خصخصة "ليبان تلكوم": استنفار في "أوجيرو"
تتجه الأنظار غداً إلى تحرك تصعيدي ينفذه موظفو هيئة أوجيرو، بالتزامن مع زيارة وزير الاتصالات، حيث أعلنوا عن "يوم غضب ورفض" بوجه الخصخصة العشوائية والمستقبل المجهول، ويترافق التحرك مع توقف شامل عن العمل.
ويأتي هذا التحرك في سياق اعتراضهم على ما يصفونه بتدهور أوضاعهم المعيشية، واستمرار تجاهل مطالبهم المتعلقة بتصحيح أوضاع الهيئة والعاملين فيها، وذلك قبل المضيّ قدماً في تعيين شركة ليبان تلكوم ومنحها مهلة لا تتجاوز عامين تمهيداً للخصخصة الجزئية.
ويضع الموظفون من خلال هذا التصعيد ملف حقوقهم في صدارة الأولويات، محذرين من خطوات أوسع قد تصل إلى الإضراب المفتوح إن لم تلق مطالبهم آذاناً صاغية. فالانتقال المرتقب إلى "ليبان تلكوم" يثير جملة من الهواجس، أبرزها غياب الرؤية الواضحة لطبيعة المهام المستقبلية، والهيكلية الإدارية الجديدة، وآلية حفظ الحقوق المكتسبة وضمان الاستقرار الوظيفي.
ووفقاً لمصادر نقابية، يشعر العاملون بأنهم مقبلون على مرحلة غامضة، في ظل تمسك الوزير بتطبيق المادة 49 بحرفيتها، من دون الالتفات، بحسب رأيهم، إلى جوهرها القائم على صون حقوق الموظفين وضمان عدم المساس بها. ويؤكدون أن "لا انتقال بلا حصانة تشريعية تضمن المكتسبات بتعديل القانون"، مشددين على أن تعويضنا "خط أحمر" ولن نسمح بتبخرها كما تبخرت الودائع، وأن "تثبيت المياومين حل نهائي وشامل"، لافتين الى أن "غياب الميثاق الخطي الملزم يجعل من هذا الانتقال مغامرة تدميرية".
المصادر أكدت لـ"النهار" أن السياسة التي تنتهجها وزارة الاتصالات في مستهل العهد الحالي لرئيس الجمهورية جوزف عون، والمتمثلة في تفعيل القانون رقم 431/2002 بعد انقضاء أكثر من عقدين على صدوره، مغالطة إدارية واستراتيجية جسيمة تتجاهل التحولات الجذرية التي طرأت على قطاع الاتصالات العالمي والمحلي.
فالموضوع لا يتعلق بالموظفين وحسب، وفقاً للمصادر، بل إن "الإصرار على استنساخ المسار الإجرائي الذي وضعه المشرع في عام 2002 عبر تعيين الهيئة المنظمة للاتصالات، ومن ثم تشكيل مجلس إدارة لشركة الاتصالات الوطنية "ليبان تلكوم" تمهيداً لدخول شريك استراتيجي خلال مهلة السنتين القانونية، هو مسار يسيء الى مستقبل قطاع الاتصالات ككل".
تضيف المصادر: "فور تعيين مجلس إدارة "ليبان تلكوم" ندخل في مهلة أقصاها سنتان لإدخال شريك استراتيجي من خلال بيع حصة 40% من اسهم الشركة، وذلك يمثل قفزة في الفراغ وتدبيراً يفتقر إلى أدنى مقومات الجدوى الاقتصادية المعاصرة. فإطلاق المهل الزمنية لدخول الشريك الاستراتيجي قبل تنفيذ خطة متكاملة لاستعادة القيمة السوقية لقطاع الهاتف الثابت والبيانات إلى المستويات التنافسية التي كانت سائدة عند صدور القانون، سيؤدي حتماً إلى تحويل هذا المرفق السيادي إلى ساحة للمحاصصة السياسية والمزايدات الصورية".
وترى أنه "في ظل التآكل الراهن في البنية التحتية وانتشار الشبكات غير الشرعية، لن تجد الشركات العالمية الكبرى أي حافز استثماري حقيقي، بما يفتح الباب أمام جهات، قد تكون منتقاة سلفاً، للدخول في خصخصة نفعية لا تحقق أي قيمة مضافة لا للخزينة ولا لوزارة الاتصالات ولا للمشترك ولا للموظف. فالمنطق السليم والمهني يفرض إجراء مسح شامل لواقع القطاع في عام 2026، لا فقط تقييم الأصول كما يحصل راهناً، وتحديث الأطر التشغيلية قبل التورط في التزامات هيكلية جامدة. فنحن هنا لا نجري عملية تخمين لأصول وتجهيزات ليصار الى طرحها للبيع، في هذه الحالة قد تباع بسعر الخردة".
وبرأي المصادر عينها فإن "المطلوب إعادة إحياء القطاع كما جرى تماماً قبل عام 2002، إذ جرى الاستثمار في القطاع الثابت في الشبكة والتجهيزات من خلال عقود مع كبريات الشركات العالمية آنذاك كإيركسون وسيمنز وألكاتيل منذ عام 1996 حتى صدور القانون عام 2002، أما اليوم فنحن عملياً ندخل شريكاً استراتيجياً إلى خردة الاتصالات، فماذا ننتظر من النتيجة؟".
وتشبّه المصادر الوضع بملعب كرة القدم، حيث الملعب والفريقان المتباريان هما الشبكة الثابتة وشركات الانترنت الشرعية وغير الشرعية بما في ذلك أوجيرو، ويشبه الأمر نزول الحَكم (الهيئة المنظمة) بصفارته إلى ملعب تملأه الحفر وتغيب عنه الخطوط الفاصلة، ليجد نفسه أمام لاعبين بصفوف مبعثرة وثياب مختلطة الألوان تمنع تمييز الهويات بين لاعب من هذا الفريق او ذاك. إن غياب جهوزية الميدان يحوّل دور المنظم من رقيب استراتيجي إلى شاهد صوري يشرعن الفوضى في فضاء يفتقر إلى أدنى مقوّمات اللعبة الشرعية والقيمة الفعلية للملعب الشرعي وجميع مكوناته.
فتعيين "حَكَم" لمراقبة سوق غير مكتمل المعالم، وانتداب "مجلس إدارة" لشركة لم تُسترد قيمتها الدفترية والسوقية بعد، هو بمثابة إهدار متعمد للأصول العامة.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتهيئة "أرضية الملعب" تقنياً وقانونياً لضمان استقطاب استثمارات نوعية، وإلا فإن الاستمرار في هذا المسار الإجرائي سيكرّس واقعاً مشوّهاً يشرعن التفريط بمقدّرات الدولة تحت غطاء تطبيق قانون تجاوزته الحقائق التقنية والزمنية.
تخلص المصادر إلى مناشدة مقام رئاسة الجمهورية، استكمال اللقاء المثمر الذي عُقد أخيراً مع النقابة، بضرورة التدخل العاجل لتصويب المسارات الراهنة في قطاع الاتصالات. وتأتي هذه الدعوة انطلاقاً من الحرص الوطني على صون الإنجازات النوعية التي ميّزت انطلاقة العهد، وتحذيراً من مغبّة استغلال الثغرات التنظيمية الحالية لتمرير مشاريع قد تُحسب تاريخياً كممارسات تقوّض أصول الدولة السيادية. إننا، إذ نعوّل على حكمة الرئاسة في تكريس هذا العهد كحقبة للإصلاح الهيكلي الحقيقي، نؤكد أن حماية مقدّرات قطاع الاتصالات وضمان قيمته السوقية العادلة هما الحصن المنيع ضد أي تفريط بممتلكات الدولة، والتزاماً بالنهج الذي يتطلع إليه اللبنانيون جميعاً.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|