الصحافة

بين الدولة والدويلة… الكلام الرئاسي يرسم الخط الفاصل

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

الكلام الرئاسي في هذا الظرف المصيري، الذي يمر به لبنان، ليس كأي كلام آخر. جاء بمضمونه ولهجته ليضع الكثير من النقاط على الحروف النافرة. وهذا الكلام المطمئن والواعد ليس الأول للرئيس

جوزاف عون، ولن يكون الأخير. فما قاله في خطاب "القسم الثاني" هو تكملة للأول. وهو ترجمة عملية للقرارات الحكومية في ٥ و٧ آب و٢ آذار.
فالذين استمعوا إلى ما في هذا الخطاب من مواقف سيادية لم يغب عن بالهم ما بذله رئيس الجمهورية منذ اليوم الأول لتسلمه مقاليد الحكم من جهود داخلية، في محاولة منه لاستيعاب "حزب الله"، الذي أخذ البلاد مرّتين متتاليتين، إلى حربين انتحاريتين ضد عدو لا يقيم وزنًا لأي مواثيق أو أعراف دولية، وهو كان يعرف مسبقًا أن نتائج تلك الحربين ستكون كارثية على بيئته أولًا، وعلى لبنان ثانيًا.

إلّا أن هذه الجهود لم تؤتَ ثمارها، فاستمرت " حارة حريك" في مشروع جرّ كل لبنان إلى المآسي، التي طالته في حربي الاسناد الأولى والثانية، وظلّ يراهن على متغيّرات إقليمية لعلها تصبّ في مصلحة مشاريعها. إلّا أن الوقائع الكارثية جاءت بنتائجها على عكس هذه الرهانات، التي استخدمت الجنوب وقودًا لمشاريع خارجية.

فالذين قرأوا الكلام الرئاسي من أول حرف حتى آخر حرف أدركوا أنه موجه لجميع الذين رفضوا، ولا يزالون، منطق الدولة، واستساغوا فكرة "الدفاع عن كل لبنان"، فحمّلوا اللبنانيين، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن السهل إلى الساحل، تبعات كانوا في غنى عنها لو أنهم اقتنعوا بأن ما وصل إليه لبنان كمحطة فاصلة في حل قضاياه العالقة مع اسرائيل منذ قيامها بالوسائل الديبلوماسية كان من الممكن التوصّل إليها بالطرق الديبلوماسية ومن دون كل هذه

الكوارث.

كان أجدى على جميع الذين راهنوا على الخارج أن يدركوا أن الدولة، على رغم كل المآخذ التي يمكن أن تُلصق بها، هي الملاذ الأول والأخير لجميع أبنائها، وبالأخص لبيئة "حزب الله"، وأنها هي التي تحمي الأرض والشعب بالوسائل التي يراها أهل الحكم مناسبة أكثر من غيرها، والتي تبقى أقلّ ضررًا من الحروب العبثية، التي لم تجلب على لبنان سوى الموت والدمار والخراب والتهجير.
لم يكن الكلام الرئاسي مجرّد إعلان موقف لتسجيل الأهداف في شباك الآخرين، في لحظة سياسية ضاغطة. هو بالتأكيد أقرب إلى إعلان واضح بأن زمن التسويات الرمادية قد شارف على نهايته. فإمّا دولة بقرار واحد وسلاح واحد، وإمّا استمرار الدوران في حلقة مفرغة من الحروب التي لا تنتهي.
وما بين هذين الخيارين، لم يعد هناك متّسع كبير للمناورة. فاللبنانيون الذين دفعوا أثمانًا باهظة من دمائهم وبيوتهم ومستقبل أبنائهم، لم يعودوا يحتملون ترف التجارب، ولا رفاهية الرهانات الخاسرة.

لقد قال رئيس الجمهورية كلمته، ووضع النقاط على الحروف. ويبقى السؤال: هل يلتقط المعنيون هذه اللحظة، أم يضيّعونها كما ضاعت فرص كثيرة من قبل؟
ومن ضمن هذه السردية يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل في وارد "حزب الله"، وفق منطقه الخاص به، القبول بهذا المسار التفاوضي؟

في الواقع، لا يبدو أن الحزب مستعد للذهاب بعيدًا في هذا الاتجاه، أقله في ظل الصيغة المطروحة حاليًا، التي تمسّ مباشرة بجوهر دوره العسكري. فمسألة سلاحه لا تُختصر بكونها شأنًا لبنانيًا داخليًا، بل هي جزء من توازنات إقليمية أوسع، يرتبط قرارها إلى حدّ كبير بحسابات تتجاوز الحدود اللبنانية. من هنا، فإن أي طرح يتناول نزع هذا السلاح أو تقليصه جذريًا سيُقابل برفض واضح، أو في الحدّ الأدنى بمحاولة كسب الوقت وتفريغ المفاوضات من مضمونها.
ومع ذلك، فإن هذا الرفض لا يعني أن الحزب سيقف في موقع المواجهة المباشرة مع المسار التفاوضي، لأنه قد يلجأ إلى مقاربة أكثر مرونة تقوم على القبول الشكلي مقابل التعطيل العملي، أو على الانخراط الجزئي في ترتيبات ميدانية محدودة لا تمسّ بأساس معادلة الردع التي يتمسّك بها. وفي كل الأحوال، سيبقى موقفه مرتبطًا إلى حدّ بعيد بما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية الكبرى، ما يجعل أي تقدّم فعلي في هذا المسار رهينة توازنات تتخطّى القرار اللبناني الداخلي.

اندريه قصاص - لبنان 24

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا