الصحافة

ما بين "حياد" الراعي و"تحييد" نصرالله: خطان متوازيان لا يلتقيان

Please Try Again

ads




منذ ان اطلق البطريرك الماروني بشارة الراعي دعوته الى حياد لبنان، قبل اكثر من عامين، والدعوة اسيرة نقاشات وسجالات جعلت من بكركي طرفاً أو محوراً في صراع عقيم على طرفه النقيض يقف "حزب الله" والمحور الذي يقوده، معارضاً ومعترضاً لما يعتبره ضرباً لدوره وموقعه ونفوذه في المعادلة اللبنانية الداخلية.

يرفض الحزب في شكل علني وواضح مبدأ الحياد والطرح الذي ينطلق منه البطريرك، لكنه يدعم من خلال أصوات ترتفع بين الفينة والأخرى، لعدد من قياداته أو لشخصيات تدور في فلكه، ما يسميه تحييد لبنان، من دون شرح وافٍ للاختلاف بين طرح الحياد والتحييد، وهل يقتصر على تلاعب على الكلمة، أو شرحاً لمفهومها من مقاربة مختلفة كلياً، وربما الأصح مناقضة بالكامل لما ينادي به سيد بكركي.

فحياد الراعي ينطلق من أن لبنان لا يتحمل أن يكون ضحية صراع المحاور الإقليمية والدولية على ارضه، ومنقذه الوحيد يكمن في هذا الخيار الذي يحفظ الكيان ويعيد للبلد هويته وطبيعته الاساسية وباب الخلاص لجميع اللبنانيين من دون استثناء (من عظة الراعي، تموز 2020). ذلك ان هيمنة الحزب على الحكومة والسياسة تركت لبنان وحيداً ومحروما من الدعم الخليجي أو الأميركي أو الاوروبي.

يضع الحزب طرح البطريرك في خانة استهداف سلاحه، ويقرأ فيه دعوة صريحة لنزعه وبالتالي إفقاده القدرة على السيطرة والنفوذ.


لا يمكن الحزب أن يمنع بكركي من المضي في مبادرتها، لكنه قادر على توظيف مفهوم الحياد وفقاً لمصالحه. فهو يستعيض عن الحياد بالتحييد، وبهذا المعنى، يذهب الى الاعتراف بتحييد لبنان عن الخلافات الداخلية حيال الملفات الشائكة التي ينقسم حولها اللبنانيون، او تحييده عن صراعات المنطقة، بحيث لا يكون له موقف منها. هنا، يكون الكلام عن لبنان الرسمي وليس عن الحزب المنخرط بالكامل في هذا الصراع، وهو جزء منه ولاعب أساسي فيه.

في مفهوم الحزب، التحييد جزء من سياسة النأي بالنفس. اما الحياد الذي ينادي به الراعي، فهو بمثابة نظام جديد للبلد، لا يمكن القبول به، ولبنان معني بالكامل بما يحيط به في المنطقة. يسأل قريبون من الحزب: هل يمكن لبنان ان يكون على الحياد في الملف الفلسطيني؟ والسؤال مستغرب خصوصاً ان طرح الراعي استثنى هذا الملف حيال اسرائيل.

على مقلب موازٍ، يرى الحزب في مفهوم التحييد، تحييداً لسلاحه عن الخلاف الداخلي. وهو لذلك ينطلق من معادلتين: ان السلاح وُجد لمواجهة اسرائيل، وانه تحوّل الى معادلة إقليمية ودولية، وجعل من الحزب لاعباً اقليمياً في صلب أي تسوية محتملة مقبلة.

لا يشعر الحزب ان الضغط الدولي يستهدف سلاحه، مادام هناك تباين في التعاطي الغربي حياله بين مقاربة أميركية تتخذ العقوبات اداة فاعلة لها للتضييق عليه، وتجفيف منابع تمويله، والهدف لجم عمليات تبييض الأموال وتمويل الاٍرهاب وتجارة المخدرات، ومقاربة أوروبية تميز بين جناحه العسكري وجناحه السياسي.

ورغم التسويق الناجح لتحييد السلاح عن العملية السياسية الداخلية، والذي يتولاه حلفاء الحزب، وأبرزهم اليوم في السباق الرئاسي المرشح سليمان فرنجية الذي لا ينفك يعلن انه مع تحييد السلاح لأنه لن يُحل، داعياً الى "ان نكون موضوعيين، لأن هذا الموضوع إقليمي ودولي وتحييده مرتبط بالأجندات الإقليمية"، فإن الطرف الآخر لا يسلم بحيادية السلاح التي ينادي بها الحزب، بل يرى ان قوة الاخير ونفوذه وتمدّده مستمدة منه، وهو الذي يوفر له القوة والنفوذ لإدارة البلد.

لا تقود هاتان المقاربتان المتناقضتان في المبدأ والمفهوم والتطبيق إلا الى خلاصة يتيمة مفادها ان لا قواسم مشتركة يمكن ان تجمع النقيضين، وان لا حياد بكركي قابل للحياة لدى الحزب، تماماً كما لا مستقبل لتحييد السلاح في منظور الاولى والقوى التي تدور في فلكها.

"النهار"- سابين عويس ads




Please Try Again