظات خطورة ليست لحظة إعلان الحرب، بل تلك التي يعتقد فيها جميع الأطراف أنهم ما زالوا يسيطرون على مجريات اللعبة.
حتى اللحظة، لا توجد ساعة صفر واحدة أو قرار حاسم بالحرب، بقدر ما توجد حالة شدٍّ وجذب مزمنة، تُدار فيها المواجهة عبر أدوات غير مباشرة، وتوازنات دقيقة، وحسابات معقّدة تجعل خيار الحرب الشاملة مكلفًا على جميع الأطراف.
مصادر مطلعة على مجريات تطور الأحداث تؤكد لـ"المركزية" أن " "إيران اليوم ليست دولة بلا أوراق. فهي تمتلك قدرات صاروخية، وشبكة حلفاء إقليميين، وأدوات ضغط تجعل أي ضربة عسكرية مغامرة غير مضمونة النتائج. وهذا الواقع فرض معادلة ردع متبادل، ساهمت حتى الآن في الحدّ من الانزلاق نحو مواجهة شاملة. وبدل الحرب المباشرة، نشهد على نمط آخر من الصراع: ضربات محدودة، عمليات استخباراتية، هجمات سيبرانية، ورسائل عسكرية محسوبة بعناية. وهذا "اللعب تحت عتبة الحرب" يسمح للأطراف بتسجيل نقاط دون تحمّل تبعات الانفجار الكبير. ولهذا، فإن كلفة الحرب لا تهدد إيران وحدها، بل تضرب استقرار النظام الدولي برمّته، بما في ذلك القوى التي قد تفكر في إشعالها".
ليس خافياً أن صانعي القرار في واشنطن وتل أبيب وطهران هم أسرى حسابات داخلية وتوازنات خارجية، والسؤال الذي يُطرح إلى متى؟
بينما ينتظر العالم ساعة الصفر لحرب محتملة مع إيران، يدفع الاقتصاد في "المنطقة الساخنة" كلفة اقتصادية وسياحية متراكمة لحرب مؤجلة، لكنها حاضرة في الحسابات والقرارات. ومن أبرز انعكساتها تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إذ يتردد المستثمرون في ضخ أموالهم في بيئات غير مستقرة سياسيًا وأمنيًا عدا عن ارتفاع كلفة التأمين والنقل والشحن، خصوصا في المناطق القريبة من الممرات البحرية الحساسة.
كذلك يشهد اقتصاد الدول الواقعة في المنطقة الرمادية تقلبات في العملات المحلية، نتيجة هروب رؤوس الأموال أو زيادة الطلب على العملات الصعبة، واستنزاف الموارد العامة، حيث تُجبر الحكومات على زيادة الإنفاق الدفاعي والأمني على حساب التنمية والخدمات.
بدوره يبدو القطاع السياحي في المنطقة الساخنة الأكثر تفاعلا تجاه التوترات السياسية. ومجرد وجود تهديدات متبادلة أو تصعيد إعلامي أو تحذيرات سفر دولية فهذا كفيل بإلغاء حجوزات جماعية، تقليص مدة الإقامة والإنفاق السياحي. والأخطر من الخسائر المباشرة تلك التي لا تظهر في الأرقام ومن أبرزها الفرص الضائعة.
فالمشاريع الكبرى تُؤجَّل، والشراكات الدولية تُجمَّد، ويتم حفظ المبادرات الإقليمية في الأدراج، في انتظارانقشاع ضباب سياسي لا ينقشع. على أن هذا الإنكماش في القطاع السياحي لا يقتصر على حركة الزوار، بل يمتد إلى الوظائف المدعومة بالقطاع، إذ تشير التقديرات إلى خسارة مئات الآلاف من الوظائف في السياحة والخدمات المرتبطة بها في دول مثل سوريا والعراق ولبنان.
وبحسب إحصاءات صادرة عن البنك الدولي فقد انخفض إجمالي التدفقات السياحية في دول الشرق الأوسط المتأثرة بالتوترات بشكل حاد . وتوقع خبراء أن تراوح الخسائر بين 20و30 مليار دولار سنويا من عائدات السياحة في المنطقة في حال استمرت حال اللا حرب واللا سلم. كما تجاوزت قيمة الخسائر الإقتصادية في المناطق الواقعة على صفيح المنطقة الرمادية ،ولبنان من ضمنها، خسائر اقتصادية تجاوزت قيمتها 800 مليار دولار بحسب بيانات صندوق النقد الدولي. وتُعد هذه الأرقام أقل من المعدلات المطلوبة لتوفير فرص عمل كافية، ما يزيد من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية على الحكومات.
بين لا حرب تندلع ولا سلام يثبت جذوره يبقى العالم عالقا في هذه المنطقة الرمادية إلى أن يتحقق واحد من ثلاثة سيناريوهات:
إما خطأ كبير أو حادث يخرج عن السيطرة أوتغيير جذري في موازين القوى، أو صفقة كبرى تعيد ضبط الصراع بدل تفجيره، بمعنى أوضح مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران لكنها لن تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية. وحتى ذلك الحين، يبقى العنوان الأبرز المرفوع على هامة الكرة الأرضية "لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي".
وما بين اللا حرب واللا سلام يتضح أن كلفة الترقب لا تقل خطورة عن كلفة الحرب نفسها. فغياب الانفجار لا يعني غياب الخسائر، بل يعني توزيعها ببطء وعلى مدى أطول.
وإلى أن يُكسر هذا الجمود، سواء بتسوية سياسية شاملة أو بتغيير حقيقي في قواعد الصراع، يبقى اقتصاد المنطقة وسياحتها رهينة حرب لم تبدأ بعد، لكنها لم تنته أيضًا.
جوانا فرحات - المركزية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|