محليات

بعد لقاء غراهام… معركة على دور الجيش وحدود وظيفته

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم يكن اللقاء الذي جمع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل بالسيناتور الأميركي ليندسي غراهام حدثاً عادياً في روزنامة الزيارات والاتصالات الدبلوماسية، بل تحوّل سريعاً إلى محطة سياسية مفصلية، بعدما خرج من إطاره الضيّق ليُفجّر نقاشاً واسعاً داخل لبنان وخارجه حول حدود الدور المطلوب من المؤسسة العسكرية، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة الاميركية، ومعنى السيادة حين تصبح موضع اختبار سياسي مباشر.

فور تسرّب أجواء اللقاء، انقسم المشهد اللبناني بحدّة: موجة تضامن وتقدير اعتبرت أن قائد الجيش عبّر عن موقف وطني متماسك، رافضاً تحويل الجيش إلى أداة إخضاع سياسي أو إدخاله في امتحانات ولاء، في مقابل حملة إدانة رأت في جوابه خروجاً عمّا تريده واشنطن، أو تفريطاً بما تعتبره شروط الشراكة والدعم. وبين هذين الموقفين، لم يكن الخلاف مرتبطاً بتفصيل الجواب، بل بطبيعة الدور الذي يُراد للمؤسسة العسكرية أن تؤدّيه، وبحدود استقلالية قرارها في مقاربة الملفات الحساسة، بعيداً عن أي محاولة لفرض سرديات أو سقوف سياسية من خارج السياق اللبناني.

من هنا، لم يعد النقاش محصوراً في مضمون اللقاء بحدّ ذاته، بل في أسباب الارتجاج السياسي الذي تلاه، ولماذا بدا أن تمسّك قائد الجيش بمقاربة سيادية هادئة كان كافياً لإشعال هذا القدر من السجال، داخلياً وخارجياً، وكشف حجم التوتر الكامن حول موقع الجيش ودوره في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ لبنان.

في واشنطن، لم يكن ردّ الفعل واحداً، إذ برز إلى جانب مقاربة أكثر هدوءاً ترى في الجيش اللبناني عنصر استقرار يجب تحصينه، توجُّه أميركي متشدّد تعامل مع موقف هيكل كخروج عن السقف السياسي المطلوب. وفي حين لم يجري التعبير عن هذا التوجّه بشكل رسمي، فقد تسرّب عبر قنوات غير مباشرة، بينها شخصيات لبنانية معروفة الارتباط بهذا اللوبي، روّجت لإمكانية تحميل الموقف كلفة سياسية قد تصل إلى حدّ الحديث عن استبدال قائد الجيش. وبالتالي، لا يمكن فصل هذا النوع من التسريبات عن مناخ الضغط القائم، ولا عن محاولة ربط الدعم العسكري بشروط سياسية مسبقة، بما يحوّله من إطار تعاون مؤسساتي إلى وسيلة ضغط مباشرة.

من جهة أخرى، سارت أطراف سياسية محليّة في الاتجاه نفسه، فشنّت هجوماً مباشراً على قائد الجيش، واعتبرت موقفه إشكالية سياسية بدل أن تتعامل معه كخيار سيادي يهدف إلى إبقاء المؤسسة العسكرية خارج الاصطفاف. وفي هذا السياق، لم يكن هذا الهجوم دفاعاً عن مصلحة وطنية بقدر ما عكس استعداداً لاصطفاف داخلي خلف سرديات خارجية، حتى لو جاء ذلك على حساب صورة الجيش ودوره الجامع. ولعلّ الأخطر في هذا الخطاب أنه حاول نقل النقاش من حدود العلاقة مع الخارج إلى التشكيك بالمؤسسة نفسها، في لحظة يُفترض فيها تحصينها وليس تعريضها للشبهات.

ضمن هذا المناخ، جرى تداول معطيات عن "ولاءات منقسمة" داخل الجيش، وعن تنسيق مباشر مع "حزب الله"، وهي سرديات بالغة الخطورة. ورغم أنها لا تبدو مستجدّة، الا انها باتت تُستعاد في كل مرة يرفض فيها الجيش الخضوع لمنطق الإملاء السياسي. وفي امتدادٍ لهذا المسار، فإن إعادة ضخ هذه الروايات لا تخدم أي مسعى لتطوير الأداء أو تعزيز التماسك المؤسسي، بل تفتح الباب أمام طروحات تستهدف بنية المؤسسة نفسها تحت عناوين مختلفة. وقد أثبتت التجارب أن مقاربة كهذه، عندما تُطرح من خارج السياق الوطني أو تحت الضغط السياسي، لا تؤدي إلى أي إصلاح، بل إلى إضعاف المؤسسات وتعريضها للتفكيك.

وبالعودة إلى اللقاء نفسه، يمكن قراءة انسحاب غراهام كرسالة ضغط سياسية مباشرة تقوم على معادلة واضحة: إمّا تطابق كامل مع السردية الأميركية، أو سقوط من منطق الشراكة. وفي هذا السياق، يتبيّن أن السؤال المطروح لم يكن استفساراً مفتوحاً بقدر ما كان اختباراً مسبق النتائج، وهو ما يفسّر حدّة ردّ الفعل. كذلك يعكس هذا السلوك رفضاً أميركياً للتعامل مع أي مقاربة لا تُختزل بثنائية "إرهابي أو غير إرهابي" بمعزل عن السياق المحلي وتعقيداته، ما يضع الموقف في إطار سياسي ضاغط أكثر مما يضعه في خانة النقاش.

في هذا الإطار، يمكن فهم موقف قائد الجيش رودولف هيكل بوصفه توصيفاً مؤسساتياً منسجماً مع واقع الدولة اللبنانية وحدود صلاحياتها، وليس موقفاً سياسياً بالمعنى المتداول. فالمؤسسة العسكرية لا تملك صلاحية دستورية أو سياسية لإعادة تعريف مكوّن لبناني حاضر في الحياة السياسية وممثَّل في البرلمان والحكومة، ولا لاعتماد تصنيفات خارجية تُفرض عليها من خارج السياق الوطني. وعليه فإن أي مقاربة مغايرة كانت ستنقل الجيش من موقع الضامن للتوازن والاستقرار إلى موقع الطرف في نزاع داخلي، وتضعه في مواجهة مباشرة مع واقع لا يمكن إدارته بالقوة ولا بالاصطفافات، وهو ما يفسّر حرص قائد الجيش على اعتماد مقاربة تحفظ دور المؤسسة ووظيفتها الأساسية.

وفي مرحلة تتآكل فيها المؤسسات وتضيق فيها هوامش القرار، يصبح الدفاع عن استقلالية الجيش دفاعاً عن آخر خطوط الدولة. فحين يُطلب من المؤسسة العسكرية أن تكون أكثر من جيش، وأقل من دولة، يكون الخطر قد بلغ ذروته. من هنا، لا يُقاس موقف قائد الجيش بمدى إرضائه لهذا الطرف أو ذاك، بل بقدرته على إبقاء الجيش حيث يجب أن يكون؛ خارج الاشتباك السياسي، وداخل معادلة السيادة الوطنية. وعلى هذا الأساس، فإن أي نقاش حول تطوير أداء الجيش أو تعزيز تماسكه يجب أن يبقى لبنانياً خالصاً بعيداً عن لغة الاتهام والتشكيك، وبمنأى عن تحويل المؤسسة إلى ورقة ضغط في صراع سياسي إقليمي. فالمسّ بثقة الجيش بنفسه وبمحيطه هو أخطر ما يمكن أن يُرتكب في هذه المرحلة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا