الصحافة

محسن دلول قال لرفيق الحريري: ارحل بدهم يقتلوك

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

سيأتي جواب من قاطبة أهل السياسة والإعلام في لبنان بـ "نعم" إذا ما سئلوا: هل تعرفون محسن دلول؟ وسيمضي كثيرون من هؤلاء إلى الحديث عن هذه الشخصية التي رحلت أمس من زوايا عدة تنم عما كان للراحل من حضور في معظم تاريخ لبنان الحديث.

أمضيت عقودًا في العلاقة مع محسن دلول بدءًا من ثمانينات القرن الماضي، عندما كان لبنان غارقًا حتى الثمالة في الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975. وعندما كلفتني "النهار" متابعة الاجتماعات في دمشق بعد أحداث 6 شباط 1984 الشهيرة التي أدت إلى تدهور أحوال الحكم في لبنان إبان رئاسة أمين الجميل وانقسام الجيش ونشوب حرب الجبل وتورط الولايات المتحدة الأميركية في النزاع بعد تفجير السفارة ومقر المارينز. وذات مرة رافقت دلول في رحلة العودة من دمشق إلى بيروت بعدما بتنا الليل في منزله في علي النهري بالبقاع. واقتضت رحلة العودة أن تكون محفوفة بقصف البارجة الأميركية نيوجرسي على مناطق في الجبل الذي يخضع لنفوذ الحزب "التقدمي الاشتراكي".

يستطيع زملاء كثر أن يرووا الكثير عن دلول، والسبب أن الأخير هو مرجع الروايات في ذلك الزمن بعد عقود من ممارسته مهنة الصحافة بدءًا من "الوكالة الوطنية للإعلام". وحدّثنا دلول مليًا كيف تتلمذ على يد حنا غصن وجريدة "الديار". وفي تلك التجربة دخل في أسرار المهنة التي أقرنها بعلاقة مبكرة مع كمال جنبلاط الذي اختار الشاب البقاعي منذ بداية ستينات القرن الماضي ليكون إلى جانبه بدءًا من علاقة الزعيم الاشتراكي مع الزعيم المصري جمال عبد الناصر. وكتب دلول قصصًا عن تلك المرحلة ستبقى مرجعًا.

تنفتح العلاقات بين دلول بسرعة هائلة إذا أتت عن طريق مهنة الصحافة. ويستطيع الزملاء الذين رافقوه عندما أصبح وزيرًا سواء في الدفاع أو الزراعة بعد الطائف أن يحدثوا عن المحاضر التي كان ينقلها عن جلسات الحكومة. لكن هذا جانب من جوانب في شخصية دلول الذي جمع في وقت من الأوقات علاقات شخصية مع زعماء وقادة ما لم يستطعه كثيرون في السياسة والصحافة. كان يروي على مسامعنا كما أسلفنا ما بينه وبين كمال جنبلاط وجمال عبد الناصر وأيضًا رؤساء جمهورية منذ كميل شمعون ولغاية إميل لحود وبينهما ميشال عون عندما كان الأخير قائدًا للجيش متمردًا على الطائف. عرف دلول كل رؤساء الحكومات من سامي الصلح وصعودًا مع علاقة مميزة مع رفيق الحريري تطورت إلى مصاهرة بزواج نجله نزار بجومانة كريمة السيدة نازك.

يقودنا بحر الذكريات إلى شباط 2005، ففي هذا الشهر قبل 21 عامًا حمل دلول رسالة شخصية من نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في زمن بشار الأسد. جاء في الرسالة الشفهية إلى الرئيس رفيق الحريري كما أبلغنا دلول محتواها: "غادر لبنان فورًا ...يريدون قتلك. إسمع ما سينقله إليك دلول". يضيف أبو نزار: "كنت في منزل الحريري في 13 شباط 2005 وكان يوم أحد. وخلال اللقاء تلقى الحريري اتصالًا هاتفيًا من خدام وسأله: هل أوصل إليك محسن الرسالة؟ فأجابه الحريري: "أنا الآن مجتمعًا مع أبو نزار". فقال خدام: "إعمل كما نقل إليك دلول".

وصلت رسالة خدام إلى الحريري عن طريق محسن دلول لكن في اليوم التالي كان الحريري على موعد مع الاغتيال الذي زلزل لبنان والمنطقة. وكانت لدلول رواية لأسباب الاغتيال.

قام دلول بأدوار رفعته إلى مستويات بلغها قلائل في زمن حكم حافظ الأسد لسوريا. كانت هناك علاقة شخصية بين الرجلين قبل أن يصبح الأسد حاكم سوريا. وأدت هذه العلاقة إلى اتهام كثيرين لدلول بأنه من جماعة النظام الذي كان مكروهًا على امتداد تاريخه من زمن الأب حافظ إلى زمن الإبن بشار. لكن هذا الاتهام توارى عند رجال ذلك الزمن من جنبلاط إلى الحريري. واستمر دلول موضع ثقة عند هؤلاء ولا سيما جنبلاط والحريري حتى آخر الأعمار.

يستطيع الرئيس بري أن يروي إذا أراد اليوم، أن دلول هو أول من أبلغه أن دمشق في زمن حافظ الأسد في بداية التسعينات قررت أن يكون بري رئيسًا للمجلس خلفًا للرئيس حسين الحسيني. كان بري ودلول وقتذاك زميلَين في أولى حكومات الرئيس الياس الهراوي بعد الطائف.

سمعنا من دلول ما لم ينشر حتى الآن حول مكيدة انفجار كنيسة سيدة النجاة ومدبرها رجل الأمن اللبناني التابع للنظام السوري. فكان أن وصل الدكتور سمير جعجع إلى السجن ووصل مدبر الانفجار إلى مجلس النواب.

مات حافظ الأسد عام 2000 وماتت معه حرارة العلاقات بين دلول والنظام السوري. لكن بقيت شعرة معاوية بين بشار الأسد ورجال مرحلة والده وفي مقدمهم دلول. وروى لنا الأخير أنه حمل رسالة إلى دمشق في أدق مرحلة عرفها النظام بعد اندلاع الثورة السورية وقرار إدارة الرئيس أوباما القضاء على النظام بسبب اجتياز بشار الأسد الخط الأحمر باستخدام السلاح الكيماوي ضد شعبه. وجاء في الرسالة أن واشنطن وضعت جانبًا الخط الأحمر بعد إبرامها صفقة مع موسكو حول الكيماوي في وقت كانت الإدارة الأميركية تحضر لصفقة النووي مع النظام الإيراني. وقال دلول لنا: "عندما وصلت إلى دمشق كان أركان النظام قاطبة في الملاجئ تحسبًا للضربة الأميركية. وعندما تبلغوا "البشارة" مني خرجوا من الملاجئ وعادوا إلى مقراتهم".

روى لنا دلول الكثير عن علاقته بإيران منذ مؤسس النظام الإسلامي الإمام الخميني وبخاصة علاقاته المميزة برجل النظام القوي رفسنجاني. وأدى ذلك تباعًا إلى علاقات مميزة مع "حزب الله" وبخاصة في زمن السيد حسن نصرالله. لكن كل هذا التميّز في العلاقات لم يسمح لدلول بأن يوصل نجله نزار إلى الندوة النيابية بسبب "التكليف الشرعي" الذي وقف سدًا منيعًا أمام ما أراده دلول بسبب رفض "الحزب" وخصوصًا في زمن المسؤول عن الماكينة الانتخابية الشيخ نعيم قاسم الذي أصبح اليوم الأمين العام لـ "الحزب".

احتفظ دلول بفيض من المعلومات عن الإمام موسى الصدر على مدى أعوام طويلة قبل غياب الأخير. وكانت لدلول علاقات عميقة مع كبار رجال الدين الشيعة وفي مقدمهم الإمام محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله.

ترك دلول الكثير من المؤلفات ويتقدمها كتابان عن كمال جنبلاط ورفيق الحريري. وتستعد أسرته لإصدار مذكراته التي رافق الزميل يوسف مرتضى في إعدادها حتى أسابيع قليلة خلت.

رحل محسن دلول لكن بقيت رواياته التي سترافقنا طويلًا.

أحمد عياش - نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا