هل يعود الحريري كصانع لوائح؟
تتجه بوصلة الشارع السني في لبنان نحو "بيت الوسط"، حيث يتردد صدى الأسئلة الكبرى مع اقتراب ذكرى 14 شباط. ليس المشهد مجرد إحياء لذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، بل هو استحقاق سياسي يبحث فيه جمهور "التيار الأزرق" عن خيط ضوء وسط عتمة الانتظار الطويل. ومع ذلك، يجد المتابعون أنفسهم أمام مفارقة صارخة؛ فرغم إعلان الرئيس سعد الحريري في وقت سابق عن "عودة الروح" للعمل السياسي، إلا أن الأرض لا تزال تعاني من "يباس" تنظيمي وميداني لم تكسره سوى بعض الأنشطة الاجتماعية الخجولة طيلة العام الماضي.
من يراقب مفاصل "تيار المستقبل" يدرك أن الماكينة التي كانت يوماً محركاً للسياسة اللبنانية، لا تزال تعيش حالة من "التجميد القسري". فالمشاركة في عام 2015 وما تلاه وصولاً إلى اليوم، لم تتجاوز حدود الواجبات الاجتماعية والمناسبات البروتوكولية. هذا الغياب الميداني يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل ينتظر الحريري "إشارة" إقليمية، وتحديداً من الرياض، لفك أسر هذا الجمود؟ أم أن هناك إعادة هيكلة صامتة تجري بعيداً عن الأضواء؟ المؤشرات تشير إلى أن الحريري، المقيم بعيداً، لا يريد العودة إلى لبنان كـ "حليف ثانوي" يسد ثغرات التحالفات، بل كشريك أساسي يمتلك زمام المبادرة والقرار، وهو ما يتطلب "ضوءاً أخضر" يعيد التوازن لعلاقته التاريخية بالعمق العربي.
في غضون ذلك، جاءت مواقف الأمين العام للتيار، أحمد الحريري، في الساعات الماضية لتشعل "فتيل" النقاش الداخلي. حديثه الصريح عن "الغدر" الذي تعرض له التيار من "أقرب المقربين" لم يكن مجرد فضفضة
سياسية، بل كان رسالة مشفرة لشركاء الأمس الذين استثمروا في غياب الحريري لتثبيت عروشهم السياسية. المثير للدهشة في تحليل أحمد الحريري هو إشارته إلى "المفارقة العجيبة"، حيث بات الخصوم التاريخيون للتيار هم من يقفون اليوم في خندق الدفاع عن سعد الحريري، في حين أن من "أكلوا من خبز البيت" كانوا أول من انقلب عليه عند اشتداد الأزمات.
بناءً على هذا المشهد، يبدو أن أهداف "المستقبل" في المدى القريب تتركز على نقطتين: الاولى وهي استعادة الحصانة الشعبية عبر استثمار ذكرى 14 شباط كاستفتاء شعبي يثبت أن "الزعامة السنية" لا تزال محصورة في عباءة آل الحريري. والثانية عبر فرض الشراكة الندية فالحريري لن يقبل في عودته المرتقبة أن يكون مجرد "مكمل لمشروع الآخرين". هو يبحث عن "صيغة جديدة" تعيد له هيبته السياسية كلاعب لا يمكن تجاوزه في تشكيل السلطة القادمة، خاصة مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
وبحسب مصادر مقربة من تيار المستقبل، فإن الحريري يمتلك "يقيناً وجدانياً" بأن قاعدته الشعبية وجمهوره العريض لن يخذلاه في أي استحقاق، وذلك في مفارقة واضحة مع مرارة الخذلان التي تجرعها من شخصيات كانت يوماً ضمن "الدائرة المحرمة" لصناعة القرار في بيت الوسط. هؤلاء، الذين انقضّوا على قيادة التيار وسعوا لنهش رصيد الحريري الشخصي والسياسي، باتوا اليوم خارج الحسابات الأخلاقية للتيار، وإن بقوا ضمن المناكفات السياسية.
وتختم المصادر بالتأكيد على أن "مفتاح العودة" هو قرار سيادي يملكه الحريري حصراً، بعيداً عن ضغوط التكهنات. فهو وحده من سيحدد ساعة الصفر وما إذا كان سيعود إلى الساحة كـ "صانع لوائح" يقود المعركة النيابية في الصفوف الأمامية، أم سيختار البقاء "عرّاباً من خلف الكواليس"
يدير خيوط اللعبة دون الانخراط المباشر في تفاصيلها. ولكن ومهما كان القرار، فإن قدرة تيار المستقبل على العبور من مرحلة "الترقب" إلى مرحلة "الفعل" تعتمد على قدرة سعد الحريري على تحويل "صدمة العودة" إلى مشروع سياسي متكامل. فإذا كانت واشنطن والرياض والداخل اللبناني يترقبون كلمته في 14 شباط، فإن الأهم يبقى في ما بعد هذه الكلمة: هل سيتم تسييل العاطفة الشعبية إلى قرارات تنفيذية تعيد فتح أبواب مراكز التيار المغلقة؟ أم سيبقى "الأزرق" رهينة الانتظار حتى إشعار آخر؟
علاء الخوري -ليبانون فايلز
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|