الجنوب رهينة الوقت: مَن يفرض الشروط؟
تتحرّك باريس مجدداً على خط الأزمة اللبنانية – الإسرائيلية، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة تتجاوز إدارة التصعيد إلى محاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك سياسياً. في هذا السياق، تبدو جولة وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو المرتقبة محاولة لفرض إيقاع ديبلوماسي موازٍ للميدان، حيث لم تعد المعركة محصورة بالردع العسكري، بل باتت مفتوحة على إعادة ترتيب التوازنات الداخلية والإقليمية.
لا يقتصر الطرح الفرنسي، كما يُفهم من التصريحات والتسريبات، على وقف النار، بل يسعى إلى إدخال لبنان في مسار سياسي جديد عنوانه إنهاء حال الحرب مع إسرائيل، ولو بصيغة غير مباشرة. يعكس هذا الطموح إدراكاً أوروبياً بأن استمرار المواجهة الحالية يستنزف الدولة اللبنانية ويُضعف ما تبقى من مؤسساتها، في وقت يتعذر فيه تحقيق حسم عسكري ضد حزب الله.
في المقابل، تحاول باريس تقديم نفسها كوسيط متوازن، قادر على مخاطبة جميع الأطراف، وهو الدور الذي يروّج له أيضاً الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر قنواته المفتوحة مع القوى الإقليمية. إلا أن هذا التموضع يصطدم بعقبتين أساسيتين:
أولاً، الشكوك الإسرائيلية في أي مبادرة لا تمنحها مكاسب أمنية واضحة وسريعة.
وثانياً، التعقيدات اللبنانية الداخلية، حيث يرتبط ملف سلاح الحزب بتوازنات سياسية وطائفية دقيقة لا يمكن تفكيكها بضغط خارجي فقط.
الأهم أن الحديث عن "نزع سلاح منظم" يطرح إشكالية التنفيذ. فالدولة اللبنانية، رغم الدعم الدولي، لا تمتلك حتى الآن القدرة العملية ولا الإجماع السياسي لفرض هذا الخيار، خصوصاً في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية. وهنا يبرز التناقض الذي أشار إليه الموفد الرئاسي جان إيف لو دريان، إذ لا يمكن مطالبة لبنان بخطوات سيادية كبرى تحت ضغط الحرب، مما يجعل أي جدول زمني طموح أقرب إلى الطرح النظري منه إلى خطة قابلة للتطبيق.
في موازاة ذلك، تبدو إسرائيل أكثر ميلاً إلى كسب الوقت، مستفيدة من التفوق العسكري لفرض وقائع ميدانية جديدة في الجنوب، وهو ما يضعف فرص نجاح المبادرة الفرنسية في المدى القريب. فالتجارب السابقة أظهرت أن تل أبيب تفضّل ترجمة إنجازاتها العسكرية إلى شروط تفاوضية، لا العكس.
بذلك، يُقرأ التحرك الفرنسي كمحاولة استباقية لمنع انزلاق الأمور إلى حرب أوسع، أكثر منه مساراً ناضجاً لتسوية نهائية. فنجاحه يبقى مرهوناً بتقاطع نادر بين الإرادات الدولية والإقليمية، وبقدرة الداخل اللبناني على إعادة تعريف أولوياته السيادية. وحتى ذلك الحين، ستظل المبادرة أقرب إلى إطار نظري لإدارة الأزمة، لا حلّها.
ميرا جزيني -الحدث
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|