المفاوضات الأميركية - الايرانية… هل يخرج نوري المالكي من المشهد؟
لم يعد المشهد الإقليمي محكوماً بثنائية الحرب أو التسوية، بل دخل مرحلة أكثر التباساً، حيث يُستخدم الإعلان عن الحرب كأداة ضغط تفاوضي وليس كنقطة لا عودة. في هذا المناخ، تتقدّم التهديدات العلنية بالتوازي مع فتح نوافذ خلفية للحوار بين
واشنطن وطهران، في معادلة تقوم على رفع السقف، بهدف إعادة رسم شروط التفاهم. هذا التحوّل لا يعكس تراجعاً أميركياً بقدر ما يكشف انتقالاً إلى إدارة الصراع عبر أدوات ضغط قاسية مع إبقاء هامش المناورة مفتوحاً، ما يضع عدداً من الساحات الإقليمية، داخل دائرة اختبار مباشر.
في هذا السياق، يبرز العراق كإحدى أكثر الساحات حساسية في اختبار الأسلوب الأميركي الجديد، حيث لم تعد الرسائل تُنقل عبر القنوات السياسية التقليدية، بل عبر مواقف مباشرة تُلامس حدود الإنذار. ووفق المعطيات، فإن اللقاء الذي جمع القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد جوشوا هاريس برئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، حمل مضموناً حاسماً، يعكس توجهاً أميركياً مباشراً أن واشنطن قررت التدخل في صلب المعادلة السياسية وليس في نتائجها اللاحقة. فالرسالة كانت واضحة بأن ترشيح المالكي غير مقبول أميركياً، والاستمرار فيه سيضع العراق أمام كلفة ثقيلة، تتجاوز الأبعاد السياسية إلى ضغوط اقتصادية وأمنية مباشرة.
اللافت في هذا الموقف أنه لم يُطرَح باعتباره خلافاً على برنامج حكومي أو مقاربة داخلية، بل كاعتراض على موقع سياسي يُنظر إليه كامتداد إقليمي غير مرغوب فيه مرتبط بإيران بشكل مباشر. فالمسألة، من وجهة النظر الأميركية، لا تتعلق بشخص المالكي بقدر ما تتصل بدلالته السياسية، وبما يمثّله في معادلة النفوذ داخل العراق. في المقابل، تعامل المالكي مع هذا الطرح باعتباره تجاوزاً للسيادة، رافضاً منطق الإملاءات، ومؤكداً أن العلاقات بين الدول لا تُدار بلغة التهديد. غير أن هذا الرد لم يكن موجهاً إلى واشنطن وحدها، بل حمل في طيّاته قراءة أوسع لمسار المنطقة، حيث تتكرر الضغوط ذاتها بأشكال مختلفة في أكثر من ساحة عربية.
هنا، لا يعود السؤال محصوراً في مصير ترشيح سياسي بعينه، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة العلاقة التي تريدها
الولايات المتحدة مع العراق في المرحلة المقبلة. فإدارة ترامب، كما يبدو، لا تترك مساحات رمادية، فإمّا شراكة وفق شروطها، أو مواجهة مفتوحة بأدوات الضغط القصوى. وهذا ما يضع بغداد أمام اختبار صعب، في لحظة إقليمية لا تسمح بكلفة الخيارات الحادة، ولا تتيح في الوقت نفسه ترف تجاهل الوقائع الدولية.
في المقلب الآخر من المشهد، تتحرك طهران بعيداً عن الخطاب التعبوي، وبمنطق مختلف تماماً. فالعقل الإيراني لا يتعامل مع التصعيد بوصفه هدفاً بحد ذاته، بل كأداة ضمن إدارة معقّدة للصراع، في سياق يوازي الضغوط المفروضة على ساحات النفوذ الإقليمي. من هنا فإنّ فتح المسارات أو إغلاقها ليس خياراً ظرفياً، بل جزء من حسابات دقيقة تتبدّل بتبدّل التوازنات. وبالتالي، لا يمكن فصل أي تبدّل في السلوك الأميركي عن هذا الإيقاع، ولا قراءة التراجع التكتيكي الظاهر إلا بوصفه تقاطع مصالح مؤقت، وليس تحوّلاً استراتيجياً.
ضمن هذا الإطار، تندرج الإشارات الإيرانية الأخيرة، ومنها ما صدر عن المستشار السياسي للمرشد الأعلى الايراني علي لاريجاني، كجزء من هذا الاشتباك الهادئ. فهي لا تحمل مضموناً تفاوضياً مباشراً، ولا توحي بأن المنطقة دخلت مرحلة تسويات، لكنها تؤسس لمسار مختلف، تُعاد فيه صياغة قواعد الاشتباك السياسي. وعليه فإنّ اللافت في هذا المسار، إذا ما تطوّر، سيركّز على الساحات التي تشكّل نقاط توازن دقيقة، وفي مقدّمها العراق.
ووفق تقديرات دبلوماسية، فإن أي تفعيل للقنوات الخلفية بين واشنطن وطهران سينعكس سريعاً على الداخل العراقي، وذلك من خلال إعادة ترتيب الأولويات السياسية. في هذا السياق، يُطرح اسم نوري المالكي كأحد الخيارات التي قد تُستبعد من المشهد كجزء من إعادة ضبط أوسع للتوازنات، تفرضها لحظة إقليمية شديدة التعقيد.
مع ذلك، يبقى من الخطأ افتراض أن التفاوض، إن حصل، سيقود حكماً إلى تهدئة شاملة. فالتجربة أثبتت أن التفاهمات الجزئية قد تترافق مع عمليات عسكرية مفاجئة تُستخدم لتحسين شروط التفاوض. إلا أن الثابت في هذه المعادلة هو أن خيار التفاوض، بكل مخاطره، يبقى أقل كلفة لإيران من حرب مفتوحة، فيما تبقى الساحات الإقليمية، وعلى رأسها العراق، رهينة هذا التوازن الدقيق بين الضغط والانفتاح.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|