توقفوا، خلافكم يُبعدنا...
إلى المسيحيين في لبنان،
إلى مناصري سمير جعجع ومناصري جبران باسيل،
وإلى كل من يرى في هذا الوطن مشروع دولة لا مجرّد ساحة صراع،
يمرّ لبنان اليوم في مرحلة مفصلية، قد تكون الأخطر منذ عقود. نحن على مفترق طرق واضح: إمّا الانهيار الكامل، أو فرصة نادرة للإنقاذ والازدهار. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخلاف السياسي المشكلة الأساسية، بل يتحوّل أسلوب إدارته إلى خطر وطني بحدّ ذاته.
كثيرون من اللبنانيين، ولا سيّما في الاغتراب، ينظرون إلى الدور المسيحي في لبنان كرافعة أساسية لأي نهوض محتمل. ليس من باب الامتياز، بل من باب الواقع: كفاءات علمية وطبية وأكاديمية، حضور فاعل في الدياسبورا، علاقات خارجية واسعة، وبيئة ساهمت تاريخيًا في إبقاء لبنان منفتحًا، حضاريًا، وقريبًا من نموذج الدولة الحديثة، مع احترام الحريات وحقوق المرأة والمساواة.
لكن ما نشهده اليوم هو العكس تمامًا هذا الدور يُستنزف في صراع داخلي مسيحي - مسيحي، يتخذ شكلًا إعلاميًا حادًا، مليئًا بالتخوين، الشتائم، والاتهامات المتبادلة. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتصاعد هذا الخطاب، وكأن البلاد تحتمل مزيدًا من الانقسام، أو كأن الذاكرة الجماعية غير موجودة.
بالنسبة لي، هذا ليس نقاشًا نظريًا. أنا أنتمي إلى جيل دفع ثمن الصراع المسيحي القديم بين سمير جعجع وميشال عون بشكل مباشر. في عز شبابي، أُغلق مطار بيروت، واضطررت إلى مغادرة لبنان عبر مطار دمشق، بجواز سفر لبناني لم تكن سوريا تعترف به في ذلك الوقت، متوجّهًا إلى موسكو لإكمال دراستي. لم يكن ذلك خيارًا طبيعيًا، بل نتيجة مباشرة لانهيار بلدٍ عجز قادته عن إدارة خلافاتهم.
لهذا السبب، حين نرى اليوم هذا التصعيد الإعلامي، لا نتعامل معه كخلاف سياسي عادي. الذاكرة تحوّله تلقائيًا إلى خوف من تكرار السيناريو نفسه: شلل، هجرة قسرية، وانهيار شامل. ما يحصل اليوم قد لا يكون حربًا بالسلاح، لكنه يعيد إنتاج مناخها، ويهدّد ما تبقى من ثقة الناس بإمكانية قيام لبنان جديد.
الأخطر أن هذا الأسلوب لا يحقق مكاسب حقيقية. قد يرفع منسوب التعبئة الموقتة، لكنه يخسر محبّة الناس وثقتهم. يخسر أصواتًا صامتة، ويخسر لبنانيين كانوا مستعدّين للمشاركة والتصويت، لكنهم يشعرون اليوم بأن الأمل يُستنزف لصالح معارك عبثية.
المطلوب اليوم ليس إلغاء الاختلاف، ولا فرض وحدة مصطنعة، بل تحمّل مسؤولية وطنية واضحة:
وقف فوري للتناحر، خفض حدّة الخطاب، والاتفاق على حد أدنى من التناسب والانسجام في القضايا المصيرية.
لبنان لا يحتمل نسخة جديدة من صراعات الماضي،
ولا يحتمل أن يُدفع شبابه مرّة أخرى إلى الرحيل.
توقفوا فورًا.
فالخسارة هذه المرّة ستكون نهائية.
عمر حرفوش -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|