العبسي يستقبل وفدا من "اللقاء الديمقراطي": عدم الالتزام بالوحدة يقودنا الى الانتحار
لقاء معراب: المسيحيّون أيضًا على عتبة التسوية الكبرى
لا توقيته ولا أسبابه، تضعانه في خانة الروتينيّ. لقاء معراب بين رئيس حزب "القوّات اللّبنانيّة" سمير جعجع ورئيس حزب "الكتائب اللّبنانيّة" سامي الجميّل، قبل أيامٍ، كانت له أبعاد فعليّة. التوقيت يكفي. البلد يدخل مرحلة غامضة. الكلام يكبر عن مؤتمرات، وتسويات، وإحياء لمسار الطائف، وربّما تعديله من دون تسميته. وفي الكواليس سؤال ضروري: من يفاوض باسم لبنان؟ ومن يضمن ألّا يُطبخ مستقبله خارج اللبنانيين؟
اللقاء أتى على هذا الإيقاع. لا بوصفه مصالحة، فالعلاقة بين الحزبين ليست مقطوعة. ولا بوصفه اصطفافًا انتخابيًّا. بل محاولة لالتقاط لحظة سياسيّة تتقدّم بسرعة. ثمّة ما يتحرّك في الإقليم. وثمّة من يحاول ترتيب الداخل على قياس الخارج.
ما بعد معراب
في معراب، كان العنوان واضحًا: دعم الدّولة. دعم رئيس الجمهوريّة في التّفاوض. ومنع تحويل القرارات الرسميّة إلى بيانات بلا تنفيذ. "القوّات" و"الكتائب" تلتقيان عند هذه النقطة. لا استقرار بلا دولة. ولا تسوية بلا مؤسّسات. ولا معنى لأيّ تفاوض إذا بقي القرار الفعليّ في مكان آخر.هنا تكمن دلالة اللقاء. ليس في جمع جعجع والجميّل فقط. بل في السؤال الذي يسبقه: هل تدخل القوى المسيحيّة المرحلة المقبلة متفرّقة، أم تحاول صياغة موقف مشترك قبل أن تُفرض التسوية؟
على هذا الخطّ برز كلام النائب فريد هيكل الخازن. كلامه بدا كجرس إنذار. لا طائفيًّا فقط. بل كيانيًّا.
قال الخازن: "في ظلّ ما يُهمس به سرًّا، أدعو إلى اجتماع مسيحيّ عاجل وفوريّ، يضمّ القيادات والحكماء، بهدف تشكيل لجنة متابعة على غرار الجبهة اللّبنانيّة، لمواكبة التطوّرات الرّاهنة وضمان حضورنا الفاعل في أيّ تسوية مقبلة، والدّفاع عن حقوقنا الوطنيّة".
العبارة الأهمّ هنا ليست "الجبهة اللّبنانيّة"، رغم ثقلها في الذاكرة. الأهمّ هو الخوف من الغياب. الخوف من أن يكون لبنان موضوع تفاوض لا طرفًا فيه. والخوف من أن يُستدعى المسيحيّون إلى التوقيع بعد انتهاء الطبخة.لكنّ المبادرة تفتح سؤالًا آخر. أيّ اجتماع مسيحيّ؟ وبأيّ جدول أعمال؟ وتحت أيّ سقف؟ هل المطلوب حماية الطائف أم فتح النقاش حوله؟ هل الهدف تثبيت الشراكة أم بناء جبهة مواجهة؟ هذه الأسئلة ليست تفصيليّة. هي جوهر المبادرة.
مصادر قواتيّة لـ"المدن"
مصادر قواتيّة تقول لـ"المدن" إنّ المرحلة لا تحتمل ردود فعل متسرّعة. المطلوب، بحسبها، "توفير أرضيّة وطنيّة جامعة، ولا سيّما أنّ إحدى أدوات تأمين هذه الأرضيّة تتمثّل في دعم الدّولة وقراراتها".
وتضيف المصادر: "الأمر الأوّل هو الوقوف خلف رئيس الجمهوريّة في موضوع التّفاوض، لأنّ هذا المسار يضغط باتّجاه معالجة الملفّات العالقة كلّها، بما فيها ما يتّصل بالمفاوضات وبالقضايا المرتبطة بها".
وتتابع: "أمّا الأمر الثّاني، فهو أيضًا دعم رئيس الجمهوريّة في التّفاوض، والأهمّ أن تتمكّن الجمهوريّة من تنفيذ قراراتها، وألّا تبقى هذه القرارات مجرّد حبرٍ على ورق. لذلك يجب أن يكون هناك دفعٌ واضح في اتّجاه تحويل القرارات إلى خطوات عمليّة، خصوصًا في هذه المرحلة الجديدة".
الكلام هنا محسوب. لا رفض لمبدأ التشاور. ولا حماسة مجانيّة لأيّ إطار جديد. الأولويّة عند "القوّات" هي الدّولة. لا بدائل عنها. ولا منصّات موازية لها.
في قراءة المصادر القواتيّة، الاستقرار ليس عنوانًا فضفاضًا. هو قرار سياسيّ. ومسؤوليّة الدولة أن تحميه.
تقول المصادر: "من المهمّ كذلك أن تكون الدّولة ماضية في منع أيّ طرفٍ من ضرب الاستقرار، لأنّ الجهة التي تستهدف الاستقرار معروفة، وهويّتها معروفة. لذلك يجب تصحيح الخلل، واتّخاذ الإجراءات المناسبة لضمان الاستقرار".
وبذلك، لا تنظر معراب إلى التفاوض كمسار منفصل عن الداخل. التفاوض يحتاج إلى دولة ممسوكة القرار. وإلى سلطة قادرة على التنفيذ. وإلى منع أيّ طرف من استخدام الساحة اللبنانيّة ورقة ضغط.
وسُئلت المصادر عن كلام الخازن، وعن إمكان عقد مؤتمر يضمّ شخصيّات مسيحيّة تحت غطاء بكركي، وطرح ملفّ الطائف وسواه. فجاء الجواب حذرًا وواضحًا: "لم يتحدّث معنا أحد في هذا الموضوع بالتّحديد. وإذا أراد أحد عقد اجتماع في بكركي، فمن الطّبيعي أن نسأل عن الهدف منه، وعن جدول أعماله، وعن الغاية التي يسعى إليها. هذا أمر مهمّ جدًّا".
برّي وخطوط التفاوض
في موازاة ذلك، سُئلت المصادر عن موقف رئيس مجلس النواب نبيه برّي من كلام رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، وما إذا كان ذلك يعيد البلاد إلى أجواء شبيهة بالّتي عاشها سابقًا. تجيب المصادر بأنّ برّي "يريد تجنّب تحميل أيّ جهة مسؤوليّة مباشرة، كما يريد إبقاء الباب مفتوحًا أمام التّفاوض والحلول السياسيّة".
وتضيف أنّ موقفه "يهدف إلى تجنّب التصعيد، لأنّ مسار التّفاوض واضح، وهناك خطوط تواصل قائمة، ومن المهمّ عدم قطعها أو تعطيلها في هذه المرحلة".
المعنى واضح. لا أحد يريد إقفال الباب. لكنّ إبقاء الباب مفتوحًا لا يكفي. السؤال هو: من يدخل منه؟ وبأيّ صفة؟ وبأيّ تفويض؟
من هنا يأتي القلق المسيحي. لا من عقدة طائفيّة. بل من تجربة. فكلّما غاب المسيحيّون عن لحظة التسوية، دفعوا ثمنًا في الدور. لكنّ العكس صحيح أيضًا. أيّ حضور مسيحيّ بلا مشروع وطنيّ يتحوّل إلى عزلة.
لذلك تبدو اللحظة دقيقة. اجتماع مسيحيّ قد يكون ضرورة، إذا كان هدفه تثبيت الشراكة والدّولة والطائف. وقد يكون عبئًا، إذا بدا كاستعادة لعناوين قديمة بلغة جديدة.
لقاء جعجع والجميّل لا يصنع وحده توازنًا جديدًا. لكنّه يشير إلى محاولة تنظيم الموقف. ومبادرة الخازن لا تكفي وحدها لإنتاج إطار سياسيّ. لكنّها تكشف حجم القلق.
بين الاثنين، ثمّة سؤال واحد يتقدّم: هل يكون المسيحيّون جزءًا من صناعة التسوية، أم مجرّد شهود عليها؟
ولعلّ الهاجس الأكبر قد يكون على قاعدة أنّ: لبنان أمام مرحلة جديدة. ومن لا يحجز مقعده الآن، قد لا يجد اسمه على الطاولة لاحقًا.
بتول يزبك - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|