فخ مسقط: هل يبتلع طموح نتنياهو "مهلة الشهر" التي منحها ترامب لإيران؟
دخلت المفاوضات الأميركية-الإيرانية التي انطلقت من العاصمة العُمانية مسقط مرحلة هي الأكثر حساسية في تاريخ الصراع، ليس بسبب تعقيد بنودها فحسب، بل لأنها تجري تحت ضغط "ساعة رملية" يقلبها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإحكام.
فبينما يرى البعض أن هذه الجولات ليست سوى "رفع عتب" دبلوماسي يسبق ضربة عسكرية شبه حتمية، يصرّ ترامب على أن خياره المفضل هو "الصفقة"، لكنه يربطها بنتيجة ملموسة خلال "مهلة شهر"، ملوحًا بخيارات "قاسية ومفاجئة" إن فشل المسار.
يأتي ذلك في سياق ما يصحّ وصفه بالمنعطف الأكثر خطورة وجدية في العلاقات الأميركية-الإيرانية؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على شد وجذب دبلوماسي، بل انتقل إلى مرحلة "الإنذار الأخير"، حيث يمزج ترامب بين لغة الصفقات المباشرة واستعراض القوة المفرط، في محاولة لفرض واقع جيوسياسي يتجاوز "النووي" ليشمل هيكلية النفوذ الإيراني برمتها.
من هنا، تمثّل هذه المهلة ضغطًا نفسيًا هائلاً على طهران المنهكة اقتصاديًا، من أجل انتزاع تنازلات سريعة منها، والمفارقة أنها تتزامن مع استعدادات عسكرية أميركية وُضعت تحت مسمى "مطرقة منتصف الليل" (Midnight Hammer)، في إشارة لجهوزية تامة للتحول من الطاولة إلى الميدان.
وبين الرغبة الأميركية في اختصار الزمن، والضغط الإسرائيلي لتوسيع الشروط، تظهر "لغة السفن" بوضوح، وسط تقارير عن توجه حاملة طائرات أميركية ثانية (يو إس إس جورج بوش أو يو إس إس جيرالد فورد) إلى الشرق الأوسط، ، لتنضم إلى حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" الموجودة أساساً، بما يثبّت أن التفاوض يجري تحت مظلة ردع وتهديد متزامنين.
فأيّ رهانات على المفاوضات وسط ذلك؟ وهل تقبل إيران بصفقة بشروط إسرائيل، أم تذهب كل الأطراف إلى صدام من شأنه أن يشعل المنطقة بأسرها؟.
"معركة جدول الأعمال"
صحيح أنّ واشنطن وطهران أنهتا جولة مفاوضات في عُمان من دون إعلان موعد واضح للجولة التالية، إلا أنّ الواضح أنّ المعركة ليست على "اتفاق نووي" فقط، بل على إعادة تعريف نفوذ إيران الإقليمي. ولذلك يُفهَم الخلاف على جدول الأعمال، بل التركيز عليه، وكأنّه "العائق الحقيقي" أمام الوصول إلى تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران.
فبينما يتحرك ترامب بعقلية "عاقد الصفقات" (The Dealmaker)، الباحث عن إنجاز سريع وقابل للإعلان، يبرز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كـ "مهندس عراقيل" طموح، إذ إنّ الأخير يريد فرض أجندة لا تكتفي بتقليم أظافر طهران النووية، بل تهدف إلى اقتلاع أنيابها الإقليمية بالكامل.
ويسعى نتنياهو، الذي زار واشنطن مؤخرًا حاملاً "فيتو" مبطنًا على أي اتفاق نووي معزول، إلى فرض معادلة جديدة تقوم على ثلاثة أعمدة: تفكيك الترسانة الإقليمية بوصف الصواريخ الباليستية "التهديد الوجودي الأول"، وإنهاء ملف "الوكلاء" بهدف قطع أذرع النفوذ الإقليمي لطهران، وتحديدً "حزب الله" و"حماس" كشرط ملزم، إضافة إلى التفتيش الشامل، بمعنى تجاوز بروتوكولات الوكالة الدولية للطاقة الذرية للوصول إلى المواقع العسكرية الأكثر سرية (مثل تحصينات جبل كولانغ-غازلا أو منشأة فوردو المحصنة).
الخلاف هنا ليس شكلياً؛ فترامب قد يقبل بـ "تجميد" للبرنامج النووي مقابل نصر سياسي سريع، بينما يصر نتنياهو على "التفكيك"، حتى إنه لا يتعامل مع مفاوضات مسقط كقناة أميركية–إيرانية فحسب، بل كمسرح ضغط على واشنطن نفسها، وهو ما يُفهم مثلاً من محاولته وصم أي اتفاق نووي محض بأنه "اتفاق ناقص" يمنح طهران أوكسجينًا اقتصاديًا دون تغيير سلوكها.
عملياً، هذا يضع إدارة ترامب أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما قبول "توسيع السلة" بما يرضي إسرائيل، مع احتمال كبير أن ترفض إيران ذلك فيسقط التفاوض، أو البحث عن تفاهم نووي أضيق، ما سيُستخدم ضد ترامب كدليل على ضعف الصفقة.
طهران وخطوطها الحمراء
تدرك طهران لعبة "عض الأصابع" هذه. وبحسب إشارات المسؤولين الإيرانيين (وعلى رأسهم الرئيس مسعود بزشكيان)، فإن إيران منفتحة على "مقايضة نووية-نووية" (مثل تقديم مرونة في نسب التخصيب أو قبول ترتيبات "كونسورتيوم" دولي)، لكنها تضع خطوطاً حمراء عريضة، أهمها رفض توسيع السلة؛ وهي تعتبر أنّ إقحام "الصواريخ" أو "النفوذ الإقليمي" هو فخ لتجريدها من أوراق قوتها قبل التسوية النهائية.
أكثر من ذلك، تعتبر إيران ترسانتها الصاروخية قضية "أمن قومي سيادي" غير قابلة للنقاش، خاصة بعد تجارب المواجهات العسكرية في 2025، والتي أثبتت أن صواريخها هي الضمانة الوحيدة لمنع تحول التهديدات إلى غزو شامل. كما أنّها ترفض وصف علاقتها بحلفائها في المنطقة بأنها مجرد "ملف للمقايضة"، وتعتبر أن هذه القوى هي جزء من "محور المقاومة" الذي تشكل نتيجة الاحتلال والتدخلات الخارجية.
وفيما تتبنّى إيران خطاباً مفاده أن نجاح المفاوضات النووية قد يفتح الباب لمسارات أخرى مستقبلاً، في محاولة لامتصاص حماس ترامب لإدراج كل شيء في سلة واحدة، تلوّح بورقتها الأقوى؛ وهي أن أي ضغط لتوسيع الشروط سيقابله إنهاء بروتوكولات التفتيش والذهاب فورًا إلى تخصيب الـ 90%، واضعةً ترامب أمام خيار: إما اتفاق نووي تقني أو سباق نحو القنبلة.
"التفاوض تحت النار"
تريد إيران أولاً "تخفيف الخناق الاقتصادي" واستعادة الاعتراف الدولي ببرنامجها النووي، قبل البحث في أي قضايا أمنية، وهو ما يفسره مراقبون بأنه محاولة لـ"شراء الوقت". لكن، بينما تتبادل الوفود المسودات، ترسم التحركات العسكرية في مياه الخليج صورة "التفاوض تحت النار". فالمفاوضات لا تجري في غرف معزولة، بل على وقع هدير المحركات، ووصول حاملة طائرات ثانية يهدف لتأمين تغطية جوية مستمرة (24/7) فوق الأجواء الإيرانية، وقادرة على تنفيذ ضربات جراحية فور انتهاء المهلة.
هذا التحشيد يمثل "صمام أمان" لنتنياهو ورسالة ترهيب لطهران بأن المفاوض الأميركي يضع "المسدس على الطاولة". ويدرك ترامب أن الإيرانيين "أساتذة" في التفاوض الطويل، ولذلك فهو يقلب الطاولة عليهم بالترهيب العسكري المباشر. هنا، يبرز الحديث عن قاذفات استراتيجية وانتشار إضافي للمارينز، إذ يهدف لإشعار طهران بأن هذه المرة تختلف؛ فالمفاوض الأميركي يضع "المسدس على الطاولة" قبل أن يفتح ملف الأوراق.
هل يقبل ترامب بـ"نصف انتصار"؟
في النتيجة، بات من الواضح أن الهدف النهائي لإدارة ترامب، مدفوعًا بضغوط إسرائيلية، هو "تصفير الأزمات" وفق الشروط الأميركية. ولذلك، فإن المعركة الحالية ليست تقنية حول نسب التخصيب، بل هي معركة على تحجيم الدور الإقليمي عبر إجبار إيران على الانكفاء داخل حدودها الجغرافية، وتغيير السلوك، لا النظام (أقلّه حتى الآن).
انطلاقًا من ذلك، لسنا أمام "ترميم" للاتفاق النووي القديم، بل أمام محاولة هندسة قسرية للنفوذ الإيراني. فواشنطن تريد الاتفاق، وتل أبيب تريد تجريد طهران من مخالبها الإقليمية، والبنتاغون يستعد لفرض هذه الإرادة بالقوة إن لزم الأمر.
أما إيران، فتحاول إقناع البيت الأبيض بأن "الصفقة الممكنة" هي تلك التي تعالج الهواجس النووية فقط، في حين أنّ "الصفقة الشاملة" التي يريدها نتنياهو هي وصفة لفشل المفاوضات والذهاب نحو الانفجار.
وبذلك تضع طهران ترامب أمام اختبار حقيقي: هل يقبل بنصف انتصار دبلوماسي، أم يغامر بالحرب من أجل "اتفاق مثالي" لا يبدو أن طهران مستعدة للتوقيع عليه؟.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|