بالفيديو -3 قتلى بضربة أميركية لقارب في المحيط الهادئ (فيديو)
الخط الأصفر البحري وحقل قانا: هل يعود لبنان لتقاسم كاريش؟
مستغلّةً "منطق القوة" بدل قوة القانون، تحاول إسرائيل رسم منطقة أمر واقع ضمن المياه الإقليمية اللبنانية، كامتداد طبيعي لما تسميه "منطقة الدفاع الأمامي"، أو ما بات يُعرف بـِ "الخط الأصفر". وهي المنطقة التي بلغها جيش الاحتلال الإسرائيلي جنوب الليطاني، حيث يتموضع ويتعرّض داخلها لضربات عسكرية مصدرها المقاومة.
قبيل ساعات من دخول وقف إطلاق النار المزعوم حيّز التنفيذ في 17 نيسان الجاري، نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي خريطة تُظهر رقعة انتشاره العسكري داخل الأراضي اللبنانية، من الناقورة غرباً وصولاً إلى السفح الغربي من جبل الشيخ شرقاً، بعمقٍ بلغ في بعض النقاط نحو 9 كيلومترات. اللافت في هذه الخريطة أنّ إسرائيل رسمت خطاً داخل المياه الإقليمية اللبنانية: خطاً طولياً نقطة انطلاقه غير واضحة، إن كان من رأس الناقورة المحتلة أو قبلها، ويمتد نحو رأس البياضة شمالاً، بعمق يتراوح بين 8.5 و9.5 كيلومترات، وفق خبير دولي في قانون البحار تحدثت إليه "المدن". وبحسب الخريطة، ينحرف الخط باتجاه الشمال بزاوية تُقدّر بنحو 45 درجة، ليقابل في نهايته شاطئ مدينة صور، علماً أنّ الخريطة نفسها لا تطابق المعايير الدولية المعتمدة في رسم الخرائط.
أمر واقع بحري
على المستوى الرسمي، يُفهم من هذه الخطوة أنّ إسرائيل تسعى إلى فرض أمر واقع بحري على لبنان، مستندة إلى تفوقها العسكري والسياسي، تمهيداً لمحاولة الانقلاب على اتفاقية الترسيم البحري الموقّعة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة عام 2022، والمسجّلة لدى الأمم المتحدة كمعاهدة دولية. ورغم ذلك، تتصرّف إسرائيل منذ توقيع الاتفاق وكأنه غير قائم، إذ لا تزال تحرّك قطعها البحرية باتجاه "الخط رقم 1" (المعروف بخط الطفافات غير القانوني)، الذي سبق أن ادّعت أنه يمثل حدودها البحرية مع لبنان، شمال الخط 23 المعتمد في الاتفاقية.
ينطلق هذا السلوك من معارضة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للاتفاق منذ إقراره في عهد يائير لابيد، إذ أعلن مراراً رفضه له، ووعد بإلغائه عند وصوله إلى السلطة. ويشاركه هذا الموقف عدد من وزرائه، لا سيما وزير الطاقة إيلي كوهين. إلا أنّ نتنياهو، بالرغم من وجوده في الحكم، يعجز عن إلغاء الاتفاق قانونياً، لأسباب تتصل بطبيعته القانونية ورعايته الأميركية السياسية والتقنية، ما يحول دون إسقاطه من جانب واحد. لذلك، يكتفي بالمشاغبة البحرية التي تفتقر لأي سند قانوني.
اتفاق غير قابل للنقض
بحسب خبير دولي في الترسيم البحري، فإن اتفاق 2022 أصبح نافذاً بحكم تسجيله لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة وإبلاغه إلى مجلس الأمن والمؤسسات الدولية المختصة، وهو يتمتع بقوة قانونية لا تسمح بتعديله أو إلغائه إلا باتفاق الطرفين، ما يستدعي مساراً تفاوضياً جديداً معقّداً تقنياً وقانونياً. ومن أبرز مخاطر هذا المسار إعادة تصنيف أجزاء من المنطقة كـ"مناطق متنازع عليها" ما يعرقل أنشطة الاستكشاف، لاسيما داخل "المنطقة الإسرائيلية"، ويعرّض أي تلزيمات لمخاطر قانونية وملاحقات دولية.
العودة إلى الخط 29؟
إعادة فتح باب التفاوض تعني أيضاً العودة إلى الطروحات اللبنانية السابقة، وفي مقدمها الخط 29، الذي شكّل ورقة ضغط أساسية دفعت إسرائيل للقبول بالخط 23. ويرى الخبير الدولي أنّ إلغاء الاتفاق من جانب إسرائيل قد يمنح لبنان هامشاً أوسع لتحصيل حقوق إضافية إذا أحسن التفاوض، ما يفتح نظرياً الباب أمام العودة إلى فكرة "التشارك" في حقل كاريش. إلا أنّه يستدرك بأن الولايات المتحدة و"الدولة العميقة" في إسرائيل لن تسمحا بإلغاء الاتفاق، لما يحمله ذلك من تداعيات سلبية.
في المقابل، يعتبر خبير لبناني آخر أنّ الاتفاق الحالي هو الأفضل للطرفين، إذ خفّف من احتمالات الاشتباك وفتح المجال أمام الشركات للعمل ضمن المياه الإقليمية. ويشير إلى أنه، رغم اندلاع الحرب منذ 7 تشرين الأول 2023، بقيت الحقول الغازية والنفطية بمنأى عن الصراع، واستمرت الشركات في أنشطتها.
في السياق نفسه، يكشف مصدر نفطي لبناني لـِ "المدن" أنّ لبنان يستعد لتوقيع اتفاق تعاون جديد مع شركة "توتال" بشأن البلوك رقم 8 الواقع ضمن ما يُعرف بالمنطقة العازلة.
مصير حقل "قانا"
بناءً على ذلك، لا يمكن قانوناً إلغاء مفاعيل الاتفاق، كما لا يمكن لإسرائيل نقل خطوطها والسيطرة على الحقول اللبنانية أو تهديد "حقل قانا" — أصبح بعد نتائج الحفر الأخير يسمى موقعاً غير تجاري — أو أخواته من الهياكل الجيولوجية غير المكتشفة. وحتى في حال فرضت واقعاً ميدانياً، فلن تتمكن من استثمار هذه المناطق اقتصادياً لغياب الغطاء القانوني، ما يعرّض أي نشاط لشبهات قانونية وملاحقات دولية وعدم قبول أي من الشركات العمل في منطقة ذات مخاطر قانونية وعسكرية عالية، خصوصاً في مناطق قد تُصنّف متنازعاً عليها، علماً أنّ المنطقة الممتدة من رأس الناقورة إلى رأس البياضة تُعد، قانوناً، ضمن السيادة اللبنانية الخالصة.
لكن عملياً، تستطيع إسرائيل عرقلة عمل الشركات في الجانب اللبناني، سواء داخل المياه الإقليمية أو في المنطقة العازلة، عبر استخدام تفوقها البحري لفرض أمر واقع بالقوة، من خلال المضايقة أو الحظر غير المعلن. وهو سلوك يندرج ضمن ما يُعرف في القانون الدولي بمفهوم "السيطرة البحرية"، ويشبه إلى حد بعيد ما تمارسه الولايات المتحدة في محيط مضيق هرمز، من حيث الضغط والمضايقة لردع الخصوم. وهذا النوع من الضغوط قد يدفع الشركات، المترددة أصلاً، إلى الانسحاب أو تجميد استثماراتها في المياه اللبنانية.
هلع لبناني!
تفيد معلومات "المدن" أنّ الحكومة اللبنانية تحرّكت بعد نشر إسرائيل للخارطة التي تتضمن الشق البحري، باتجاه خبراء قانونيين دوليين، للاستفهام عن الأبعاد القانونية ومدى وجود مخاطر. كما فعّلت قنوات الوساطة السياسية لمنع إسرائيل من اتخاذ أي خطوات مناقضة لاتفاق الترسيم. ووفق هذه المعطيات، فإن التقييم القانوني يؤكد عجز إسرائيل عن إجراء أي تعديل أحادي الجانب على الحدود البحرية، ويصف الوضع القانوني للبنان بأنه "متين". كما تشير التطمينات السياسية إلى أنّ إسرائيل لا تنوي تغيير الواقع القانوني البحري، بل تقتصر إجراءاتها على تأمين نطاق "الدفاع الأمامي" المرتبط بالوضع الميداني على اليابسة، مع حرصها على إبقاء البحر خارج دائرة التصعيد العسكري، تجنباً لأي انعكاسات على أنشطتها الاستكشافية.
عبد الله قمح - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|