إقتصاد

المالية العامة: لماذا لا تعبّئ الدولة "كنزها الحربي" المزعوم في الموازنة؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ما إن أُعلنت في 16 شباط الإجراءات الضريبية المقترحة لتمويل زيادة الرواتب الموعودة، ولا سيما فرض رسوم إضافية على البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%، حتى أثارت موجة انتقادات واسعة من النقابات والنواب والرأي العام الذي يعاني أصلاً من تآكل قدرته الشرائية.

وترافق ذلك مع تساؤلات متكررة: لماذا تطلب الدولة المزيد من الضرائب من المواطنين في حين أنها تمتلك «فوائض» لدى مصرف لبنان؟ ولماذا تُثقل الضرائب غير المباشرة كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة بدلاً من إطلاق إصلاح ضريبي يستهدف أصحاب الدخل المرتفع وأرباح الشركات ورؤوس الأموال؟

الأرقام المتداولة مصدرها الميزانية الشهرية لمصرف لبنان. فبحلول منتصف شباط بلغت حسابات القطاع العام لدى المصرف المركزي نحو 820 ألف مليار ليرة، أي ما يقارب 9.2 مليارات دولار وفق السعر المعتمد. غير أن هذا الرقم لا يشكل «كنزاً حربياً» فعلياً، لأنه يشمل أموالاً تعود لمؤسسات عامة مستقلة مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والبلديات ومؤسسة كهرباء لبنان وقطاع الاتصالات. كما أن الجزء القابل للاستخدام لا يمكن إنفاقه بلا مخاطر.

عقبتان أساسيتان

العقبة الأولى تتعلق بالاستقرار النقدي. فالإنفاق الكبير بالليرة سيزيد الكتلة النقدية المتداولة، ما يؤدي غالباً إلى ارتفاع الطلب على الدولار، وبالتالي الضغط على سوق الصرف وإضعاف سعر العملة. وقد عايش لبنان بالفعل انهيار نظام سعر الصرف الثابت الذي استمر بين عامي 1997 و2019 وساهم في تفاقم الأزمة المالية والمصرفية.
ومنذ عام 2023 يحذرصندوق النقد الدولي من العودة إلى ربط جامد للعملة. وكانت المصرفية المركزية قد طرحت فكرة آلية أكثر مرونة عبر منصة بلومبرغ لتنظيم تداول العملات، قبل أن تتراجع عنها من دون توضيح علني.

العقبة الثانية ترتبط بطبيعة هذه «الفوائض». فالموازنة لا تعكس كل الالتزامات المتراكمة، مثل الديون المستحقة لـلعراق مقابل تزويد لبنان بالفيول، والمتأخرات للصناديق الاجتماعية والبلديات، إضافة إلى تعليق سداد سندات اليوروبوندز وما يفرضه ذلك من إعادة هيكلة مرتقبة للدين الخارجي، فضلاً عن مساهمة الدولة المتوقعة في تغطية جزء من عجز المصرف المركزي.

وهناك عنصر آخر أقل وضوحاً: جزء من الفوائض بالليرة الناتجة عن الإيرادات الضريبية يُستخدم – بالتنسيق مع المصرف المركزي – لشراء دولارات وتعزيز الاحتياطات بالعملات الأجنبية، والتي تُستخدم بدورها لتمويل السحوبات الجزئية للمودعين وفق التعميمين 158 و166، إضافة إلى دفع جزء من رواتب القطاع العام بالدولار.

عوامل عدم الاستقرار

يثير ذلك سؤال الاستدامة. فهل يمكن لسعر الصرف، المستقر نسبياً حول 89,500 ليرة للدولار، أن يبقى عند هذا المستوى من دون نظام واضح أو مرجعية موثوقة؟ تجارب دول مثل مصر والأرجنتين وسري لانكا تظهر أن صندوق النقد غالباً ما يطالب بتعويم أوسع للعملة. والدفاع عن سعر صرف بلا أساسات اقتصادية متينة يعني عملياً استخدام أموال دافعي الضرائب لتأجيل التصحيح.

كما تعكس السياسة النقدية حالة عدم الاستقرار هذه. فندرة الليرة في السوق أدت إلى تقلبات حادة في سعر الفائدة بين المصارف، إذ هبط من 34% في كانون الأول إلى 4% بعد أسابيع قليلة. وهذا التذبذب يضعف قدرة المصرف المركزي على ضبط التضخم الذي يقترب من 16% وقد يرتفع أكثر مع زيادة أسعار الطاقة والضريبة على القيمة المضافة.

في الوقت نفسه، تتوسع الدولرة عملياً: الدولة تدفع جزءاً متزايداً من نفقاتها بالدولار، فيما تبقى الليرة العملة الرسمية نظرياً. وبعد الزيادات الأخيرة، تجاوزت كلفة كتلة الأجور السنوية 3.8 مليارات دولار، أي نحو 60% من الموازنة.

ويطرح أحد المتعاملين في سوق الصرف سؤالاً: ماذا سيحدث إذا تراجعت تدفقات الدولار، كما حدث خلال تصاعد المواجهات بين حزب الله واسرائيل أواخر عام 2024؟
كما أن لبنان ما زال مدرجاً على اللائحة الرمادية لـلفاتكا، ما يفرض تدقيقاً أكبر في التعاملات المالية معه وقد يبطئ التحويلات ويزيد هشاشة النظام.

مسألة المصداقية

في هذا السياق، تكتسب اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي في نيسان أهمية حاسمة، إذ يُفترض أن يقدم لبنان إطاراً مالياً متوسط الأجل يحدد مسار الإيرادات والنفقات والعجز والدين العام لعدة سنوات بهدف استئناف المفاوضات.

وسيتعين أن يستند هذا الإطار إلى فرضيات اقتصادية واضحة: سياسة سعر الصرف، مسار التضخم المتوقع، آفاق النمو، والتناسق بين هذه العناصر. فالصندوق لا يبحث فقط عن توازنات محاسبية، بل عن استراتيجية متكاملة للاستقرار النقدي والإصلاح المالي، تشمل إصلاحاً ضريبياً ذا مصداقية يستهدف الفئات الأكثر ثراءً.

كما يجب أن يدمج الإطار جميع الالتزامات المتراكمة، والقروض التي حصل عليها لبنان خلال الأزمة – ولا سيما من البنك الدولي – إضافة إلى احتياجات تمويل مستقبلية تُقدّر بين 10 و15 مليار دولار. والهدف النهائي هو تحقيق فائض أولي يعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي، باعتباره شرطاً أساسياً للتعافي.

باختصار، المطلوب الانتقال من إدارة قصيرة الأجل تعتمد على إجراءات نقدية مؤقتة وتدفقات دولارية غير مؤكدة، إلى بنية مالية متماسكة ومستدامة. وإلا ستبقى «الفوائض» المتداولة مجرد سراب سيولة في مشهد مالي يعاني ضعفاً هيكلياً عميقاً.

منير يونس- لوريان لوجور

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا