الشيخوخة في لبنان مرحلة قلق وعوز...
كبار السن في لبنان، جيل عاش تاريخ هذا البلد بكل تحولاته، غير أن سنواته الأخيرة تحولت إلى حصاد أزمات لا تنتهي، تتشابك فيها الانهيارات الاقتصادية، مع غياب حماية اجتماعية فعلية. فالمعاشات التقاعدية التي شكلت يوما ملاذا آمنا بعد عقود من العمل، أضحت رمادًا يتطاير مع كل أزمة مالية أو نقدية جديدة، ما يترك الكثير منهم وحدهم، أمام واقع يسرق آخر مدخراتهم وأيامهم ، حتى بات كل يوم يمر عمرا إضافيا من القلق والعوز.
ومع تآكل القدرة الشرائية، وغياب سياسات دعم مستدامة، وانهيار القيمة الفعلية للرواتب التقاعدية، تحولت الشيخوخة إلى عبء اقتصادي، بدل أن تكون مرحلة استقرار وكرامة.
الشيخوخة بالأرقام
الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين كشف أن عدد المسنين الذين تجاوزوا سن الـ 64، بلغ عددهم 851,258 ألف شخص أي ما يقارب 15% من السكان"، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه النسبة إلى أكثر من 20% بحلول 2050 ، مع استمرار التغير الديموغرافي وهجرة الشباب إلى الخارج.
من جهتها، أشارت مسؤولة شؤون السكان في "الإسكوا" سارة سلمان إلى أن "لبنان يشهد أسرع التحولات نحو الشيخوخة في المنطقة العربية، ما يضعه أمام تحد اجتماعي واقتصادي متفاقم في السنوات المقبلة".
ورغم أن هذه النسبة هي الأعلى عربيا، لا يزال لبنان من أضعف البلدان في المنطقة في تأمين الحماية الاجتماعية لكبار السن. وبحسب منظمة "العمل الدولية" فإن نحو 80% من كبار السن في لبنان، لا يستفيدون من أي معاش تقاعدي أو تغطية صحية من الدولة، ما يدفعهم إلى الاعتماد بشكل شبه كامل على أسرهم، أو مدخرات فقدت قيمتها بفعل الانهيار المالي.
قصص موجعة
ولا تختصر أزمة الشيخوخة في لبنان بالأرقام، بل تتجسد في قصص يومية موجعة.
أبو عماد البالغ من العمر 80 عاما، قضى أكثر من أربعة عقود في قطاع البناء، معتقدا أن تعويض نهاية خدمته سيكفل له شيخوخة هادئة ، إلا أن مدخراته تآكلت مع الأزمة، وبات عاجزا عن سحب ما يكفي لتغطية نفقات دوائه.
اليوم يضطر ابو عماد إلى المفاضلة بين شراء العلاج وتأمين الطعام، فيما تتجاوز كلفة علاج زوجته المريضة ما يتقاضاه من مساعدات متقطعة، ويقر بأن أصعب ما يثقل كاهله ليس العوز المادي فحسب، بل الشعور بأنه أصبح عبئا على أولاده.
برامج وخطط تطويرية
استجابة لهذه الأوضاع، بادرت وزارة التنمية الاجتماعية "الشؤون الاجتماعية" مع شركائها هذا العام إلى ورش عمل للمساعدة. فأكد مصدر في الوزارة أن "الوزارة تعمل على خطط تطويرية، لكن الأزمة المالية والبيروقراطية تبطئ العملية. وهدفنا هو أن يعيش كل مسن بحرية وكرامة، وهذا يتطلب تعاون كل الجهات الرسمية والخاصة".
وأضاف أن "برنامج "أمان" يشمل كبار السن من الفئات الأشد فقرا ، بدلا من اقتصاره على فئات عمرية محددة فقط".
الحاجة إلى إصلاح شامل
قصة العم أبو عماد ليست استثناء، بل نموذج يتكرر في مناطق عديدة ، حيث يعيش كثير من المسنين على دعم أبنائهم، أو على إعانات محدودة في ظل غياب شبكة أمان رسمية تحميهم من الفقر. فلسان حالهم اليوم يؤكد أن المشكلة لا تكمن في وجود معاشات فحسب، بل في قدرتها على تأمين حياة كريمة .
فالحلول المطروحة حتى الآن لا تزال مؤقتة ومجزأة، فيما تعتمد أنظمة الضمان الاجتماعي في معظم الدول على مقاربة شاملة، تدمج بين التقاعد والتأمين الصحي ودعم السكن والرعاية الاجتماعية، بما يضمن شبكة أمان متكاملة تحمي الإنسان في أكثر مراحل حياته هشاشة.
هكذا تحولت الشيخوخة في لبنان من مرحلة طبيعية في مسار الحياة، إلى "مرحلة قلق وعوز"، تنتظر إصلاحات جذرية تعيد للمسنين الكرامة والأمان، اللذين يستحقونهما بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|