الصحافة

مسؤوليّة "الحزب" ...

Please Try Again

ads




قبل أيام ورد في الإعلام خبر مفاده أنّ أحد المطلوبين للعدالة في حادث فردي في البقاع، تمّ تسليمه. المطلوب شقيقٌ لنائب في حزب الله. والقضية إطلاق نار واعتداءات متشعّبة على خلفيّات شخصية. المهمّ أنّ المطلوب، بحسب الخبر، تسلّمته "اللجنة الأمنية في الحزب" التي عادت وسلّمته إلى من يمثّل الدولة اللبنانية.

قبلها بأيام أيضاً، الترتيب نفسه حصل مع المشتبه فيه في حادثة مقتل عنصر من اليونيفيل في الجنوب. حادث مؤسف بين من يمثّل حزب الله على الأرض، وبين من يمثّل الأمم المتحدة على الأرض نفسها. انتهى إلى ترتيب مماثل لكلّ حوادث الحدود أو إشكالات الاحتكاك العفوية بين الدول.

خبران يستبطنان الخطر الأكبر على المقاومة في لبنان. لا بل يشيان بما يمكن أن يكون مؤامرة ثلاثية عليها. والكلام هنا حسّاس دقيق بقدر ما هو واجب وضروري.

في هذا "المكان" اليوم ظاهرتان بديهيّتان: هناك دولة متكاملة المقوّمات والمكوّنات، هي دولة حزب الله، بلا حاجة إلى أيّ شرح أو تدليل. وهناك لادولة متداعية حتى اندثار معالمها، كثقافة دولة ومفهومها. هي ما كان حتى قبل أعوام قليلة، الجمهورية اللبنانية. وهو ما لا داعي أيضاً لتقديم قرائنه الدامغة.

قد يرى البعض في هذا المشهد انتصاراً للمشروع السياسي الذي يمكن أن يكون الحزب حامله أو مستبطنه. وتقويم الانتصار هذا موجود بين مريدي حزب الله من المنتفعين من فائض قوّته، كما لدى رافضي الحزب والمتضرّرين من وجوده. أنصار الحزب يعلنون انتصارهم هذا، حيناً بصمت وأحياناً بجهر، ودائماً بسلوكهم اليومي الفعليّ، أن نحن الأقوى، لا بل نحن القوة الوحيدة الباقية على هذه الأرض اليوم، وكلّ الآخرين، من دولة وجماعات، إلى زوال.

فيما خصوم الحزب كانوا يقولون دوماً، وباتوا يصرخون اليوم علناً: إنّه انتصار لمشروع إسلاموي خمينيّ كامل في لبنان. وما إسرائيل ومقاومتها إلا ذريعة ووسيلة وسبيل مرحليّ مختصر. 

ثلاثية قاتلة "للمقاومة"

لكن بين "الانتصارين"، ومع استمرار الوضع العام الذي سمح بهما، أو ولّد انطباعَيْهما، هناك خطر أكيد على المقاومة التي يحملها حزب الله، لا بل يمكن القول إنّ هذا الواقع بثنائيّته المتضادّة يحمل أخطاراً ثلاثة قاتلة للمقاومة.

ـ أوّل المخاطر يمثّله الوضع الديمغرافي بكل بساطة وفجاجة. لا لزوم لكثير من التحليل. فلنكن واضحين مباشرين.

تفيد الأرقام الموثوقة والمعلنة أنّ لبنان خسر من شعبه على مدى ثلاثين عاماً أكثر من 800 ألف لبنانية ولبناني. لكنّ اللافت أنّ نحو ثلث هؤلاء هجروه في الأعوام الخمسة الأخيرة مقابل نزف ثلثَيْهم على مدى 25 عاماً. مسألة لافتة أن يكون شعبنا قد صمد في مرحلة الاحتلال الإسرائيلي وفي ظلّ الوصاية السورية الثقيلة وفي ظلّ زلزال 2005 وعدوان 2006 وما بعدهما، فيما قرّر أن يرحل الآن، بعد كلّ الانتصارات التي حقّقتها المقاومة للبنان.

ولنكن مباشرين أيضاً وأكثر. قد يُضمر البعض من الحزب تقويماً إيجابياً لهذه الهجرة، بمعنى أنّها تصيب معارضيه أكثر من مؤيّديه، أو أنّها حلّ شامل لأزمة الانهيار اللبناني، أو أنّها مقدّمة لتغيير مطلوب في النظام الدستوري لا بدّ أن يشكّل خطوة أكيدة في الاتجاه الذي يفضّله حزب الله، تخلّصاً من قيود نظام الطائف وتوازناته، من دون أيّ ثمن ولا مسؤولية ولا تبعة عليه.

لكنّ الحقيقة المقابلة، وعلى المستوى المجتمعي العام، لا المذهبي أو الطائفي، مغايرة تماماً. فالمغادرون بلا عودة هم من الشباب. والهرم العمريّ اللبناني اليوم بات في مرحلة دقيقة خطيرة جداً. هو مخصور عند وسطه، فيما قمّته من المتقدّمين في العمر، أكبر من شبابه، وبشكل متّسع ومطّرد. وهو هرم غير قابل للاستمرار طويلاً. وفي منطق الشعوب والمجتمعات، هذا الوضع السكانيّ غير قابل للحياة. وهو أمام مؤدّى من اثنين: إمّا انكسار الهرم كليّاً وسقوط المجتمع بالكامل، وإمّا أن تأتي مجموعة سكانية أخرى وتملأ هذا الفراغ الشبابي في وسط هرمنا السكاني.

في الحالتين، وبلا لزوم لتفاصيل، هذا خطر أول وأكيد على المقاومة وعلى التركيبة المجتمعية والسكانية التي انبثقت منها، والتي أنتجتها وأبقتها.

ـ خطر ثان بات واضحاً معيوشاً كلّ لحظة، اسمه انهيار النموذج الاجتماعي الاقتصادي لِما كان لبنان.

لا نتحدّث ههنا عن انهيار العملة وحدها، أو سقوط القطاع المصرفي، أو أزمة قطاع تربوي هنا أو صحّي استشفائي هناك. نحن نتحدّث عن نموذج كامل، لحياة مجتمع وجماعة بشرية، بات منعدم الوجود. خلال ثلاث سنوات ونيّف، ما سقط وقضى أكبر من أزمة أيّ قطاع محدّد. إنّه مبدأ علّة وجود هذا المجتمع: ماذا يُنتج وماذا يستهلك وكيف يموّل الحركتين؟ ما الذي يربطه بالعالم من حوله؟ أيّ أنشطة حياتية تؤمّن بقاءه وتفاعله مع العصر؟ أيّ ناتج وطني لخمسة أو ستة ملايين إنسان؟ ومن أين يتأتّى؟ ماذا يصدّرون وماذا يستوردون وكيف يظلّون على قيد الحياة، أفراداً ومجتمعاً؟... كلّ هذا سقط.

وهنا أيضاً، يعتقد بعض الظّانّين سوءاً بحزب الله أنّ مشروعه السياسي غير متضرّر من هذا السقوط. يهمس بعض أصحاب ألسنة السوء أنّ الحزب يعتبر نفسه وناسه وبيئته غير معنيّين بكلّ ما سقط. فالمصارف مسيحية سنّية. والقطاع التربوي لا يشبهه ولا يحمل إيديولوجيّته. كلّ الباقي لا يخدم فكره ومشروعه. وبالتالي لا ضير من سقوطه. لا بل ربّما هناك منفعة مباشرة أو غير مباشرة جرّاء هذا الانهيار... ثمّ يقول هؤلاء أيضاً إنّ حالة البؤس الشديد التي نجمت عن الكارثة، ضرورية لاستدامة أحزمة الحاجة وعشوائيّات الفقر. وهي أساسية لاستدامة خزّان التجنيد والتحشيد لصالح حزب الله. تجنيد الأشخاص وتحشيد الأفكار. إذ لا يمكن لمشروع كهذا أن يجد ناسه، أو يُوجِد إيديولوجيّته، في مجتمع مترف مزدهر مكتفي الحاجات والكماليّات.

لكن ماذا عن التفجّرات الداخلية لواقع كهذا؟ ماذا عن الظواهر المرضية الكبرى الملازمة له؟ وعن تشويهها لمفهوم المقاومة وقدسيّتها ونموذجها الجذّاب؟

يمكن للفقر المدقع أن يؤمّن حشداً شعبياً. لكنّه حشد يذهب إلى ما بين الثورة الشعبية والفوضى الأهلية. لا صوب مقاومة وطنية. ولو بصبغة دينية. يمكن للبؤس أن يدفع إنساناً إلى حمل بندقية. لكنّها حتماً بندقية متفلّتة المهداف والرصاص، جاهزة بأيّ لحظة للتحوّل من القتال إلى القتل. ومن الخارج باسم تحرير مقدّس، إلى كلّ داخل وباسم كلّ تسيّب وتفلّت. وهو ما لا مصلحة فيه قطعاً للمقاومة. لا بل يشكّل مقتلاً لها. وهو ما تحدّث عنه محذّراً وعلناً وأكثر من مرّة، السيّد حسن نصرالله.

ـ يبقى خطر المؤامرة الثالثة على المقاومة، وهو المتمثّل في وجود وجدوى خيار لبنان، دولةً ووطناً.

تطوّرات الأعوام الأخيرة، بكلّ ما فيها، بدأت تفسّخ هذا الخيار لدى كثيرين. لم يعد لبنان يشبه نفسه. عبارة تردّدها أكثرية لبنانية واضحة عابرة لكلّ لبنان. قالتها بالهجرة. وفي صناديق الاقتراع. بمعزل عن النتائج المعلّبة وأعداد مقاعد التفاهة. وبدأت تقولها بالأفكار السياسية. من لامركزية إلى فدرالية. ومن 17 تشرين إلى هذا السأم القاتل كلّ يوم. نحن نتّجه في يوميّاتنا المعيوشة إلى ارتداد واضح عن مفهوم الدولة كإطار ناظم جامع في لبنان، قبل أن نصل في العقول إلى انكفاء عن مفهوم الوطن الواحد.

تتابع الخيبات من الرهان على حزب الله  

ولسان حال الذين يعيشون تلك التفكّرات يقول إنّه لم يعد من حلٍّ مع حزب الله. راهنّا قبل 17 عاماً على تلاقي "الحلف الرباعي"، بحضانة فرنسية إيرانية لإنتاج طبخة لبنانية ما، فانتهى إلى سلسلة طويلة من محطّات الدم. راهنّا بعدها على "التفاهم" بينه وبين ميشال عون، فانتهى إلى أن بات العونيون يعلنون أنّ الحزب وحده هو من قوّض دولتهم وعهدهم، وصولاً إلى ذهاب باسيل في فعله أو ردّ فعله نحو أقصى مقولات افتعال التطرّف المذهبي المختلَق والمفبرَك، كي يظلّ حيّاً سياسياً في دولة الحزب.

وراهنّا أخيراً على هبّة اللبنانيين في 17 تشرين بمواجهة نظام فاسد، وباسم وطنية مدنية واحدة، من طرابلس إلى صور. فوجدنا الحزب وحده في مواجهتنا، مدافعاً شرساً أوحد عن هذا النظام، لا بل هو من أنقذه من السقوط، بحجّة السفارات والعمالات. لنكتشف قبل أشهر أنّ حلفاءه هم وحدهم من عبّد طرقات السفارات، وصوب "الشيطانَيْن" بالذات، الأكبر والأصغر. وبينما كان الثوار ولا يزالون في الشارع والبرلمان، يرفضون اتفاق الذلّ والإذعان، كان الحزب يغطّي توقيع حلفائه على التهريبة السرّية والمحظور نشرها وإعلانها ومعرفة نصوصها الفضائحيّة حتى اللحظة، محلياً ودولياً.

لم يبقَ إلا "أبغض الحلال" مع حزب الله

لسان حال هؤلاء يقول: لقد جرّبنا كلّ شيء مع حزب الله، فلم يعد أمامنا إلا أبغض الحلال.

وهو الخطر الثالث القاتل للمقاومة. المقاومة التي كانت بنت التركيبة اللبنانية بالذات، بنت حرّيتها، المنبثقة من تعدّديّتها وتنوّعها. لم تولد المقاومة في جولان الأسد المحتلّ، ولا في أيّ مكان آخر، لأنّ نموذج الحرّية هو وريد المقاومة. من لم يعرف الحرّية يوماً أو يحلم بها لحظة، لا يمكن أن يعتنق مشروع تحرير. وواقع التعدّدية هو شرط الحرّية ووجهها في آن. لا مقاومة حيث لون واحد أو صوت واحد أو رأي واحد. ولا مقاومة قطعاً حيث هناك حزب واحد.

باختصار ختاميّ، كيف يواجه لبنان وحزب الله هذه المخاطر على مقاومته؟

الاستحقاق الرئاسي مفصل أساسي. فالمطلوب رئيس يوحي على الأقلّ بثلاث ثقات:

- ثقة اللبناني الفرد بأنّه ما زال ههنا ما يُمكن أن يكون دولة، كي لا يهاجر.

- وثقة العالم بهذا المكان، كي يساعد على عودته نموذج دولة قابلة للحياة.

- وثقة الجماعات بخيار الجمهورية اللبنانية، على الضدّ من الخيارات الموهومة أو المأزومة، الأصغر من دولة لبنان أو الأكبر منها.

إذا ساهم حزب الله، وهو الأقدر، في اختيار رئيس كهذا، دافع عن نفسه وعن مقاومته وعن وطنه. وإلّا فلنسجّل للتاريخ كلّ ما ورد آنفاً.

جان عزيز - أساس ميديا ads




Please Try Again