بزشكيان يعتذر لدول الخليج.. ما الذي قلب المعادلة؟
كانت أصوات اعتراض الصواريخ تُسمع في العديد من المدن الخليجية، عندما خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان معتذرًا للدول المجاورة، قائلاً إن مجلس القيادة المؤقت في إيران وافق على عدم مهاجمتها.
لم يتأخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتعليق، فزاد على الاعتذار العلني لبزشكيان أن إيران "استسلمت" لجيرانها في الشرق الأوسط.
التصريحان أحدثا مفاجأة عاكست توقعات كثيرين، بعدما كثرت مؤشرات سعي طهران لإطالة أمد الحرب واستنزاف دول الخليج. فهل أتى الاعتذار في إطار مناورة كلامية من الجانب الإيراني تُعاكس التصرفات على الأرض، أم أنها انعطافة حقيقية تشي بتغير الحسابات؟
فتحت إيران النار وطالت صواريخها ومسيراتها المدن الخليجية مباشرة بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. بمجرد ما انطلقت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، اتّضحت بنوك أهداف طهران الواسعة على امتداد دول الخليج. عدم مشاركة الدول الخليجية في الهجمات على الأراضي الإيرانية لم يعفِها من هجوم واسع.
أتى المشهد كتطبيق حرفي لاستراتيجية كان المرشد قد وضعها في حال استهدافه وعنوانها: إنقاذ النظام في إيران يأتي أولًا.
قامت الاستراتيجية الإيرانية على إيلام دول الخليج عسكريًا واقتصاديًا، ودفع الأخيرة إلى الطلب المباشر من الولايات المتحدة، وعبرها من إسرائيل، وقف الضربات على إيران.
افترضت هذه الخطة الإيرانية النجاح المحقق في إصابة أهداف حساسة أولًا داخل البلدان العربية علاوة على إغلاق مضيق هرمز. كما بُنيت في خطوطها العريضة على استهداف بنى تحتية حساسة للنفط والاتصالات وتخزين الطاقة وغيرها. أما العامل الحاسم في "الوصاية الخامنئية" كان الرهان على نشر الفوضى والدمار في شوارع المدن الخليجية لإرباك إدارتها والحياة اليومية فيها. غير أن حسابات المرشد السابق، خالفتها استعدادات المسؤولين الخليجيين.
لم تنفِ دول الخليج أنه مع كل يوم حرب، تتكبد خسائر مادية واقتصادية جمّة، لكن هذه الحسابات شكّلت جزئية قابلة للاستيعاب، تحديدًا في الدول التي لا تعاني ميزانياتها من مشاكل سابقة للحرب.
كما لم تنف جهات عدة المفاجأة من حجم الهجوم الإيراني "لم نعتقد أن إيران ستخاطر حقًا بعلاقاتها مع كل جيرانها" على ما يقول مسؤول إماراتي ويضيف "لكن الزمن أثبت أننا كنا مستعدين له".
ما قلب الحسابات أيضًا، يعود وبدرجة كبيرة إلى فاعلية الدفاعات الخليجية، تحديدًا في الإمارات العربية المتحدة التي تلقّت أكبر عدد من المسيرات والصواريخ البالستية وغيرها. يعلّق مسؤول إماراتي: "لم يتوقعوا أن تُبلي الدفاعات الجوية في الخليج بلاءً حسنًا، دفاعنا الجوي قام بعمل رائع ولدينا نظام (دفاع جوي) متعدد الطبقات".
حققت الدفاعات نجاحات استثنائية في نسب الاعتراض، ما ساهم في إفشال شرط أساسي عوّل عليه النظام الإيراني لإنجاح خطته. كما فقد النظام بعد استهدافه بلدانًا مسالمة، أيّ تعاطف ممكن من قبل شريحة كان يمكن أن تميل إليه كونه يتعرض إلى هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك.
هكذا، انقلبت الآية، وأصبح للاستنزاف ثمن يدفع من الجانب الإيراني أيضًا. هذه المعطيات ترجّح دفعَ أصحاب القرار الحاليين في طهران إلى تعديلات قد توحي بتغيّر في التكتيك، لكن التعديلات هذه، إن طُبقّت فعلًا، لن تخرج أبدًا عن "وصية" خامنئي: بقاء النظام هو الأولوية المطلقة.
بحسب القراءة الحالية، فإن المسألة لم تتعلق يومًا بمصلحة إيران، بل كان الأمر دومًا يتعلق ببقاء النظام، وبالتالي، فمن غير المستبعد أن تبحث القيادة المؤقتة أو كائنًا من كان في سدة الحكم في طهران الآن، عن طريق عودة سياسية لفك العزلة. هذا يمر بالتراجع عن ضرب دول الجوار تمهيدًا إلى رجوع إلى طاولة المفاوضات، ولو أنها، بلا شك، ستكون عودة من موقع أضعف بكثير إيرانيًا.
اتصالات لاريجاني.. من يرفع السمّاعة؟
لم تتوقف الصواريخ الإيرانية على دول الخليج بعد اعتذار بزشكيان، لكن في حال تُرجم اعتذاره بشكل جدي على الأرض خلال الأيام المقبلة، فإن ذلك يعني حكمًا إيقان طهران أنها في حاجة إلى إعادة قنوات الاتصال مع دول الخليج، وبينها من تولى سابقاً الوساطة مع واشنطن مثل قطر وعُمان.
حتى اللحظة، قوبلت تصريحات بزشكيان في الداخل الإيراني بردود فعل تشي بانعدام التنسيق. أبرز تضارب صارخ كان لرئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، الذي أكد أن "الهجمات القوية على الأهداف في دول الجوار ستتواصل، وهذه هي الاستراتيجية المعتمدة حاليًا، والحكومة والأركان الأخرى لنظام الحكم مُجمعة على ذلك".
الشرخ العميق في التصريحات والأفعال الإيرانية، سيعمّق نفاد الصبر الخليجي. بعدما انتهت صلاحية "ثنائية" إيرانية صارخة تمثلت لسنوات في تباين بين الكلام والأفعال، وفي هذه الحالة بين تصريحات تقول إن الضربات تخص أهدافًا أمريكية بحتة، وبين ممارسات عسكرية توسع دائرة الاستهدافات.
الضربات الإيرانية حرقت بلا رجعة ورقة "تكتيك" ديبلوماسي إيراني متبع كان قد أتى بأكله على مدى سنوات، سواء في ما خص برنامج الصواريخ والنووي، أو في لبنان مثلاً بخصوص سلاح حزب الله، أو في العراق حول دور بعض الفصائل التابعة لإيران.
ترجم هذا "اليقين" الخليجي رمزيًا عبر عدة تبعات، مثل غياب أي اتصالات معلنة بين الجانب الإماراتي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني مثلاً، بعدما كان الأخير قد استُقبل بإيجابية في عواصم عدة بينها أبوظبي أيامًا قليلة قبل الحرب.
كما يمكن وضع ردة فعل رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني على تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الإطار نفسه، بعدما قال عراقجي إن المستهدف هي القواعد الأمريكية بينما كانت قطر نفسها ترد هجمات صاروخية إيرانية. الدوحة ردت مفندةً بشكل يُفسّر رفضها آنذاك إيصال أية رسائل قبل وقف الهجمات.
لا اتفاق حول النووي بلا البالستي
انقطع التواصل الدبلوماسي مع عدد من العواصم العربية، وبات من حكم الاستنتاج المنطقي أن هذه الدول لها مطلب واضح في أية مفاوضات مقبلة.
على عكس الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تعلق الدول العربية على مسألة من سيحكم إيران في المرحلة المقبلة، وبعضها يتريث بانتظار تقييم واضح للأهداف التي تم تحقيقها عسكريًا في الهجوم الأمريكي الإسرائيلي داخل الأراضي الإيرانية. لكن الأكيد، أن الخليج يريد ضمانة واضحة وهي أن الصواريخ البالستية، لن تكون خطرًا عليه بغض النظر عن من سيكون الشخص التالي في سُدّة الحكم في إيران.
بحث البرنامج النووي على حدة لم يكن كافيًا سابقًا، وبالتأكيد لم يعد مقبولًا في المرحلة المقبلة، سواء أتت خلال أسابيع أو أشهر: "أية تسوية تفاوضية مع إيران لن تكون محدودة بالجانب النووي. الصواريخ الآن في قلب المسألة لأنها لم تعد للدفاع عن النفس"، يؤكد مسؤول إماراتي. بمعنى آخر، ضمان سلامة دول الخليج وأمنها ستكون مطلبًا مدونًا في أية تفاقية لاحقة.
بانتظار إحصاء عدد الرشقات الإيرانية نحو دول الخليج، لمعرفة أي التيارين له كلمة الفصل مؤقتًا في إيران، ذلك الداعي لتخفيف الضربات على الجيران لأن "النظام أولاً"، أم الآخر الداعي إلى الاستمرار باستهداف دول يتهمها أنها "في تصرّف العدو"، تسجّل دول الخليج مجتمعة نجاحًا أكيدًا واحدًا للاستراتيجية الإيرانية: حُسم الجدل، إيران تشكل حقًا خطرًا على دول الخليج.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|