الجنوب من "القبعات الزرق" إلى مظلة "الناتو"؟
أقحم "حزب الله" لبنان والجنوب في إسنادين طائشين لم يتحسّب لعواقبهما وتداعياتهما الخطيرة. فمن ادعى طوال عقود امتلاك فكرٍ استراتيجي ودهاءٍ سياسي، أثبت أنه فصيلٌ في "الحرس الثوري"، تحرّكه غريزته الأيديولوجية وأوامر طهران، حتى لو كان الثمن سحق القرى الجنوبية وتدميرها عن بكرة أبيها، ومنح إسرائيل فرصة ذهبية لفرض منطقة عازلة حدوديًا تتراوح بين 7 و10 كيلومترات.
أمام هذا الواقع وبعيدًا من "عنتريات" محور "الممانعة" وفشل بندقيته وصواريخه في الردع أو التحرير، بات مصير الجنوب رهينة سيناريوات معقدة. فالسؤال الوجودي المطروح هو: كيف يمكن للدولة اللبنانية والمجتمع الدولي ترميم ما خربه "الحزب" من ناحية، ودفع إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل ضمانات أمنية مستدامة؟ وهل يمكن فرض حلول خارجية على أرض الواقع الجنوبي؟
في هذا السياق، برزت مقالة للكاتب الأميركي الشهير توماس فريدمان، أحد أعمدة صحيفة "نيويورك تايمز" منذ عام 1995. وتتجاوز أهميته كونه صحافيًّا مرموقًا إلى منظرٍ قادر على صياغة الأجندة الفكرية لصنّاع القرار في واشنطن، والمساهمة في توجيه بوصلة الحوار السياسي لدى الحزبين الديمقراطي (الذي يؤيّده) والجمهوري. والمعروف عن فريدمان المتخصص في الشؤون الدولية والشرق الأوسط، مناصرته ودعمه لإسرائيل من ناحية، وانتقادها في بعض سياساتها من ناحية أخرى.
تمحورت سطور فريدمان و "ما بينها" حول كيفية "خطة ترامب لإنقاذ لبنان" من "حزب الله" ودفع إسرائيل للانسحاب الكامل من جنوب لبنان.
بالنسبة له حان الوقت لـ "طريق ثالث... يؤمّن لبنان وإسرائيل" تشقه قوات من "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) مدججة بالسلاح في السيطرة على المنطقة الجنوبية المحتلة أو العازلة بالشراكة مع الجيش اللبناني.
وقد دعّم الكاتب توماس فريدمان هذا الطرح بحجج أمنية وسياسية قد ترضي الدولتين اللبنانية والإسرائيلية. من ناحية، يمكن لتلّ أبيب وفق فريدمان أن "تثق في الناتو"؛ ثمّ إن "حزب الله" وإيران لن يجرآ على مواجهة الحلف، فإذا فعلا، فسيتم سحقهما، وستصفق الغالبية العظمى من اللبنانيين، بما في ذلك الشيعة، لأن الجيش الإسرائيلي سيكون قد خرج تمامًا من لبنان، ويكشف "حزب الله" على حقيقته التي صار عليها ، أي مجرد "مخلب قط" لإيران، مستعد للقتال حتى آخر لبناني وآخر إسرائيلي لخدمة أسياده في طهران".
ويؤكّد الكاتب أن هذا الخيار "قد لا يكون حلًا مثاليًّا، لكنه أفضل من غزو إسرائيل للبنان مرارًا وتكرارًا، ناهيك عن اندلاع حرب أهلية لبنانية. الأمر يستحق التجربة". (انتهى الاقتباس)
المخارج السياسية والقانونية
أمام هذا السيناريو الفذ الذي يتردد صداه في أروقة المناقشات الأميركية والغربية، يستعرض العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا - الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ، مسارات هذا الخيار وتحدياته وكيف يمكن تمريره في حال استقرت الإرادة الدولية على اعتماده.
في حديث لـ "نداء الوطن"، يوضح أن هذا الطرح، يعكس تحوّلًا في التفكير الدولي تجاه لبنان، ويُشبه عمليًا تطبيقًا لـ "الفصل السابع"، لكنه يسعى لتجاوز الآليات التقليدية لمجلس الأمن. ويعود ذلك إلى الاستعصاء الإجرائي المرتبط بـ "حق النقض"، إذ إن أي قرار ملزم يتطلب موافقة تسعة أعضاء من المجلس دون اعتراض أي من الدول الخمس الدائمة العضوية. وبما أن "الفيتو" يجهض القرار من دون وجود مخرج قانوني للالتفاف عليه، فإن أي سيناريو من هذا القبيل يستوجب البحث عن مسارات سياسية أكثر منها قانونية".
ويكشف أن "من أبرز هذه المسارات نقل الملف إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت مبدأ "الاتحاد من أجل السلام"، الذي يسمح بإصدار توصيات ذات وزن سياسي عندما يُشلّ المجلس. وقد استُخدم هذا المسار تاريخيًا في حالات مفصلية. خلال الحرب الكورية 1950، ومع تعطل مجلس الأمن الدولي، أقرّت الجمعية العامة هذا المبدأ، ما أتاح توصية بتدخل عسكري جماعي قاد إلى تشكيل تحالف دولي تحت مظلة الأمم المتحدة. وفي أزمة السويس 1956، وبعد استخدام بريطانيا وفرنسا الفيتو، نُقل الملف إلى الجمعية العامة التي دعت إلى وقف إطلاق النار وأنشأت أول قوة حفظ سلام دولية. هذان المثالان يوضحان كيف يمكن خلق شرعية سياسية بديلة، حتى وإن لم تكن ملزمة قانونيًا كقرارات الفصل السابع.
إلى جانب ذلك، تلجأ القوى الكبرى غالبًا إلى التفاوض المسبق لتجنب الفيتو، إما عبر تخفيف لغة القرار أو تضييق نطاقه، أو عبر إقناع الطرف المعترض بالامتناع abstain عن التصويت بدل استخدام النقض. وفي حالات الانسداد الكامل، قد تتجه الدول إلى بناء تحالفات خارج إطار الأمم المتحدة، كما حصل في تدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفو، حيث فُرض واقع جديد بشرعية سياسية لا قانونية.
توازيًا، يشير أبي سمرا إلى أن التاريخ يقدّم سوابق تدعم هذا المنطق، كما يكشف مخاطره. في البوسنة، أدى تدخل الناتو إلى فرض تسوية أنهت الحرب عبر "اتفاق دايتون"، بعدما عجز المجتمع الدولي عن التحرك ضمن الآليات التقليدية. لكن تجارب أخرى تظهر الوجه الأكثر خطورة. ففي العراق 2003، أدى التدخل إلى إسقاط النظام، لكنه فتح الباب أمام فوضى طويلة الأمد. وفي ليبيا، تحقق النجاح العسكري سريعًا، لكن الدولة انهارت لاحقًا".
انطلاقًا من ذلك، يبدو أن أي سيناريو تدخل في لبنان قد يكون ممكنًا من حيث المبدأ، لكنه محفوف بشروط معقدة. فلبنان ليس ساحة معزولة، بل عقدة توازنات إقليمية تشمل إيران وإسرائيل، وأي محاولة لفرض واقع جديد قد تتحول إلى مواجهة أوسع. كما أن التحدي لا يكمن فقط في فرض التغيير، بل في إدارة ما بعده، والقدرة على بناء استقرار مستدام.
يضيف: "عندما يُشلّ مجلس الأمن الدولي، لا يتوقف النقاش عند حدود الأمم المتحدة، بل ينتقل إلى خيارات أخرى تجمع بين القانون والسياسة. يمكن نظريًا أن تلعب منظمات إقليمية مثل جامعة الدول العربية دورًا في توفير غطاء سياسي أو حتى المساهمة في ترتيبات أمنية. كما يمكن أن تتشكل تحالفات دولية أو إقليمية تعمل خارج إطار الأمم المتحدة، مستندة إلى مبررات مثل حفظ الاستقرار أو منع توسع النزاع. وفي بعض الحالات، يتم الجمع بين هذه المسارات في نوع من "التكامل" أو "التوازي"، حيث تُستخدم الشرعية السياسية من جهة، والعمل الميداني من جهة أخرى".
من هو المستعد لتحمّل الكلفة؟
هنا يظهر التحدي الأكثر واقعية، يقول أبي سمرا: "أي تدخل فعلي لا يقتصر على قرار سياسي، بل يتطلب قوات على الأرض، وتمويلًا، واستعدادًا لتحمّل خسائر بشرية ومخاطر تصعيد إقليمي. وتظهر التجارب السابقة أن الدول تكون أكثر حذرًا عندما يتعلق الأمر بإرسال جنود إلى بيئات معقدة مثل لبنان، حيث تتداخل العوامل المحلية مع الإقليمية. حتى في إطار تحالفات واسعة، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى استعداد الدول للمشاركة الفعلية، وليس فقط السياسية، خصوصًا في ظل غياب ضمانات واضحة للنجاح أو لاستقرار ما بعد التدخل".
من جانبه، يصف الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد خليل الحلو، هذا الطرح بأنه خيار منطقي في المبدأ رغم تحدياته أو صعوباته أميركيًّا وغربيًّا؛ في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية بلا بدائل بعد تقويض "حزب الله" كل فرص بسط السيادة الوطنية دون إسناد أو دعم خارجي. ويأتي هذا في توقيت دقيق مع اقتراب نهاية ولاية "اليونيفيل"، وفي ظل فيتو حاسم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإسرائيل على التمديد لها بدعوى فشلها. ويلفت الحلو إلى أن واشنطن، التي أنفقت حوالى 10 مليارات دولار على هذه القوة منذ تأسيسها، ترفض تكرار تجربة تعتبرها غير مجدية، مجهضةً بذلك مساعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتأمين التمديد أو إيجاد تمويل بديل، خاصة في ظل انكفاء أوروبي فرضته أعباء الحرب الروسية الأوكرانية.
تعاقبت على جغرافيا الجنوب تجارب أممية شتى تحت راية الأمم المتحدة، سعت خلالها المنظمة الدولية لصياغة واقعٍ آمن عبر بعثتين رئيسيتين:
الأولى، قوات اليونيفيل: أنشئت العام 1978 بموجب القرارين 425 و426، ثمّ تعزيز المهام عام 2006 بعد حرب تموز وفق القرار 1701 وشملت مراقبة وقف الأعمال العدائية، ومؤازرة الجيش اللبناني في بسط سيادته، وضمان خلو المنطقة الحدودية من أي وجود عسكري غير شرعي.
الثانية، هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO): تعمل هذه الهيئة في لبنان منذ عام 1948 لمراقبة اتفاقية الهدنة، ويتواجد مراقبوها حاليًا ضمن "فريق مراقبي لبنان" (OGL) الذي يدعم "اليونيفيل" تقنيًا وميدانيًا في مراقبة الخط الأزرق، لكنهم غير مسلحين.
ومع وصول هذه القوات إلى طريقٍ مسدود في كبح جماح التوترات الأمنية، هل يشكل "الناتو"، بما يمتلكه من تفوق عسكري ضارب وغطاء سياسي أميركي، الملاذ الأخير والبديل الواقعي لانتزاع سيادة الدولة اللبنانية المخطوفة وتبديد الهواجس الأمنية الإسرائيلية؟
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|