حذف منشور روكز يفتح باب الأسئلة… وهل تضيق هوامش التعبير داخل “معراب”؟
في بلد يتآكل فيه الهامش السياسي يوماً بعد يوم، تحوّل منشور عادي على وسائل التواصل إلى قضية سياسية كاملة الأبعاد. فعضو المجلس المركزي في “القوات اللبنانية” ومنسق صيدا–الزهراني عماد روكز، وجد نفسه في قلب عاصفة، لا بسبب خصومه، بل من داخل بيئته الحزبية.
القصة بدأت بمنشور بسيط في مضمونه، عميق في دلالاته. روكز دعا إلى التعامل مع النازحين الجنوبيين بوصفهم “أهلنا وأبناء وطننا”، مستعيداً خطاب العيش المشترك ووحدة المصير، في لحظة لبنانية مشحونة أمنياً وسياسياً. لكن هذا الكلام، الذي يفترض أن يكون بديهياً، لم يُقرأ بهذه البساطة.
خلال ساعات، اشتعلت حملة انتقادات واسعة، معظمها من داخل البيئة القواتية نفسها. لم يُناقش النص بقدر ما وُضع في خانة سياسية حساسة، وكأن روكز تجاوز الخط المرسوم، أو اقترب من خطاب الخصوم. بعض الردود لم تقف عند حدود الاعتراض، بل ذهبت إلى حد التخوين، في مؤشر واضح على ضيق المساحة المتاحة لأي صوت مختلف، حتى لو حمل طابعاً إنسانياً.
في المقابل، تلقّف جمهور “الثنائي الشيعي” المنشور بإيجابية لافتة، ما زاد من الإحراج داخل “القوات”، إذ بدا وكأن كلام روكز يُستخدم في سياق سياسي معاكس للخط الحزبي. هنا، لم يعد النقاش حول مضمون المنشور، بل حول موقعه وتداعياته.
لكن اللحظة المفصلية لم تكن في النشر، بل في الحذف. قرار روكز إزالة المنشور فتح باباً أوسع من الأسئلة: هل تراجع عن قناعة؟ أم أنه خضع لضغط مباشر أو غير مباشر؟ وهل باتت “معراب” تمارس دور الحارس الصارم للخطاب، بحيث لا يُسمح بأي هامش رمادي؟
لا توجد معطيات رسمية تؤكد وجود قرار حزبي بإجبار روكز على الحذف، لكن التوقيت والسياق يثيران الشكوك. فحين يُنشر موقف بوضوح، ثم يُسحب تحت وطأة حملة داخلية، يصبح من المشروع التساؤل: أين تنتهي القناعة الفردية وأين يبدأ الانضباط المفروض؟
ما جرى لا يمكن عزله عن المناخ اللبناني العام، حيث تتراجع المساحات المشتركة، ويصبح أي خطاب جامع موضع شبهة. لكن الأخطر أن هذا المناخ يبدو أنه انتقل إلى داخل الأحزاب نفسها، حيث لم يعد مقبولاً الخروج عن النبرة السائدة، حتى ولو كان الكلام يدعو إلى الكرامة الإنسانية.
القضية هنا لا تتعلق بشخص عماد روكز بقدر ما تعكس صورة أوسع: هل لا يزال داخل الأحزاب اللبنانية مجال للتعبير المختلف؟ أم أن كل موقف يجب أن يمر عبر فلترة سياسية صارمة؟ وهل تحوّلت “معراب” من مساحة سياسية إلى مرجعية تضبط حتى اللغة والنبرة؟
في المحصلة، لم يكن ما حصل مجرد سجال عابر. إنه اختبار فعلي لهوامش الحرية داخل العمل الحزبي. وبين منشور كُتب ومنشور حُذف، تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً: المشكلة لم تعد في ما يُقال… بل في ما يُسمح قوله.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|