من ساحات القتال إلى طاولة التفاوض..!
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ اعتبارًا من منتصف ليل الخميس الجمعة، بات الباب مفتوحاً على مرحلة جديدة عنوانها اختبار الدولة اللبنانية، حيث لا مجال لأي التباس في تطبيق القرارات الحكومية المتخذة حول حصرية السلاح أو حول حظر أنشطة «حزب الله» العسكرية والأمنية، ولا مجال لعدم التنفيذ الدقيق لخطة الجيش وبسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية خلافاً لما جرى جنوب نهر الليطاني حيث أظهرت حرب «إسناد إيران» حجم الترسانة العسكرية المتبقية لـ «حزب الله» في تلك المنطقة سواء في الأنفاق أو البيوت والتي لم يتم الاقتراب منها بحجة تهويل «الحزب» بحرب أهلية.
وهكذا ستكون هدنة العشرة أيام فرصة للدولة اللبنانية لإثبات قدرتها الفعلية على بسط سلطتها وتطبيق اتفاق وقف النار الجديد الذي ذهب أبعد من اتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، إذ لم يكتف بمنح إسرائيل مجدداً حرية الحركة، متحدثاً عما سمّاه «حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس» بل ذهب أبعد مدى من ذلك، فنصّ على «كبح جماح أنشطة المجموعات المسلحة غير التابعة للدولة»، مؤكداً أن «دولتي إسرائيل ولبنان ليستا في حالة حرب، وتلتزمان بالانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية، بتيسير من الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائمين بين البلدين».
ويعترض «حزب الله» بشدة على هذه المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وهو لم يحتمل صورة السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض تقف إلى جانب السفير الإسرائيلي يحئيل لايتر، فكيف سيحتمل اتصالاً هاتفياً بين رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وربما لقاء في البيت الأبيض برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويعتبر «الحزب» أن وقف إطلاق النار جاء نتيجة لضغط إيراني ولصمود مقاتليه على الجبهة، ولذلك يجب ألا يكون هذا الاتفاق سبيلاً لابتزاز السلطة اللبنانية من قبل إسرائيل ومجالاً لأي استسلام، معيداً سردية أن «المقاومة هي من فرضت الوقائع في الميدان ولا تستطيع السلطة تجاوز هذا الواقع». ولم يخف «الحزب» تحذيره من سلوك مسار تصادمي إذا لم تخرج من المفاوضات المباشرة، مذكّراً بإسقاط اتفاق 17 أيار/مايو، وعدم السماح بتكرار التجربة».
وفور سريان وقف النار أقدم مناصرو «حزب الله» في الضاحية الجنوبية على بعث رسالة تهويلية إلى الفريق الآخر من خلال الابتهاج بما سموه «النصر الاسطوري» مطلقين العيارات النارية وقذائف الآر بي جي بشكل كثيف في محاولة لإعادة رسم التوازنات التي إختلت بعد حرب «إسناد غزة» وانتخاب الرئيس عون وتشكيل حكومة الرئيس سلام وللقول للدولة اللبنانية إن لا شيء تغّير للذهاب إلى مفاوضات مباشرة. والمشكلة الأساسية أن مَن يفاوض عن لبنان هو غير الجهة التي تتفرد بإطلاق النار خارج قرار الدولة وخارج إرادتها، وإذا كانت الدولة لم تستطع تنفيذ قرارها باعتبار السفير الإيراني محمد رضا شيباني غير مرغوب على أراضيها فهل ستستطيع فرض نتائج المفاوضات على فريق مدجج بالسلاح داخلها.
وهكذا، فإن سلوك مسار التفاوض والسلام لن يكون سهلاً على رئيس الجمهورية الذي أصرّ على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني ورفض مع رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي أن يفاوض أحد عن لبنان. وهذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها لبنان الرسمي من الهيمنة الإيرانية التي صادرت قراره على مدى عقود. ولم يكن هذا الأمر ليتحقق لولا شجاعة الرئيسين عون وسلام ورغبتهما في التقاط الفرصة الاستثنائية والانحياز إلى منطق الدولة.
وتعتبر أوساط نيابية أن هدنة الأيام العشرة هي فرصة مشروطة ومحدودة زمنياً وأي فشل في استثمارها سيؤدي حتمًا إلى سقوط الهدنة وعودة التصعيد، ولا سيما أن إسرائيل احتفظت، بموجب مذكرة التفاهم، بحق اتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات دفاعية في أي وقت. وهذا ما أكد عليه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي قال «سيتم نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني سواء بالوسائل السياسية أو عسكرياً بعد انتهاء الهدنة»، أضافة إلى احتفاظ تل أبيب بحزام أمني من 55 قرية يُمنع عودة أهاليها إليها.
وسيكون مصير السلاح القضية الأساس بعد اليوم وعُقدة العُقَد خصوصاً إذا لم تؤد المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى تسليم هذا السلاح طوعاً للدولة اللبنانية، إذ إن «حزب الله» ما زال يرفض بشدة تسليم سلاحه وهو يرفع نبرته تجاه السلطة، متهماً إياها بإدخال لبنان في مرحلة شديدة الخطورة على وجوده كوطن وتمــاسكه الداخــلي ووحـــدته الوطنية، بعد خضـــوعها للإمـــلاءات الأمـــريكية واستخفافها بمرتكزات القوة في البلد المتمثلة بـ «المقاومة».
ويأتي رفع نبرة الخطاب لدى «حزب الله» انطلاقاً من اقتناعه بتحقيق النصر في الحرب ورفض التعاطي معه على أنه مهزوم. وحسب البعض فإن فريق الممانعة يُسقِط على حروبه نموذج عاشوراء بحيث لا تُقرأ الخسارة العسكرية على أنها إنكسار بل تُعاد صياغتها كانتصار الدم على السيف. والموت في هذه السردية هو إعادة إنتاج للشرعية وقوة تعبوية، وفي ايديولوجية «حزب الله» ليس السؤال «ماذا ربحنا؟» بل «كم صمدنا؟» في المواجهات غير المتكافئة التي يُعاد تعريف النصر فيها ليصبح مرادفاً لعدم السقوط ولإحباط أهداف العدو.
غير أن رفع «حزب الله» نبرته وإنكاره للمتغيرات وللخسائر العسكرية التي تحققت، قابلها موقف حازم من الرئيس اللبناني جوزف عون الذي لطالما فتح قنوات الحوار مع رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد أملاً بالتعقل والقبول بحصرية السلاح من دون تسجيل أي تعاون في المقابل من «الحزب» الذي يراهن دائماً على كسب الوقت والمناورة والتسويف وعدم الالتزام بالاتفاقات والقرارات وعلى رأسها القرار 1701.
وقد ناقض الرئيس عون كل سردية «الحزب» عن وقوف إيران خلف اتفاق وقف النار، متوجّهاً بالشكرِ والامتنان، إلى من ساهمَ بإنجازِ وقفِ النار بدءاً من الرئيسِ الأمريكي الصديق دونالد ترامب، وصولاً إلى الأشقاءِ العرب جميعاً، وفي مقدمِهم المملكة العربية السعودية من دون أي ذكر لإيران.
ورد الرئيس عون على حملة الاتهامات ورفع الشعارات قائلاً «لن أسمحَ بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، او باستمرارِ النزفِ من أهلي وشعبي، من أجلِ مصالحِ نفوذِ الآخرين أو حساباتِ محاورِ القوى القريبة أو البعيدة.
فبين الانتحارِ والازدهار، أنا وشعبُنا مع الازدهار، وضدَّ الانتحار. وبين الشعاراتِ المضلِّلة التي تدمّر، والخطواتِ العقلانية التي تعمّر، أنا وشعبُنا مع العقلانية»، ملمحاً إلى استعداده للذهاب إلى واشنطن للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بقوله «أنا مستعدٌ لتحمّلِ المسؤوليةِ الكاملة عن هذه الخيارات، وأنا مستعد للذهابِ حيثما كان، لتحريرِ أرضي وحمايةِ أهلي وخلاصِ بلدي. مهمتي واحدةٍ واضحةٍ محددة: أنْ أنقذَ هذا البلد وشعبَه». وأضاف «نحن اليومَ نفاوضُ عن أنفسِنا، ونقرّرُ عن أنفسِنا. لم نعدْ ورقةً في جيبِ أيٍ كان، ولا ساحةً لحروبِ أيٍ كان، ولن نعودَ أبداً، والمفاوضات لا تعني ولن تعني يوماً التفريط بأي حق، ولا التنازل عن أي مبدأ، ولا المساس بسيادة هذا الوطن».
سعد الياس ـ القدس العربي
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|