الصحافة

نواف سلام وانفصام الدولة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

رغم أهمية القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء، وخصوصًا تصنيف ميليشيا "حزب الله" كجماعة خارجة عن القانون، بما يشكل استمرارًا للمسار الناشئ منذ جلسة 5 آب 2025، إلا أن ثمة معضلات جوهرية تجبهها عملية تحويلها إلى آليات تنفيذ جدية ومستدامة، أبرزها على الإطلاق الشخصية العامة للدولة نفسها، والمتشكلة من عادات وأنماط سلوك وآليات تفكير تعدّ أصل العلة في الوقت الراهن.

ما حصل في مجلس الوزراء بين رئيس الحكومة وقائد الجيش يختزل الصدام بين مساعي السلطة الجديدة المتكونة من رئيسي الجمهورية والحكومة لمواءمة المتغيرات مع شخصية عامة متجذرة في بنية المؤسسات، لتمسي الدولة وكأنها تعاني من حال انفصام مزمن. في ظل كل التحولات التي تمر بها المنطقة، ليس معقولًا أن يغدو الرئيس نواف سلام وكأنه يمشي وحيدًا على الجمر.

فالأساس من صرخته كان إعادة التذكير بأساسيات الدولة الديمقراطية، والبديهيات التي ينبغي أن نكون تخطيناها، أكان برفض مفهوم "الأمن بالتراضي" وتواليًا أي تنسيق للجيش والأجهزة الأمنية مع "الحزب"، أو التنبيه إلى أن الإجماع بدعة غير دستورية تقيد العمل السياسي للسلطات المنتخبة.

في حين أن رئيس الجمهورية يسعى لإحداث التوازن بين الشخصية المتكلسة وتلك المراد ترسيخها في هذه المرحلة الانتقالية، فيتقدم خطوات واسعة ثم يعود ليفسح المجال أمام بنية المؤسسات لمواكبته، أو يترك لرئيس الحكومة قول ما يجب قوله بغطاء منه، ولا سيما أنه قادم من رحم المؤسسات ويعلم مدى تأثير الشخصية القديمة على هياكلها.

كل من أتيح له الاحتكاك بمؤسسات الدولة من أي مستوى كان يعلم أن ما نطق به العماد رودولف هيكل حول "الإجماع" و "التنسيق مع الحزب" يعبر عن جوهر القناعة السائدة لدى قيادة الجيش والأجهزة الأمنية وكبار ضباطها وإدارات الدولة وسلطاتها القضائية ونخبها السياسية، والتي تشكل ما يمكن اعتباره ميثاق عمل غير مكتوب له ماضٍ داخل المؤسسة. هناك بنية كاملة في المستويات السياسية والإدارية والأمنية والعسكرية، تشمل جميع الطوائف والمناطق، اعتادت التعامل مع "الحزب" على أنه أمر واقع ليس له من دافع.

يمكن أن نرى تأثير هذه الشخصية في تعامل عدد من الوزراء مع الواقع الراهن والمسائل السياسية بشكل أقرب للحياد السلبي، بحيث تظهر فجوة هائلة بينهم وبين رئيس الحكومة، كما هي الحال مع وزيرة التربية مثلًا، وكيفية إدارتها للأزمة في الجامعة اللبنانية والأزمة الحالية.

وكذلك في تعامل القضاء والأجهزة الأمنية مع كل من تشمله رعاية "الحزب"، من المراكز الأمنية وتشكيلاته المسلحة، إلى الركون للأطواق الأمنية التي يضربها وعدم تجاوزها في العديد من الأمكنة والمناسبات، وصولًا إلى الهيمنة الرقابية التي يفرضها على مراكز الإيواء حتى على ألسنة النازحين، وعمليات الترهيب لإسكات وإخضاع الجميع، والتي يمارسها على كل من سوّلت له نفسه الاعتراض على التضحية بالأرواح والأرزاق والمعيشة كرمى نظام "آيات الله".

وفيما تثبت مؤسسات الدولة قدراتها على القيام بعمليات استباقية، وتأديب كل من يطلق رأيًا أو فكرة لا تنسجم مع الشخصية العامة المتكلسة، نجد أنها عاجزة حتى عن محاكمة أو جلب شخصيات هامشية، بعضها لا ينتمي لـ "الحزب" مباشرة بل يستفيد من سلطانه، مثل جلاوزة "سرايا المقاولة" وبعض الميليشيات الرديفة. حتى حينما يجري توقيف أشخاص تابعين له، يسارع بعض "حجيجه" للتدخل بسلاسة بالارتكاز على الشخصية إياها لصياغة التخريجات المناسبة. والأمثلة كثيرة نذكر منها قاتل الجندي في الكتيبة الإيرلندية.

هذا الانفصال المزمن في شخصية الدولة يظهرها بصورة العاجزة إزاء الاعتداء على سيادتها، واستهدافات "الحزب" التي تطول سيادة دول أخرى مثل قبرص. إذذاك يمسي لسان حال الشخصية المتكلسة وكأنه ينطق بما قاله بنو إسرائيل لنبي الله موسى "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" في ظل أن القرارات التي تمت بالتنسيق مع واشنطن والعواصم المعنية غايتها حماية المرافق الحيوية.

التعامل مع هذا الانفصام المزمن ربما يحتاج نقلة من خارج الصندوق مثل تلك التي قالها الرئيس نواف سلام عقب جلسة الحكومة بإبداء الاستعداد للتفاوض المباشر مع إسرائيل، والاستناد إلى مظلة دعم دولية وعربية للعمل على إيقاف هذا الجحيم في ظل المعطيات التي وصلت للمقرات السياسية وتشير إلى أن جنوب الليطاني ليس وحده في خطر.

سامر زريق - نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا