الرئيس سليمان: مصالحة الجبل المثال الوطني الأرقى للممارسة السياسية
عودة: نصلي من أجل ان يعضد الله الصامدين المُتمسّكين بأرضهِم
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة، خدمة قداس عيد بشارة السيدة والدة الإله في كنيسة بشارة السيدة في حي الفرنيني. وفي نهاية القداس أقيمت صلاة الشكر بمناسبة العيد الوطني لدولة اليونان في حضور سفيرة اليونان في لبنان وأعضاء الجالية اليونانية.
بـعـد قــراءة الإنجـيـل الـمقـدس ألــقـى عودة عـظة قال فيها: "في هَذا اليَوْمِ المُبارَكِ، نُعَيِّدُ لِسِرٍّ إِلَهِيٍّ عَظِيمٍ، سِرِّ بِشارَةِ والِدَةِ الإِلَهِ الفائِقَةِ القَداسَةِ، العَذْراءِ مَرْيَم، التي ارْتَضَتْ أنْ يَحُلَّ ابْنُ اللهِ الوَحيدُ في أَحشائِها. نُعَيِّدُ لذاكَ الحَدَثِ الَّذي بِهِ بَدَأَ تَحْقِيقُ قَصْدِ اللهِ الخَلاصِيِّ لِلبَشَرِيَّة. فَفِي مِلْءِ الزَّمانِ، أَرْسَلَ اللهُ مَلاكَهُ جِبرائيلَ إلى عَذْراءَ مَخْطوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ داودَ اسْمُهُ يوسُف، لِيُعْلِنَ لَها البِشارَةَ الَّتي تَفوقُ كُلَّ إِدْراكٍ قائِلًا: «السَّلامُ عَلَيْكِ أَيَّتُها المُمْتَلِئَةُ نِعْمَةً، الرَّبُّ مَعَكِ، مُبارَكَةٌ أنْتِ في النِساء... ها أنْتِ سَتَحْبَلينَ وَتَلِدينَ ابنًا وَتُسَمّينَهُ يَسوع» (لو 1: 28و30)، وَبَعْدَما أدْرَكَتْ أنَّ الروحَ القُدُسَ حَلَّ عَلَيْها قَبِلَتْ أنْ يَتَجَسَّدَ ابنُ اللهِ في أحشائها. إِنَّها لَحْظَةُ الْتِقاءِ السَّماءِ بِالأَرْضِ، لَحْظَةُ دُخولِ اللهِ في تاريخِ الإِنْسانِ، لا بِقُوَّةٍ قاهِرَةٍ، بَلْ بِتَواضُعٍ عَجِيبٍ، ومِنْ خِلالِ حُرِّيَّةِ إِنْسانَةٍ بَسِيطَةٍ أَطاعَتْ مَشِيئَتَه".
أضاف: "إِنَّ الكَنِيسَةَ، إِذْ تَتَأَمَّلُ في هَذا العِيدِ، لا تَرَى في العَذْراءِ مَرْيَمَ مُجَرَّدَ أَداةٍ في التَّدْبيرِ الإِلَهِيِّ، بَلْ تَنْظُرُ إِلَيْها كَوَكيلَةٍ أَمينَةٍ في سِرِّ الخَلاصِ، لأَنَّ اللهَ، الَّذي خَلَقَ الإِنْسانَ حُرًّا، لَمْ يَشَأْ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنْ دونِ مُوافَقَتِهِ فاخْتارَ عَذراءَ نَقِيَّةً لِتُمَثِّلَ جِنسَ البَشَر. لِذَلِكَ كانَ جَوابُ العَذراء: «ها أَنا أَمَةٌ لِلرَّبِّ، فَلْيَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ» المِفْتاحَ الَّذي فَتَحَ بابَ التَّجَسُّدِ، وأَدْخَلَ النُّورَ إلى عالَمٍ كانَ قابِعًا في الظُّلْمَةِ وظِلالِ المَوْت. بِطاعَتِها وتَسليمِها الكامِلِ لِمَشيئَةِ الله، عَلَّمَتْنا مَرْيَمُ العَذْراءُ كَيْفَ نَكونُ وُكَلاءَ أُمَناءَ نُحافِظُ على رَبِّ المَجْدِ في داخِلِنا، لِتَصيرَ قُلوبُنا عُروشًا لَه".
وتابع عودة: "يَقولُ القِدِّيسُ إيريناوس أُسْقُف ليون إِنَّ «عِقْدَةَ عِصْيانِ حَوَّاءَ قَدِ انْحَلَّتْ بِطاعَةِ مَرْيَم»، فَكَما أَنَّ الأُولى أَصْغَتْ إلى صَوْتِ الحَيَّةِ وقادَتِ البَشَرِيَّةَ إلى السُّقوطِ، كَذَلِكَ أَصْغَتِ الثَّانِيَةُ إلى صَوْتِ المَلاكِ وصارَتْ سَبَبًا لِلخَلاص. إِنَّنا أَمامَ نَمُوذَجٍ حَيٍّ لِلطَّاعَةِ الحُرَّةِ الَّتي لا تُلْغِي الإِنْسانَ، بَلْ تُدْخِلُهُ في مِلْءِ الحَياة".
واعتبر ان "البِشارَةُ لَيْسَتْ حَدَثًا تارِيخِيًّا نَحْتَفِلُ بِهِ. إنَّها دَعْوَةٌ مُوَجَّهَةٌ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَّا. اللهُ لا يَزالُ يَقْرَعُ بابَ قَلْبِ الإِنْسانِ، ويَنْتَظِرُ جَوابَهُ. كَمْ مِنْ مَرَّةٍ يَمُرُّ صَوْتُ اللهِ في حَياتِنا، بِواسِطَةِ كَلِمَةِ الإِنْجيلِ، ونِداءِ الضَّميرِ، وصَرْخَةِ المُحْتاجِ، لَكِنَّنا نَتَرَدَّدُ أَوْ نُؤَجِّلُ أَوْ نَرْفُض، أَمَّا العَذْراءُ، فَقَدْ قَبِلَتْ، رَغْمَ جَهْلِها الكَيْفِيَّةَ، ورَغْمَ المَخاطِرِ الَّتي كانَتْ تُحِيطُ بِها، ورَغْمَ ثِقَلِ المَسْؤُولِيَّة. إِنَّها تُعَلِّمُنا أَنَّ الإِيمانَ لَيْسَ فَهْمًا كامِلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، بَلْ هُوَ ثِقَةٌ كامِلَةٌ بِالله وَتَسْليمٌ كامِلٌ لِمَشيئَتِهِ. يَقولُ القِدِّيس غريغوريوس بالاماس إِنَّ مَرْيَمَ «لَمْ تَكْتَفِ بِسَماعِ كَلِمَةِ اللهِ، بَلْ حَفِظَتْها في قَلْبِها وصارَتْ هِيَ نَفْسُها هَيْكًلًا لِلكَلِمَة». هُنا، يَكْمُنُ عُمْقُ دَعْوَتِنا المَسِيحِيَّةِ: أَلَّا يَكُونَ الإِنْجيلُ مُجَرَّدَ نَصٍّ نَقْرَأُهُ، بَلْ أَنْ يَصيرَ حَياةً نَعِيشُها، وكَلِمَةً تَتَجَسَّدُ في سُلُوكِنا اليَوْمِيّ، في أقوالِنا وأفْعالِنا. فَكَما حَمَلَتْ مَرْيَمُ المَسِيحَ في أَحْشائِها، نَحْنُ مَدْعُوُّونَ أَنْ نَحْمِلَهُ في قُلُوبِنا، وأَنْ نُظْهِرَهُ في أَعْمالِنا".
أضاف: "إِنْسانُ اليَوْم، الغارِقُ في القَلَقِ والتَّساؤُلاتِ والضُّغوطِ، يَحْتاجُ إلى هَذا النَّمُوذَجِ الحَيّ. هُوَ يَعِيشُ في عالَمٍ مادِّيٍّ يُرَوِّجُ لِلحُرِّيَّةِ وَيُمَجِّدُ الإسْتِقْلالِيَّةَ المُطْلَقَةَ، ويَرَى في الطَّاعَةِ ضُعْفًا، وفي التَّواضُعِ نَقْصًا. لَكِنَّ العَذْراءَ مَرْيَم تَكْشِفُ لَنا أَنَّ القُوَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ في الإتِّكالِ على الله، وأَنَّ الحُرِّيَّةَ الحَقَّةَ تَتَحَقَّقُ عِنْدَما نَنْسَجِمُ مَعَ مَشِيئَتِهِ. فَهِيَ لَمْ تَفْقِدْ شَخْصِيَّتَها بِطَاعَتِها، بَلْ صارَتْ «أَكْرَمَ مِنَ الشِّيروبيمِ وأَرْفَعَ مَجْدًا بِغَيْرِ قِياسٍ مِنَ السِّيرافيم".
وشدد على ان "هَذا العِيدُ يَدْعُونا إلى أَنْ نُعِيدَ النَّظَرَ في مَفْهُومِنا لِلحُضُورِ الإِلَهِيِّ في حَياتِنا. فَاللهُ لَمْ يَأْتِ إلى العالَمِ بِمَجْدٍ ظاهِرٍ، ولا بِجَبَروتِ مُلوكِ الأرض، بَلْ في خَفاءٍ وَاتِّضاعٍ، في أَحْشاءِ عَذراء. هَكَذا هُوَ يَعْمَلُ في حَياتِنا، في الأُمورِ الصَّغِيرَةِ، والتَّفاصِيلِ اليَوْمِيَّةِ، واللِّقاءاتِ البَسِيطَة. لَكِنَّنا كَثِيرًا ما نَبْحَثُ عَنْهُ في الأُمورِ العَظِيمَةِ ونَغْفَلُ عَنْ حُضُورِهِ القَرِيب. فَلْنَتَعَلَّمْ مِنْ مَرْيَمَ أَنْ نَكُونَ يَقِظِينَ، مُصْغينَ، ومُسْتَعِدِّينَ لِنَقُولَ "نَعَمْ" للهِ في كُلِّ لَحْظَةٍ".
أضاف: "فيما نَحْتَفِلُ بِهَذا العِيدِ المَجِيدِ، نُهَنِّئُ إِخْوَتَنا أعضاءَ الجالِيَةِ اليُونانِيَّةِ، وعلى رَأْسِهِم سَعادَةُ السَّفيرَةِ ذِيسبينا كوكولوبولوس، الَّذين يَحْتَفِلُونَ اليَوْمَ بِعِيدِهِم الوَطَنِيّ. إِنَّ تَلاقي هَذا العِيدِ الكَنَسِيِّ مَعَ عِيدٍ وَطَنِيٍّ يُذَكِّرُنا بِأَنَّ الإِيمانَ لَيْسَ مُنْفَصِلًا عَنْ حَياةِ الشُّعوبِ، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ تُلْهِمُ الشُعوبَ في مَسِيرَتِها نَحْوَ السَلامِ وَالحُرِّيَّةِ وَالكَرامَة. نُصَلِّي مِنْ أَجْلِ أنْ يُبارِكَ الرَّبُّ الشَّعْبَ اليُونانِيّ ويَحْفَظَهُ، ويَمْنَحَهُ الثَّباتَ في الإِيمانِ والرَّجاءِ، كَمَا نُصَلِّي مِنْ أَجْلِ جَمِيعِ الشُّعوبِ السَّاعِيَةِ إلى العَدْلِ والحَقِّ والسَّلام.
وقال: "وَفي هذه المُناسَبَة نَرْفَعُ صَلاتَنا مِنْ أَجْلِ عالَمِنا، وبِشَكْلٍ خاص مِنْ أَجْلِ مِنْطَقَتِنا الَّتي تُعانِي مِنْ أَزَماتٍ وصِراعاتٍ وحُروب، وَمِنْ أجْلِ لبنانَ الذي ما زالَ بَنوه يُعانونَ مُنْذُ عُقودٍ، وَيَدْفَعونَ ثَمَنَ أخطاءِ قادَتِهِم. نَطْلُبُ شَفاعَةَ والِدَةِ الإِلَهِ كَيْ يَحِلَّ السَّلامُ في القُلُوبِ أوّلاً، لأَنَّ السَّلامَ يَبْدَأُ مِنَ الدّاخِلِ، مِنْ مُصالَحَةِ الإِنْسانِ مَعَ الله وَمَعَ أخيهِ الإنسان. كَما نَطْلُبُ شَفاعَتَها مِنْ أجْلِ أنْ يَحْفَظَ اللهُ اللبنانيين مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَأذى وأنْ يَعْضُدَ الصامِدينَ المُتَمَسِّكينَ بِأرْضِهِم ويَمْنَحَهُم الصَبْرَ والرَجاءَ، وأنْ يُشَدِّدَ مَنْ أُرغِموا على تَركِ أرضِهِم وبُيوتِهِم والنُزوحِ عَنْها ويُعيدَهُم إليْها سالِمين. لنرفع قلوبنا الى الله، والى العذراء مريم طالبين اليها ان تعلمنا كيف نصغي الى الكلمة الالهية، وكيف نقبل مشيئة الرب، ونحيا ايماننا بصدق وشجاعة. ولتكن كلماتها: "ليكن لي بحسب قولك"، شعار حياتنا، فنصير نحن ايضا ادوات حية لعمل الله في هذا العالم، ونشهد لنوره في كل مكان، امين".
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|