محليات

جنوب لبنان يحترق.. هل يملك القانون الدولي أسناناً؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

الدخان الأسود كان يُغطي سماء الجنوب لأسابيع. الأرض التي كانت تُزهِر خضرة وخصباً تحولت إلى رُكام أسود. لا حديث هنا عن أهداف عسكرية، بل عن بساتين الزيتون والحقول الزراعية والغابات التي التهمتها النيران. السؤال الذي يُطرَح بإلحاح: أين القانون الدولي عندما تُحترق الأرض والشجر ويُباد نظام بيئي بأكمله؟

وفقاً لمصدر قضائي, قال إن الدمار البيئي في الجنوب يفوق أي تصور. البيانات الرسمية، التي اطّلعت عليها مختلف الجهات، تُظهر أن ما يُقارب 40% من المساحات الخضراء في مناطق الجنوب الحدودية قد أُتلفت كلياً، مشيرا إلى أنّ التقارير تحتوي على أدلة "دامغة" تربط الحرائق بعمليات عسكرية إسرائيلية مُتعمّدة تستخدم تقنيات مُحرقة.
 
المشهد المُروّع في الجنوب يُجسّد الفجوة الخطيرة بين النظري والعملي في القانون الدولي. بروتوكول جنيف الأول (المادة 55) يَنص بوضوح على أن "تدمير البيئة الطبيعية... محظور". اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر تُلزم الدول بحماية الأراضي. القرارات الأممية المتعددة تُجرم استخدام التدمير البيئي كأسلوب حرب. كل هذه النصوص تتحول إلى حبر على ورق عندما تُواجه بإرادة سياسية ترفض التنفيذ. ويبقى السؤال الجوهري ليس عن وجود القوانين، بل عن آليات إنفاذها. المحكمة الجنائية الدولية، على سبيل المثال، يمكنها النظر في تدمير البيئة كجريمة حرب، لكن العوائق السياسية وشروط الاختصاص القضائي تُحيل التحقيق إلى متاهة قد تمتد لسنوات. في غضون ذلك، تستمر الأرض في الاحتراق.

حالة جنوب لبنان تكشف عن ثغرة قاتلة: القانون موجود، لكن الإفلات من العقاب هو القاعدة السائدة. فالاستجابة الدولية للكارثة البيئية في الجنوب تكاد تكون غير موجودة. وفي الوقت الذي تُستنفر فيه الوسائل الدبلوماسية لأزمات أخرى، تمر قضية تدمير النظام البيئي ببرود لافت، وهذا الصمت يُرسل رسالة خطيرة مفادها أنّ تدمير البيئة هو "تكلفة مقبولة" في الصراعات، وهو أمر مُجاز طالما أن الضحايا هم أشجار وأرض وحيوانات، وليس فقط بشر. الدولة اللبنانية هنا، تجد نفسها في موقف بالغ التعقيد. فمن ناحية، هي مُلزمة بحماية سيادتها وبيئتها، ومن ناحية أخرى، قدراتها محدودة في مواجهة آلة حربية متفوقة، والجهد الدبلوماسي، رغم كثافته، يصطدم بحائط الصمت الدولي. السجلات القضائية مُتخمة بالتقارير، ولكن من سيُترجم هذه الوثائق إلى قرارات مُلزمة؟

حماية البيئة زمن الحروب.. ماذا يقول القانون الدولي؟
حماية البيئة في النزاعات المسلحة ليست بنداً ثانوياً في القانون الدولي الإنساني، بل تدخل ضمن قواعد القتال نفسها. البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف يفرض واجب حماية البيئة الطبيعية من الضرر "الواسع الانتشار وطويل الأمد والشديد"، ويحظر استخدام وسائل أو أساليب قتال يُتوقع أن تُحدث هذا النوع من الأذى، كما يمنع التعامل مع البيئة كهدف للانتقام. وفي القانون العرفي، تُطبق على البيئة قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات، بما يعني أن أي ضرر بيئي "عرضي" يجب ألا يكون مفرطاً مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة المتوقعة. وعلى مستوى المسؤولية الجنائية، ينص نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية على إمكان اعتبار الهجوم جريمة حرب إذا نُفّذ مع العلم بأنه سيسبب ضرراً بيئياً بهذه المواصفات وبشكل مفرط بوضوح. وإلى جانب ذلك، توجد اتفاقية دولية منفصلة تحظر استخدام تقنيات التعديل البيئي كوسيلة عدائية عندما تكون آثارها واسعة أو طويلة الأمد أو شديدة. وأخيراً، طوّرت لجنة القانون الدولي مبادئ مخصصة لحماية البيئة المرتبطة بالنزاعات تشمل أيضاً ما بعد الحرب، مثل التعامل مع المخلّفات والمواد الخطرة التي قد تُبقي الضرر البيئي قائماً.
 
الأرقام التي يجمعها الخبراء المحليون والدوليون ترسم خطورة هذه المرحلة تحديدا. الدمار لا يقتصر على المحاصيل الموسمية، بل يصل إلى تسمم التربة لفترات طويلة، وانقراض أنواع نباتية محلية، واختلال النظم البيئية التي تحتاج عقوداً لتعود. الحرب تنتهي، لكن أثرها البيئي يبقى جيلاً كاملاً، والقانون الدولي، بتركيزه على الخسائر البشرية والمادية المباشرة، يتعامل مع الكارثة البيئية كـ"ضرر جانبي" وليس كجريمة قائمة بذاتها.

في هذا السياق، يؤكد المصدر القضائي أنّ الأرقام المتداولة في تقارير دولية تمنح نقطة انطلاق واضحة لبناء ملف قانوني. التقديرات تشير إلى تضرر أو تدمير نحو 2193 هكتاراً، بينها 1917 هكتاراً من الغابات و275هكتاراً من الأراضي الزراعية، مع خسائر مباشرة في الزيتون والحمضيات والموز وأشجار مثمرة أخرى. وفي موازاة المساحات المحروقة، تتحدث التقديرات أيضاً عن تعطّل الانتفاع بأكثر من 12 هكتارا في الجنوب والنبطية بسبب الحرب، ما يعني خسارة إنتاج قبل أن تكون خسارة تربة.
 
ويشدد المصدر في هذا السياق على أن المشكلة ليست في غياب النصوص بل في غياب الملف. لكي يتحول حريق الأحراج والبساتين إلى قضية قابلة للمحاسبة، نحتاج 3 أعمدة: توثيق مكاني وزمني للهجمات والحرائق، إثبات الأثر البيئي والزراعي عبر خبرة علمية، وربط هذا الأثر بمعيار التناسب والاحتياطات. ومن دون هذه السلسلة، تبقى الشكوى سياسية مهما كانت قاسية."
اكتشاف المزيد

ويقول:" أي مسار قضائي دولي يفرض أن تكون الدولة واضحة. إما تتجه إلى آلية قضائية وتلتزم بها وتتحمل تبعاتها، أو تبقى في دائرة المراسلات التي لا تُنتج قراراً ملزماً. الردع يبدأ من قرار داخلي قبل أن يبدأ من محكمة خارجية."في هذا السياق، يبرز دور الحكومة ووزارة البيئة، فلا يجب أن يبقى محصوراً في الإدانة أو "التقييم العام". ما ينقص عملياً هو تحويل التقييم إلى وثيقة رسمية تصلح كملف قضائي من خلال تأمين خرائط دقيقة للحرائق، وتقدير كلفة الخسائر الزراعية والغابات، وتحديد ملكيات أو نطاقات متضررة، وتقرير علمي حول التربة والمياه مع منهجية جمع وتخزين. ومن دون توحيد بيانات الزراعة والبيئة والبحوث والدفاع المدني، سيبقى كل رقم منفصلاً عن الآخر، وكل رقم منفصل يضعف الملف بدل أن يقوّيه.

في الخلاصة، ما جرى في الجنوب لم يعد ملفاً بيئياً يُعالَج بالتقارير وحدها، بل قضية مسؤولية قانونية تحتاج قراراً تنفيذياً واضحاً من الدولة. إذا بقيت المقاربة محصورة في الإدانة والمراسلات، ستبقى النتائج سياسية بلا أثر ملزم، والمطلوب عملياً هو خطوة واحدة جامعة ألا وهي تحويل كل المعطيات المتفرقة إلى ملف قضائي موحّد قابل للاستخدام، يتضمن خرائط دقيقة بإحداثيات وتواريخ، تقارير مخبرية موثقة عن التربة والمياه، تقديراً رسمياً للخسائر الزراعية، وسلسلة حفظ أدلة واضحة. عندها فقط يصبح الحديث عن "المحاسبة" ممكناً".
 

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا