الدبلوماسيّة ومنطق المواجهة
يشكّل اللّقاء الّذي عُقد الجمعة في المكتب البيضاويّ في البيت الأبيض، برئاسة الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وبحضور سفيريْ لبنان وإسرائيل، محطة مفصليّة ذات طابع تاريخيّ ومشجّع. وقد أتاح، في مرحلته الأولى، تمديد مفاعيل اتّفاق وقف إطلاق الّنار لثلاثة أسابيع إضافيّة، ما يفتح الباب أمام انخراط جديّ في مسار التّفاوض.
تصعيد عسكريّ يتعارض مع الاتّفاق
يأتي هذا الزّخم الدبلوماسيّ في سياق تصاعد التوتّرات في جنوب لبنان، وحملة نشطة يشنّها حزب الله ضدّ فكرة المفاوضات المباشرة بين الحكومتيْن اللبنانيّة والإسرائيلية.
وهو موقف يصعب التّوفيق بينه وبين موقف حزب الله الأوليّ، بعد أن رحّب بالاتّفاق واعتبره، على نحو غير دقيق، ثمرة ما وصفه بانتصار مقاتليه، مع نسب الفضل فيه إلى الجمهوريّة الاسلاميّة الإيرانيّة.
اتّفاق واضح لا لبس فيه
مضمون الاتّفاق واضح تمامًا. فهو ينصّ صراحة على أنّ إسرائيل “تحتفظ في جميع الأوقات بحقّ اتّخاذ الاجراءات اللّازمة كافة، في إطار حقّها في الدّفاع عن النّفس ضدّ هجمات مخطّطة، أو وشيكة، أو جارية”، مع التّأكيد بوضوح على أّن هذه الإجراءات “لا تشكّل خرقًا لوقف الأعمال القتاليّة”.
بتعبير آخر، أي ردّ إسرائيليّ في مواجهة تهديد فعليّ أو وشيك، ليس مسموحًا فحسب، بل يُدرج ضمن إطار وقف إطلاق النّار.
موقف يزداد التّشكيك فيه
في هذا السّياق، لا يبدو موقف حزب الله الحاليّ مجرّد اختلاف في التّقدير، بل أقرب إلى مقاربة انتقائيّة تتناقض مع الوقائع. فالتّنديد اليوم بتبعات اتّفاق سبق أن جرى قبوله والدّفاع عنه، يفاقم أزمة مصداقيّة قائمة أصلًا.
ويأتي هذا التّصعيد أيضًا في إطار ضغوط داخليّة، لا سيّما تجاه رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، والحكومة برئاسة نوّاف سلام، في وقت بدأت تتبلور فيه ملامح مسارات تفاوضيّة ملموسة.
حزب الله أمام رواياته الخاصّة عن الاتّفاق
مع ذلك، لا يترك الاتّفاق أي مجال للالتباس بشأن الاتّجاه الّذي يُفترض أن يسير فيه. فهو ينصّ صراحة على “أن تطلب إسرائيل ولبنان من الولايات المتّحدة تسهيل مفاوضات مباشرة جديدة بين البلديْن”، لا سيّما من أجل معالجة مسألة ترسيم الحدود البريّة.
ويُعتبر مصطلح “مباشرة” هنا حاسمًا، إذ يستبعد أي تأويل ملتبس، ويكرّس مبدأ حوار ثنائيّ مُعلَن. كما تعزّز هذه الصّيغة شرعيّة السّلطات اللبنانيّة في الانخراط في هذا المسار، رغم محاولات بعض الأطراف التّشكيك في جدواه.
وتندرج هذه المقاربة في إطار رؤية أوسع، تهدف إلى منع عودة الأعمال القتاليّة، واحتواء الدّمار، خصوصًا في قرى الجنوب الّتي تضرّرت بشدّة جرّاء العمليّات، وتفادي خسائر بشريّة جديدة.
توظيف سياسيّ وإقليميّ
في المقابل، يتيح الإبقاء على حالة من التوتّر العسكريّ، هامشًا إلى حزب الله للتّأثير في مسار المفاوضات، بل وربّما عرقلته، دفاعًا عن مصالح إيران الاستراتيجيّة. والجدير بالذّكر أنّ الأخيرة تسعى إلى استخدام السّاحة اللبنانيّة كورقة في محادثاتها مع واشنطن، في الوقت الّذي تستفيد فيه من مسارات التّفاوض الّتي تقودها الحكومة اللبنانيّة، بينما تعارضها في الوقت عينه وتعمل أحيانًا على إسقاطها في الشّارع.
وقد ذهب هذا التّنظيم المسلّح إلى إطلاق تهديدات مباشرة بحقّ الرّئيس اللبنانيّ، ومقارنته بأنور السّادات الّذي اغتيل بعد توقيعه اتّفاقيات كامب ديفيد الّتي كرّست السّلام بين مصر وإسرائيل.
معركة الرّوايات والنّفوذ
رغم وضوح نصّ الاتّفاق، يجد خطاب حزب الله صداه لدى بعض المنصّات الإعلاميّة، ودوائر التّأثير.
وفي هذا السّياق، يسعى الحزب إلى توظيف المآسي الإنسانيّة لاستدرار تعاطف جزء من الرّأي العام اللبنانيّ، في حين أنّ تاريخه يتضمّن عمليّات اغتيال رهائن أجانب ولبنانيّين، وسياسيّين، وشخصيّات معارضة، بالإضافة إلى أحداث العنف في أيّار 2008، ودعمه العسكريّ لنظام بشّار الأسد في سوريا.
وقد تواصل هذا المسار مع الكمين الأخير الّذي استهدف دوريّة تابعة لقوّة الأمم المتّحدة المؤقّتة في لبنان (اليونيفيل)، وأسفر عن مقتل الرّقيب فلوريان مونتوريو، والعريف أنيسيه جيراردان، وهما من عناصر القبّعات الزّرقاء الفرنسيّة. ويأتي ذلك ضمن سياق دعم لنظام سلطويّ قائم على قمع الحريّات، وإقصاء المعارضين.
إشكاليّة الحجّة “الترابيّة”
كما يستند حزب الله بشكل متكرّر إلى الدّفاع عن وحدة الأراضي اللبنانيّة، المتمثّلة في “10,452 كلم²”، لرفض أي مفاوضات مع إسرائيل. وهي حجّة ذات بعد عاطفيّ قويّ، لكنّها تواجه صعوبة متزايدة في الصّمود أمام التّحليل الواقعيّ.
فالواقع الحدوديّ الحاليّ يعكس، إلى حدّ كبير، مسارًا غذّته سياسات الحزب، الّذي جرّ لبنان إلى مواجهات تخدم مصالح خارجيّة، بما أضعف قدرته على تثبيت ما يدّعي الدّفاع عنه في خطابه السياسيّ والعسكريّ، وهو خطاب يتناقض اليوم مع الوقائع على الأرض.
في المقابل، ينصّ اتّفاق وقف إطلاق النّار على إطار لمعالجة ملفّ ترسيم الحدود، بما يؤمّن أفقًا أوضح، واستقرارًا أطول مدى، يتجاوز حدود الشّعارات السياسيّة إلى حدّ كبير.
فرصة حاسمة أمام لبنان
يشكّل الدّعم الأميركيّ المستمرّ ضمانة، وعاملًا مشجّعًا لنجاح المفاوضات. وفي ظلّ أزمة عميقة، يجد لبنان نفسه أمام خيار استراتيجيّ واضح.
من جهة، خيار المفاوضات والالتزام بالاتّفاقات الدوليّة، بما يحمله من استقرار وإمكان التوصّل إلى سلام مستدام. ومن جهة أخرى، الاستمرار في منطق المواجهة، بما يعنيه من تمديد حالة عدم الاستقرار، وتفاقم الدّمار، وتزايد الخسائر البشريّة، ونتائج مفتوحة على المجهول. وفي هذه المعادلة، تبدو مصلحة لبنان واضحة في الاتّجاه نحو الخيار الدبلوماسيّ.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|