طوني فرنجيه: عسى أن تحمل هذه الأيام المباركة التضامن بين اللبنانيين
مؤشرات مشجّعة تواكب التحضير لمؤتمر دعم الجيش
تحوّلت طلائع تداعيات الغضب الشعبي الواسع الذي أثارته قرارات مجلس الوزراء مساء الاثنين بزيادة سعر صفيحة البنزين 300 ألف ليرة ورفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة واحد في المئة، إلى نذير تحرّكات احتجاجية تمثّلت بداية في قطع بعض الطرق في العاصمة، ولكنها تبدو توطئة لحلقات أخرى تتصل بحركة احتجاج مطلبية.
وإذ بدا لافتاً الحجم الواسع للرفض والاعتراض السياسي للزيادات التي برّرتها الحكومة بتغطية زيادة الرواتب والاجور في القطاع العام، رصد المراقبون بدقة حالة حكومية بدأت تتأثر بقوة تحت وطأة الاعتبارات الانتخابية لمكوّناتها، بدليل المفارقة التي طبعت رفض وتحفّظ قوى مشاركة في الحكومة أو داعمة لها لقراراتها، فيما لم يحل هذا الرفض دون فرملة إقرارها. وتعتبر هذه المفارقة دليلاً إضافياً على ما أدرجه كثيرون في خانة خطأ جسيم ارتكبته الحكومة باستسهالها فرض الزيادة على "المادة الحارقة" البنزين خصوصاً، وعدم اقناع الرأي العام بجدوى ضريبة هي في النهاية لتمويل تحسين أوضاع القطاع العام وإجماع الراي تقريباً أنه كان عليها اختيار المجالات الأنسب لفرض الضرائب التي لا تطاول الفئات الشعبية الواسعة. كما أن ما فاقم هذا "الخطأ" هو توقيته عند مطلع الاستحقاق الانتخابي بحيث ستتعرّض الحكومة في مجمل مسارها لمزيد من الانتقادات، فكيف بالأمور التي تمسّ بالأمن الاجتماعي.
ولعلّ اللافت أيضاً في الإطار العام للمشهد غداة قرارات الحكومة، أن الاعتراض الواسع على قراراتها طغى على قرار حصر السلاح في مرحلته الثانية شمال الليطاني، علماً أن النظرة إليه شابها الالتباس لناحية المهلة المطاطة ما بين أربعة أشهر وثمانية أشهر بما يثير التساؤل حول الأصداء الدولية حياله.
وعلى الأرض أثارت قرارات مجلس الوزراء موجة غضب شعبي، حيث عمد محتجون إلى قطع عدد من الطرق، لا سيما على جسر الرينغ وطريق الكولا والطريق عند مثلث خلدة وأوتوستراد البالما في طرابلس بشكل جزئي. وبينما أعاد الجيش فتح الطرق، أفيد عن دعوات لتحركات إضافية لاحقاً، إذ توافد محتجون مساء إلى ساحة رياض الصلح في وسط بيروت.
في المقابل، حاول رئيس الحكومة نواف سلام تلطيف الواقع وتهدئة الشارع. فقال خلال جولته أمس في طرابلس: "الأهم أن القطاع العام يستحق هذه الزيادات وهي زيادات متأخرة والعسكريون يستحقونها. وبالنسبة إلى الجامعة سنفرّغ المزيد من أساتذتها المتعاقدين منذ زمن طويل ويجب أن يتفرغوا. أما القطاع العام، فنحن نتطلع لكي تصل للعاملين فيه الحقوق أقلّه اليوم براتب مقبول. الكلفة تقدر لهذه الأمور بنحو 800 مليون دولار من أين سنؤمنها؟ نحتاج أن ندفع غداً للعسكريين. وبالعودة إلى القرار سنجد أننا قررنا تحسين جباية الضرائب وتحسين الجباية الجمركية التي تحسّنت بنسبة 150%... وأيضاً سنعيد النظر بكل الأملاك البحرية والنهرية لتحصيل كل المتأخرات، هذا هو الأساس".
واعتبر أن الزيادة على ضريبة القيمة المضافة "لا تطال غالبية اصحاب الدخل المحدود والطبقات الشعبية لأن التعليم معفى من هذه الضريبة والصحة معفية والكثير أيضاً من المواد الاستهلاكية معفاة، وفوق كل ذلك لا يمكننا أن نقبل بالقول إننا قمنا بزيادات تؤثر على الطبقات الشعبية". وتابع: "طبعاً هناك من اعترض على الزيادة على البنزين، نحن اضطررنا لذلك، فهل مثلاً تعتقدون أننا كنا فعلاً نرغب بذلك؟ لم يكن قراراً سهلاً ونحن في الوقت عينه ألغينا زيادات على المازوت، لأن هذا الأمر يتعلق بأناس يستفيدون من هذه المادة في الجرود في هذا الموسم، موسم البرد، وأيضاً يتعلق بالصناعيين، فنحن لا نريد أن نتسبّب بأي ضرر".
بدوره، برّر وزير المال ياسين جابر خلفيات القرار، فقال: "وصلنا إلى أزمة متصاعدة وقطاع عام مشلول يعاني، وكان لا بد من قرار، حصل تفاوض مع العسكريين واجتماع في وزارة الدفاع وكان التوجّه لإقرار الزيادة وتفهّم المجتمعون أن إقرارها من دون مداخيل سيعرّض البلد لأزمة". ولفت إلى أن "إعطاء الزيادة دون مدخول، يعرّض البلد إلى أزمة وهذه كانت توصية صندوق النقد، ونحن حرصاء جدًا على المحافظة على التوازن المالي". وأوضح أن "الخزينة لا تستطيع دفع 800 مليون دولار، والقرارات التي اتخذت لا تغطي المبلغ كاملًا ولكن سنجتهد لتأمينه، وأكثر من 50% من الموازنة اليوم هي رواتب، وكان لا بد من اتخاذ خطوات لتأمين أموال". وأوضح أن "موظفي القطاع العام يحصلون على صفائح بنزين والدولة تدفع ثمنها من الخزينة، وأن 30% من البضاعة المستوردة معفاة من القيمة المضافة". وأشار إلى أنه "كان من الضروري اتخاذ خطوات من أجل تحقيق التوازن وتغطية بعض المطالب، والقرارات الحكومية ستؤمّن 620 مليون دولار".
واعتبر رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان بعد زيارته رئيس مجلس النواب نبيه بري، أن "الحقوق محقة. وناسنا وشعبنا انتظروا طويلاً الفرج. فهل من المفيد فرض ضرائب جديدة؟ وهل ذلك يؤمن المصلحة العامة؟ فالمطلوب التأنّي وتأمين الإجراءات الاستثنائية للقطاع العام، ولكن وفق دراسة شاملة وإصلاح كامل وشامل". وقال إن "ما وعدتنا به الحكومة في مجلس النواب كان مختلفاً. وقد تعهّدت بزيادات للعسكريين والقطاع العام تؤمن الاستمرارية ولا تضع الموظف والعسكري والأستاذ بوجه الناس، ولا تحمّل الخزينة كلفة كبيرة".
وحذّر نائب رئيس حزب "القوات اللبنانية" رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان من "انعكاسات سلبية للقرار على الناس، وكأن الحكومة أعطت بيد وأخذت باليدين"، وأشار إلى أن وزراء "القوات" في الحكومة "عارضوا بشدة هذا القرار وطالبوا بتأجيله لدراسته أكثر، ولكن هناك تسرّع في الحكومة يحصل وعدم الاستماع إلى الرأي الآخر، والنتيجة التي رأيناها اليوم من ردة فعل محقة عند كل الناس"، ودعا الحكومة إلى "إعادة النظر في هذه الزيادة ودراسة الإيرادات والجبايات المتأخرة لتأمين التمويل دون تحميل الناس أعباء إضافية".
كما أن رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل رفض "الضرائب لتمويل زيادات على رواتب القطاع العام قبل القيام بإصلاح فعلي وشامل لهذا القطاع وتنقيته من الوظائف الوهمية وإعادة هيكلته على أسس الكفاءة والشفافية"، مضيفاً، "تؤكد كتلة نواب الكتائب أنها ستصوّت ضد أي زيادات ضريبية من هذا النوع في مجلس النواب".
في الوجهة الأخرى للمشهد اللبناني، أفادت مراسلة "النهار" في باريس رندة تقي الدين أن المؤتمر التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني سيعقد يوم 24 شباط/ فبراير في القاهرة، وسيمثّل فرنسا في الاجتماع المبعوث الرئاسي الوزير جان إيف لودريان. وتتوقع مصادر معنية تحصيل مستوى جيّد من الدعم للجيش اللبناني، ليس فقط مالياً بل أيضاً بالمعدات وأن مواقف الدول من هذا الدعم ستعلن في مؤتمر الدعم في باريس في 5 آذار. وأكدت المصادر أن السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى سيمثّل الولايات المتحدة في مؤتمر باريس، إذ هو الآن المسؤول الأساسي عن الملف اللبناني والداعم للجيش، خصوصاً أنه تم الإعلان من جانب الجيش عن تنفيذ خطة جنوب الليطاني ونيّته استكمالها في الشمال خلال أربعة إلى ثمانية اشهر.
إلى ذلك، توقعت المصادر أن تجرى مفاوضات لبنانية- إسرائيلية خارج الميكانيزم نتيجة الضغط الأميركي استجابة لما تريده إسرائيل لكن لم يظهر بعد من سيشارك في المحادثات عن الجانب الإسرائيلي.
أما بالنسبة للانتخابات التشريعية في لبنان وعدم التأكد من موعدها وعدم ضغط الدول الأساسية لإجرائها، فترى بعض المصادر أن بعض الدول وفي طليعتها الولايات المتحدة وربما السعودية تفضل أن تجري الانتخابات بعد انتهاء مرحلة حصر سلاح "حزب الله" لإضعافه انتخابياً.
يشار إلى أن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن أمس "أن بقاءنا في النقاط الخمس في جنوب لبنان لم يكن جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار، لكنّنا فرضناه على أرض الواقع وقبل به الأميركيون. وقال: "لن ننسحب من لبنان طالما يمتلك "حزب الله" سلاحا".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|