بعد 21 عامًا على اغتيال الحريري: لبنان أمام اختبار مصيره
يحيي لبنان الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، في لحظة لبنانية وإقليمية غير مسبوقة من حيث حساسيّتها وتحوّلاتها العميقة. لم تعد 14 شباط مجرّد محطة وجدانية أو مناسبة سياسية تقليديّة، بل تحوّلت هذا العام إلى نقطة تقاطع بين العدالة المؤجّلة، سقوط أنظمة ومحاور، وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، فيما يقف لبنان أمام اختبار حقيقيّ لمسار استعادة الدولة.
في 14 شباط 2005، لم يكن اغتيال الحريري حدثًا أمنيًا عابرًا، بل زلزالًا سياسيًا أعاد تشكيل الحياة العامة في لبنان. انقسم الشارع بين فريقي 8 و 14 آذار، واندفعت البلاد نحو مرحلة جديدة انتهت بانسحاب الجيش السوري بعد عقود من الوصاية. يومها طُويت صفحة، وفتحت أخرى، لكن المسار اللبناني بقي أسير توازنات هشة وصراعات إقليمية متشابكة.
المشهد اليوم: إعادة تثبيت الدولة
بعد واحد وعشرين عامًا، تعود الذكرى في ظلّ مشهد مختلف جذريًا. الحرب الأخيرة بين إسرائيل و "حزب اللّه" شكّلت محطة مفصلية أضعفت البنية العسكرية لـ "الحزب"، وأعادت طرح ملف سلاحه على الطاولة الداخلية والدولية بجدية غير مسبوقة. بالتوازي، بدأ مسار أمني وسياسي تمثل في نزع سلاح "الحزب" جنوب نهر الليطاني، والاستعداد لنزع السلاح في شماله، بالإضافة إلى تسليم سلاح الفصائل الفلسطينية داخل المخيّمات للجيش اللبناني. خطوة تعكس تحوّلًا تدريجيًّا نحو إعادة تثبيت مرجعية الدولة على كامل أراضيها، وهو أمر كان حتى وقت قريب يُصنف ضمن المحظورات السياسية.
تغيّر المشهد مع وصول العماد جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية، وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، في صورة سياسية مختلفة عن سنوات الشلل والانقسام، ما يعكس انطلاقة جديدة لمسار الدولة.
سقوط النظام السوري وتأثيره الإقليمي
على الصعيد الإقليمي، شكّل سقوط نظام بشار الأسد تحوّلًا مفصليًا أنهى حقبة امتدّت لأكثر من نصف قرن في دمشق. وللمفارقة التاريخية، كان كلّ من الأسد الأب والابن جزءًا من الصراع السياسي الذي سبق اغتيال الحريري، بعدما خاض الأخير مواجهة مع النظام السوري على خلفية تمديد فترة ولاية الرئيس إميل لحود عام 2004. هذا الانقلاب الإقليميّ يعيد خلط أوراق المنطقة، ويمنح ذكرى الحريري بعدًا إضافيًا، وكأن التاريخ يعيد فتح دفاتره على وقع تغيّر موازين القوى.
رفيق الحريري: مشروع بناء الدولة والإعمار
لم يكن رفيق الحريري مجرّد رئيس حكومة، بل كان رمزًا لمشروع وطني متكامل. ساهم في إنجاز اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية عام 1989 برعاية السعودية، وأسّس لمرحلة إعادة بناء الدولة. بعد الحرب، أطلق ورشة إعمار واسعة أعادت رسم وجه بيروت وربط لبنان بالعالم العربي والمجتمع الدولي. اغتياله شكّل ضربة لمفهوم الدولة، وأدخل البلاد في أزمة سياسية واقتصادية طويلة، ما زالت انعكاساتها قائمة حتى اليوم.
سعد الحريري بين الاعتكاف وإمكانية العودة
في سياق الذكرى، يترقب اللبنانيون في 14 شباط 2026 كلمة رئيس الوزراء الأسبق سعد رفيق الحريري، الذي اعتكف عن العمل السياسي منذ كانون الثاني 2022. ووفق مصادر مطلعة أوضحت لـ "نداء الوطن" أن إحياء الذكرى هذا العام يتجاوز الطابع الرمزي، ليصبح محاولة لإعادة تأكيد شعبية سعد الحريري داخل الطائفة السنية في ظلّ فراغ قيادي.
وتشير المصادر نفسها، إلى أن كلمة سعد الحريري قد تحمل إعلان عودة مباشرة إلى الحياة السياسية، من دون حسم نهائي لمسألة التراجع عن قرار الاعتكاف، فالقرار يبقى بيده وحده، غير أن طبيعة المرحلة واقتراب انتخابات 2026 تجعل من خطابه محطة مفصلية، تعكس انعكاسات المرحلة السياسية والأمنية الراهنة.
الحريري نموذج الاعتدال وبناء الدولة
أكد عضو المجلس البلدي في صيدا، عامر عفيف معطي لـ "نداء الوطن"، أن "الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان مشروعًا وطنيًا متكاملًا، حمل همّ لبنان بأسره، ورأى أن إعادة الإعمار تبدأ بالإنسان قبل الحجر، من خلال التعليم وتوفير فرص حياة كريمة، وليس فقط بالبناء والمرافق".
وأضاف أن "الحريري جسّد نموذج الاعتدال والانفتاح والعمل الدؤوب لتعزيز الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة"، مشدّدًا على أن "ذكراه اليوم تذكّر الجميع بأهمية التمسّك بالدولة والشرعية وخيار التنمية بعيدًا من منطق الانقسامات والمناكفات السياسية". وأشار معطي إلى أن هذه الذكرى "تتجاوز الاستذكار التقليدي لحدث أليم لتصبح محطة وطنية لتجديد الالتزام بالعدالة والسيادة وبناء الدولة"، مؤكّدًا أن "الحريري جسّد رؤية وطنية متكاملة تسعى إلى بناء دولة قوية ومستقرة".
الذكرى محطة اختبار للدولة والتحوّلات السياسية
رأت المحامية منال عبد الله أن "ذكرى 14 شباط هذا العام تحمل أبعادًا تتجاوز الطابع الرمزي التقليدي، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على بسط سلطتها ورصد التحوّلات في الساحة السياسية. وفي بلد اعتاد أن تكون ذكرياته مفاتيح لفصول جديدة من التاريخ، قد تتحوّل مناسبة 14 شباط 2026 إلى نقطة انطلاق لفصل جديد في مسار لبنان، مفتوح على كل الاحتمالات المستقبلية، لتكون الذكرى ليس مجرّد استذكار، بل دعوة لبناء الدولة".
وأضافت أن "تيار المستقبل" لا يزال يحظى بشعبية واسعة في الشارع السني، من صيدا والعرقوب جنوبًا إلى الإقليم وبيروت والشمال والبقاع"، مشيرة إلى أن "هذا الامتداد الشعبي يشكل ورقة قوة محتملة لأي عودة سياسية، خصوصًا في ظلّ إعادة تشكيل المشهد الداخلي بعد التحوّلات الأمنية الأخيرة". وأضافت أن "هذه الشعبية ليست وليدة اللحظة، بل امتدادًا لإرث الشهيد رفيق الحريري الذي أسّس نهجًا سياسيًا يقوم على الاعتدال والانفتاح وتعزيز مؤسسات الدولة".
تمرّ ذكرى اغتيال رفيق الحريري هذه المرة في وقت حاسم للبنان، بين العدالة المؤجلة ومسار إعادة بناء الدولة. وهي تذكّر الجميع بأن إرث الحريري لا يقتصر على الماضي، بل هو دعوة مستمرّة للاعتدال، لتعزيز المؤسسات، وبناء دولة قوية ومستقرة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والإقليمية .
طارق أبو زينب- نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|