سليمان: منع سلاح نووي في إيران خطوة أولى نحو عالم خالٍ من الأسلحة النووية
الإصلاح الإداري: من التصفيق إلى الكفاءة والرقابة
تصوّر لحظة واحدة: موظف كفوء يصل إلى مكتبه، لكن أبواب الإدارة كانت مغلقة أمامه لعقود بسبب الواسطة والانتماءات الطائفية. المواطن يراقب بلا أمل، والقوانين تُعلن بلا تنفيذ. كل شيء يبدو وكأنه محكوم بمزاج شخص أو معاملة خاصة، لا بالكفاءة ولا بالعدالة. لكن ما نراه اليوم مختلف. ثمة حركة نشطة، دم جديد يتدفق في أجهزة الدولة، وخطوات إصلاحية بدأت تغير المشهد.
الإصلاح الإداري ليس قراراً يُعلن، ولا شعاراً يُرفع، ولا مؤتمراً يُختتم بتصفيق حار. إنه عملية بنيوية تمسّ صلب الدولة، وتعيد تعريف علاقتها بالمواطن، وتخضع السلطة نفسها لمعيار القانون لا لمزاج اللحظة السياسية. المشكلة الأساسية أننا غالباً نبرع في إطلاق العناوين، لكننا نعجز عن بناء الأنظمة الفعالة.
قال أندريه تارديو إن الإصلاح لا يتحقق بالتصفيق بل بالعمل المنهجي الصارم، وهذه العبارة تختصر معضلة الإدارة العامة: كم خطة أُطلقت، وكم لجنة شُكّلت، وكم استراتيجية وُضعت، من دون أن يُسأل سؤال جوهري: من يراقب التنفيذ؟ ومن يُحاسب عند الإخفاق؟ ومن يقيس الأثر على كفاءة المرفق العام؟
الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة هيكلة المنظومة على أساس الحوكمة الرشيدة: وضوح الصلاحيات، فصل المسؤوليات، تفعيل أنظمة الرقابة الداخلية، واستقلالية أجهزة التدقيق. لا يمكن لأي إدارة أن تتطور إذا بقيت ثقافة الامتثال المؤسسي ضعيفة، وإذا ظل تضارب المصالح مسكوتاً عنه، وإذا بقيت معايير الجدارة خاضعة للاعتبارات الشخصية، الزبائينية والواسطة. الإدارة ليست مساحة مجاملات، بل نظام إنتاج للخدمة العامة.
تقوية مجالس الرقابة ليست بنداً تقنياً في القانون، بل العمود الفقري لأي إصلاح جدي. مجلس رقابي بلا صلاحيات فعلية أو موارد كافية يتحول إلى واجهة شكلية. المطلوب تمكين هذه المجالس من ممارسة الرقابة، الاطلاع الكامل على البيانات، وإصدار تقارير علنية تضع الرأي العام أمام الوقائع. فالشفافية أداة ضغط إيجابي تُعيد التوازن بين القرار والمساءلة، ولا يمكن لأي إصلاح أن يستمر دونها.
إعادة الاعتبار لدور التفتيش المركزي، وهيئات مكافحة الفساد، وأجهزة الرقابة المالية، يجب أن تترافق مع تحديث أنظمة التوظيف على قاعدة الاستحقاق. اختلال معايير التعيين يُفرغ أي إصلاح من مضمونه، لأن الإدارة تُقاس بأداء كوادرها لا بعدد تعاميمها. لا إصلاح مع توظيف خارج الأطر النظامية، ولا تحديث مع ثقافة تبرير المخالفات.
ليس من عادة الرأي العام أن يصفّق للإدارة العامة. فالثقة اهتزّت طويلاً، والتجارب السابقة جعلت المواطن يتعامل بحذر مع أي إعلان إصلاحي. لكن الإنصاف يقتضي القول إننا أمام لحظة مختلفة، لحظة تستحق أن نتوقف عندها، وأن نحيّيها بموضوعية ومسؤولية.
فللمرة الأولى في تاريخ الجمهورية اللبنانية، نشهد عملاً جديًا ومنسقًا بين وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، والوزارات المعنية، ومجلس الخدمة المدنية، ضمن رؤية واضحة عنوانها الشفافية وإعادة الاعتبار لمبدأ الجدارة. عبر منصة OMSAR، تُنشر الوظائف العامة بشروط واضحة وإتاحة مشاركة مفتوحة أمام الجميع. هذه الخطوة التقنية تحمل بعداً ثقافياً عميقاً: الوظيفة العامة لم تعد همساً في الممرات، بل إعلاناً يخضع لمعايير معلنة.
قد لا تكون الواسطة قد اختفت نهائيًا، وقد تظل بعض التحديات قائمة، لكن ما كان مسيطراً بشكل شبه كامل لم يعد ظاهرًا بنفس القوة. كل ذو كفاءة يجب أن يصل، وهذا ليس شعاراً، بل قاعدة أي دولة حديثة. الأمل أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الانتماء الطائفي أو الاعتبارات الشخصية قيداً، بينما تفتح الفرص أمام أي مواطن يستوفي الشروط.
التقدم اليوم واضح أيضاً في أسلوب الإدارة: حركة نشطة، دم جديد في المؤسسات، وانفتاح على وسائل التواصل التي لم تعد مجرد منصة للانتقاد، بل أداة لنشر المعلومات الرسمية، والإعلان عن الفرص، وتوضيح الإجراءات. كما أن إدماج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من خطة الوزارات المعنية، ولا سيما مع استحداث وزارة متخصصة بالذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس إدراكاً بأن الدولة الحديثة هي دولة رقمية ذكية، قائمة على البيانات، وأنظمة اتخاذ القرار مبنية على الأدلة.
التحول الرقمي يمكن أن يقلّص التدخلات الشخصية، يعزز الشفافية، وييسر الإجراءات، لكنه يتطلب تدريب الكوادر، تحديث التشريعات، وأطر قانونية وأخلاقية تضمن العدالة وحماية الخصوصية. ما نشهده اليوم خطوة أولى واعدة، لكنها جزء من مسار طويل يحتاج استمرار العمل الجاد والمساءلة.
بطبيعة الحال، الطريق ما زال طويلاً، والتحديات قائمة: نقص الموارد، البيروقراطية، الحاجة إلى تعزيز الرقابة وربط الأداء بالمحاسبة. ومع ذلك، ما نشهده يمثل تحولاً ملموساً يستحق التصفيق الواعي: تصفيق لا يكتفي باللحظة، بل يدعم استمرار المسار نحو إدارة عامة فعالة، شفافة، عادلة، وقادرة على استعادة ثقة المواطنين.
بين التصفيق والمساءلة، وبين زمن الواسطة وزمن الكفاءة، نرى اليوم بداية مسار إصلاحي. قد لا نكون وصلنا إلى الكفاءة الكاملة، لكننا قطعنا خطوة كبيرة، وإذا استمر التنسيق، وتعززت الشفافية، وترسخت ثقافة الجدارة، فقد يتحول هذا التحول إلى واقع راسخ، وتستعيد الإدارة العامة مكانتها كركيزة الدولة الحديثة، العادلة والمتطورة.
بولا أبي حنا -نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|