الصحافة

مصافحة تُسقِط دولة؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ماذا لو التُقطت الصورة؟

الرئيس جوزف عون يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، داخل البيت الأبيض، برعاية أميركية وبحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ثانية واحدة. يدٌ تمتد، وأخرى تُصافح. كاميرا تلتقط، وشاشات تبث، وبلدٌ كامل يدخل في عاصفة.

في لبنان، هذه ليست مجرد صورة. إنها حدث بحد ذاته، يكفي ليُطلق اتهامات بالخيانة، ويعيد فتح جروح، ويحوّل نقاشًا سياسيًا إلى محاكمة وطنية. لكن السؤال الذي يسبق كل ذلك: هل يمكن فعلاً أن تُسقِط مصافحة دولة؟ أم أن الدولة التي تهتز بصورة، هي أصلاً على حافة السقوط؟

في هذا البلد، اليد لم تعد مجرد تفصيل. أصبحت لغة كاملة. هناك من يرى في اليد الممدودة تنازلاً، وربما عمالة، فيما يرى في الإصبع المرفوع قوة وردعًا. كأن شكل اليد بات أهم من مضمون القرار، وكأن الصورة تختصر الحقيقة. هكذا تُختزل السياسة إلى إشارات، ويُختزل الوطن إلى ردود فعل.

لكن التاريخ لا يدعم هذا المنطق، بل يكذّبه. عندما صافح أنور السادات خصمه، لم يكن ذلك حبًا ولا استسلامًا، بل قرارًا أعاد سيناء وأنهى حربًا طويلة. وعندما وقف اسحق رابين إلى جانب ياسر عرفات، لم تُحلّ القضية، لكن المستحيل السياسي أصبح ممكنًا. وفي أوروبا، حيث سالت أنهار من الدم، جلس الأعداء إلى الطاولة، وتحولت القارة لاحقـًا إلى شراكة داخل الإتحاد الأوروبي، لأنهم فهموا أن البديل عن التواصل هو تكرار الكارثة.

هذه ليست استثناءات، بل قواعد في علم السياسة. لذلك قال وينستون شرشل: "الحديث وجهًا لوجه أفضل من الحرب"، في إشارة إلى أن التواصل أقل كلفة من القطيعة. واعتبر هنري كيسنجر أن الدبلوماسية هي فن إدارة النزاع، لا إنهاؤه، أي أن التعامل مع الخصم ليس مكافأة له، بل وسيلة لضبطه.

لكن في لبنان، تنقلب المعايير. المصافحة لا تُقرأ كأداة، بل كإدانة. تتحول من وسيلة إلى تهمة. بالنسبة لمن يتهمون الرئيس بالخيانة أو العمالة، اليد الممدودة ليست حركة بروتوكولية، بل "دليل" على انحراف أو تنازل. هذا الشعور مفهوم في بلدٍ مثقل بالذاكرة والاعتداءات، لكنه يصبح خطيرًا حين يتحول إلى حكم نهائي يسبق أي نتيجة.

هنا تدخل كلمة "العمالة"، التي يفترض أنها توصيف دقيق لفعل خطير: العمل لمصلحة عدو ضد مصلحة الدولة. لكنها في الخطاب اليومي تحولت إلى ما يشبه "قميص عثمان"، تُستخدم لإسكات النقاش، لا لفتح تحقيق. كل خطوة غير مألوفة تُرمى بهذه التهمة، حتى لو كانت ضمن إطار تفاوضي أو بروتوكولي. وهكذا، يُستبدل النقاش السياسي بالتخوين، ويُقاس القرار بنيّته المفترضة لا بنتائجه الفعلية.

في المقابل، تُمنح حركات أخرى حصانة رمزية. الإصبع المرفوع يُقرأ كقوة، كرسالة تحدٍّ، كوسيلة تعبئة وشد عصب. يصبح رمزًا يرفع المعنويات، حتى لو لم يغيّر شيئاً في الواقع. هنا المفارقة القاسية: اليد التي قد تمنع حرباً تُدان، واليد التي تلوّح بالتصعيد تُمجَّد. لأن الأولى تتطلب تفكيرًا، والثانية تكتفي بإثارة الشعور.

لكن السياسة ليست عرضًا بصريًا. الفارق الحقيقي لا يُقاس بشكل اليد، بل بما تفعله بعدها. المصافحة لا تعني بالضرورة تطبيعًا، بل قد تكون وسيلة لخفض توتر، أو فتح قناة، أو تفادي الأسوأ. كما أن التهديد لا يعني بالضرورة قوة، إذا لم يُترجم إلى نتائج. بين يدٍ تصافح ويدٍ تلوّح، تبقى القيمة في الأثر، لا في الصورة.

السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: كيف ستبدو اللحظة؟ بل: ماذا ستنتج؟

هل ستمنع تصعيدًا؟ هل ستحمي استقرارًا هشًا؟ هل ستفتح بابًا لمعالجة أزمة خانقة؟ إذا كان الجواب نعم، فهل تصبح المصافحة خطيئة؟ وإذا كان الجواب لا، فهل يصبح غيابها إنجازًا؟

الدول التي تنجح لا تخاف من الصورة، لأنها تعرف أن الصورة ليست السياسة. أما الدول التي تعجز، فتُحمّل الصورة أكثر مما تحتمل، لأنها لا تملك ما هو أعمق منها. وهنا تكمن الأزمة اللبنانية: أزمة ثقة بالقدرة على اتخاذ القرار، لا أزمة بروتوكول.

في النهاية، لا تُقاس الخيانة بحركة يد، بل بما يُفرَّط به من حقوق. ولا تُقاس الوطنية برفض صورة، بل بالقدرة على حماية بلد. وبين يدٍ تصافح ويدٍ ترفع إصبعها، يبقى السؤال الأهم: أيهما يخدم لبنان، وأيهما يخدم فقط الرواية؟

ربما آن الأوان للخروج من أسر التابو والاعتراف بحقيقة قاسية:

الدول لا تسقط بمصافحة…

بل حين يصبح الخوف من الصورة أقوى من القدرة على إنقاذها.

بولا أبي حنا -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا